ظل النجم العملاق الأحمر "منكب الجوزاء" أو يد الجوزاء (Betelgeuse) يثير حيرة علماء الفلك منذ أن فقد جزءا كبيرا من لمعانه أواخر عام 2019، حتى ظن بعض المتابعين أن انفجاره نجما مستعرا أعظم بات وشيكا، حتى بات الفلكيون يتخيلون المنظر الكئيب لكوكبة الجوزاء بدون هذا النجم العظيم.
وبعد سنوات من مراقبته، كشفت دراسة جديدة أن غلافه الجوي الخارجي استعاد درجات حرارته المعتادة، لكن العلماء لاحظوا تغيرا طفيفا في شكله قد يكون مرتبطا بنجم أصغر يدور حوله.
تقع هذه النجمة الشهيرة في كوكبة الجبار (Orion)، وتعد من أضخم النجوم التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة. وهي في مرحلة متقدمة من حياتها، بعد أن استهلكت معظم الهيدروجين في قلبها وتضخمت طبقاتها الخارجية.
وحلل الفريق أرصادا التقطت بين عامي 2021 و2026 عند سبعة ترددات راديوية، بهدف قياس حرارة الطبقات الخارجية للنجم ورسم بنيتها، والبحث عن آثار اضطرابات قد تكون مرتبطة برفيقه المحتمل.
وأظهرت النتائج عودة درجات حرارة السطوع الراديوي عند ترددين رئيسيين إلى مستويات قريبة من المعتاد، بعد الاضطرابات التي أعقبت حادثة الخفوت العظيم.
ليس تغير لمعان منكب الجوزاء ظاهرة حديثة. فقد لاحظ الفلكي البريطاني جون هيرشل تغير سطوعه منذ عام 1836، وأصبح لاحقا أحد أشهر النجوم المتغيرة في السماء.
ينبض النجم بصورة شبه دورية كل نحو 430 يوما، إذ تتمدد طبقاته الخارجية وتبرد، ثم تنكمش وترتفع حرارتها. ويؤدي هذا التغير إلى اختلاف سطوعه الذي نراه من الأرض.
لكن منكب الجوزاء يملك دورة أخرى أطول تبلغ نحو 2100 يوم، أي قرابة 5.75 سنوات، ظلت أسبابها موضع نقاش طوال عقود. وجاء الخفوت العظيم بين أكتوبر/تشرين الأول 2019 وفبراير/شباط 2020 ليضيف لغزا ثالثا؛ إذ انخفض لمعان النجم بأكثر من الثلثين، حتى أصبح أخفت كثيرا من مظهره المعتاد.
وأظهرت دراسات لاحقة أن النجم قذف كمية كبيرة من المادة من سطحه، ثم برد جزء منها وتكاثف ليشكل سحابة غبار حجبت قسما من ضوئه عن الأرض.
ولذلك لا يمكن تفسير جميع تغيرات لمعانه بسبب واحد؛ فالنبضات الداخلية والسحب الغبارية والرفيق النجمي المحتمل قد تؤدي أدوارا مختلفة.
تشير دراسات حديثة إلى وجود رفيق نجمي أصغر لمنكب الجوزاء، يعرف باسم "سِوارها" (Siwarha)، وهو اسم مشتق من العربية بمعنى سوارها، في إشارة إلى ارتباط النجمين في السماء، فهي يد الجوزاء وهذا سوارها.
ويعتقد الباحثون أن هذا الرفيق يدور داخل الطبقات الخارجية الممتدة للنجم العملاق كل ست سنوات تقريبا، وأن حركته قد تؤثر في الغاز والغبار المحيطين به.
ولم تتمكن الدراسة الراديوية الجديدة من رصد "سوارها" مباشرة، لكنها بحثت عن أثره المحتمل في شكل الغلاف الجوي لمنكب الجوزاء.
وكشفت القياسات أن قرص النجم يبدو شبه دائري، مع استطالة طفيفة لا تتجاوز نحو 10%. غير أن مقارنة الصور الجديدة بأرصاد أقدم أظهرت نمطا مثيرا للاهتمام؛ إذ يزداد الاستطالة عندما يتوقع أن يكون الرفيق في أبعد موضع ظاهري عن النجم، ثم تتراجع عندما يمر أمامه أو خلفه من منظور الأرض.
وقد يكون هذا التغير نتيجة تأثير جاذبية الرفيق في الغاز المحيط بالنجم العملاق، لكن العلماء يؤكدون أن الأدلة لا تزال أولية، وأن الأمر يحتاج إلى أرصاد إضافية.
وتقول الباحثة الفلكية لين ماثيوز إن الجمع بين البيانات الاستثنائية التي قدمتها المصفوفتان الراديويتان هو ما أتاح الوصول إلى نتيجة مقنعة بشأن الحالة الحرارية للنجم.
وهكذا، بدلا من أن يكون خفوت منكب الجوزاء إشارة مؤكدة إلى انفجاره الوشيك، أصبح فرصة لفهم حياته المضطربة، وكيف تتفاعل النجوم العملاقة مع رفاقها قبل أن تصل إلى نهايتها.
قاد الدراسة الباحثة الفلكية لين ماثيوز من مرصد هايسْتاك التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، باستخدام مصفوفة التلسكوبات الراديوية الكبيرة جدا في الولايات المتحدة "في إل إيه" (VLA)، ومصفوفة أتاكاما المليمترية ودون المليمترية "ألما" (ALMA) في تشيلي.
يعد "منكب الجوزاء" أحد أضخم النجوم المعروفة، وهو نجم عملاق أحمر يقع على بعد يقدر بنحو 650 إلى 725 سنة ضوئية من الأرض، ويبلغ عمره نحو 8 ملايين سنة فقط، لكنه يقترب من المراحل الأخيرة من حياته بسبب كتلته الكبيرة واستهلاكه السريع لوقوده النووي.
ويقدر نصف قطره بنحو 700 إلى 1400 ضعف نصف قطر الشمس، فيما تبلغ درجة حرارة سطحه نحو 3500 درجة كلفن، ويزيد لمعانه على لمعان الشمس بعشرات آلاف المرات، مع اختلاف التقديرات العلمية لهذه الخصائص.
ويحمل النجم اسما ذا أصل عربي يرتبط بصورة كوكبة الجوزاء في التراث الفلكي العربي، حيث يقع عند يد الجوزاء في الرسوم القديمة، بينما يظهر على منكب الصياد "أوريون" في التصوير الإغريقي للكوكبة، ومن هنا اشتهر عربيا باسم "منكب الجوزاء" أو يد الجوزاء".