بعدما كانت الهجرة الداخلية تتجه من المدن الصغيرة والمناطق الطرفية نحو المدن الكبرى والعواصم بحثا عن فرص العمل والدخل، أسهم انتشار العمل عن بعد في تغيير هذا الاتجاه، مع تزايد انتقال الأفراد إلى مناطق أقل تكلفة للمعيشة في العديد من الدول.
وكشفت دراسات حديثة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا عن انتقال العاملين عن بعد والعاملين من منازلهم إلى مناطق بعيدة جغرافيا عن مركز المدينة، مع الاحتفاظ بوظائفهم، وكان الاتجاه غالبا نحو المدن المتوسطة والبلدات الصغيرة والمناطق الريفية التي تتوفر فيها مقومات العمل دون الارتباط بمقر الوظيفة.
أظهرت بيانات مسح المجتمع الأمريكي "إيه سي إس" (ACS) وبيانات حديثة أن العاملين عن بعد هاجروا بمعدلات بين 40% و50% مقارنة بأقرانهم الذين يتنقلون يوميا إلى مقار عملهم.
وتوضح البيانات في هذا المسح أن التوسع في العمل عن بعد أدى إلى زيادة الانتقال إلى مناطق ومدن أقل في تكاليف المعيشة. وفي الآونة الأخيرة، استقرت معدلات العمل من المنزل عند ضعف مستوياتها المسجلة قبل جائحة كوفيد-19، كما أدى التوسع في العمل عن بعد إلى مكاسب اقتصادية كبيرة مقارنة بمن يتنقلون للعمل يوميا في مقار وظائفهم.
ولا تقتصر فوائد العمل عن بعد على العاملين، بل تتعداهم لتشمل الشركات وتصب في الاقتصاد الكلي للدول، وبحسب تحليل أجرته مؤسسة "غلوبال وورك بليس أناليتكس"، يمكن للشركات الأمريكية توفير ما يصل إلى 11 ألف دولار لكل موظف سنويا من خلال تبني نظام العمل عن بُعد.
وبفضل هذا التوفير المالي الناتج عن تقليل مساحة المكاتب، تستطيع المؤسسات توجيه مواردها نحو مبادرات إستراتيجية أخرى.
في حديثه للجزيرة نت، يقول المحلل الاقتصادي مصطفى يوسف إن أهم ما تغيّر أن الراتب انفصل عن مكان العمل؛ مما أتاح للموظف حرية الاختيار والتنقل، ولم يعد مقيدا بالقرب من مكان وظيفته أو حتى التنقل إليه بأجور كبيرة في المواصلات، الأمر الذي يوفر الوقت والمجهود والمال.
وتُظهِر نتائج بحثية أجراها دانيال كانيمان أن معظم العاملين يكرهون التنقلات اليومية، وهي أكثر الأنشطة المكروهة خلال يوم العمل، وهذا يُفسر بسهولة سبب تقدير الموظف العادي للعمل من المنزل، وذلك لما يوفره من ساعات من التنقلات الأسبوعية المرهقة، إلى جانب مرونة السكن بعيدا عن مكان العمل.
وحسب تحليل ويليام إيبرلي الأستاذ في قسم الاقتصاد بجامعة ستانفورد، فإن العمل من المنزل ثلاثة أيام أسبوعيا يوفر ما يعادل 10% من إجمالي العمل والتنقل الأسبوعي، وبالتالي فإن توفير هذا الوقت المهدر يسهم في تعزيز الإنتاجية وزيادة الراتب بنسبة 8% تقريبا.
ويشير المحلل الاقتصادي مصطفى يوسف إلى أن الموظف كان يدفع ثمن الانتقال والقرب من مكان العمل ويُضطر إلى قبول دفع إيجارات مرتفعة وتضييع وقت طويل في التنقل إلى مقر الوظيفة. أما مع إمكانية العمل عن بعد، فقد أصبح قادرا على إعادة ترتيب ميزانيته، ومن بينها بنود السكن والتنقل وهما يمثلان أكبر بندين عند أغلب الأسر، فالعمل عن بعد أظهر سلوكا جديدا للعاملين، وبات النظر في كم يتبقى من الدخل بعد تكلفة المعيشة، وليس كم أتقاضى مقابل العمل.
يعتقد أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد أن العمل عن بعد ينعكس على الخريطة الجغرافية ويخلق فرصا استثمارية جديدة من خلال خلق مساحات في العواصم والمدن المزدحمة فضلا عن إمكانية استغلال مساحات جديدة في الأطراف.
فعلى المدى البعيد يستطيع العاملون عن بعد استغلال أراض غير مستغلة لبناء مساكن، مما يزيد المعروض فعليا ويجذب شرائح كثيرة من الموظفين ممن يرغبون في الابتعاد عن معاناة الزحام والتكدس المروري. ويمكن لهذه المساهمات الرأسمالية مجتمعة أن ترفع الإنتاج على مدى العقود القادمة.
ويتفق يوسف مع هذا الطرح، ويقول إن العمل عن بعد والانتقال الجغرافي قد يكون فرصة استثمارية بشرط أن يرفع معدل الادخار فعلا، وذلك إذا بقي الدخل ثابتا وانخفضت النفقات، وألا تستغل الشركات العمل عن بعد لصالحها بأن تربط الأجر بمكان الإقامة، فيضيع جزء من الوفر على العاملين.
ويشير يوسف إلى أهمية توجه العاملين أنفسهم إلى فكرة الادخار والاستثمار، مع تخفيض نفقات الانتقال، بدلا من إنفاق الفوارق الناتجة عن التوفير في كماليات أو رفاهيات.
وذهب يوسف إلى أن العمل عن بعد قد يغري أصحاب الدخول المرتفعة إلى مغادرة المدن الكبرى إلى مناطق أقل تكلفة في الإيجارات والمعيشة اليومية، مستشهدا بما حدث في الولايات المتحدة من موجة انتقال من نيويورك وسان فرانسيسكو إلى مدن مثل أوستن في تكساس وبعض مدن فلوريدا والمدن الصغيرة الأرخص نسبيا في كاليفورنيا في وسط الولاية، مثل سان لويس أوبيسبو في منتصف المسافة بين سان دييغو وسان فرانسيسكو.
في المقابل، يرى أن الصورة أقل دراماتيكية مما كان متوقعًا خلال جائحة كوفيد-19، فالمدن الكبرى لم تُفرَّغ من سكانها، نظرا لما توفره من فرص وشبكات ومهنيين يحتاج بعضهم إلى بعض.
ومن ثم، يمكن الحديث عن إعادة توزيع للسكان، وفق يوسف، إذ يعمل البعض في وظائف داخل المدن الكبرى، بينما يعيشون في أطرافها أو في مدن أقل تكلفة، والمفارقة أن انتقال أصحاب الدخول المرتفعة إلى المدن الأقل تكلفة أدى إلى رفع الأسعار فيها، مما زاد الضغوط على سكانها الأصليين.
ينصح الخبراء بتحويل الوفر المالي الناتج عن فروقات الانتقال إلى أماكن العمل، وانخفاض تكاليف إيجار السكن والإنفاق على متطلبات الذهاب إلى مقار الوظيفة، من الادخار إلى الاستثمار، وأن يتم ترتيب تحويلات تلقائية في اليوم الأول من الشهر قبل أن يتعود الشخص على مستوى جديد من الإنفاق.
ويحذر يوسف من فخ التعود على الإنفاق العالي أو إبقاء الوفورات كمدخرات دون استثمار، إذ قد تتحول إلى مشتريات صغيرة غير مهمة على الإطلاق، منبها إلى ضرورة الترتيب المنطقي بإنشاء صندوق طوارئ لتغطية ستة أشهر ثم سداد الديون ذات الفوائد المرتفعة، واستثمار الباقي بشكل يدخل عوائد ولو بسيطة في المراحل الأولى.
من جانبه، يرى أستاذ التمويل والاقتصاد أشرف دوابة أن العمل عن بعد يمكّن الموظف من إعادة هيكلة نفسه حسب قدراته كعنصر عامل، ويتيح للكثيرين حرية اختيار مكان السكن، وما يترتب عليه من تخفيض الإنفاق.
ويضيف دوابة في حديثه للجزيرة نت "لم يعد العامل مضطرا إلى البقاء في المدن الكبيرة التي تتميز بارتفاع أسعار غالبية الشقق السكنية وتحمل تكاليف وتبعات غلاء المعيشة في هذه المدن ذات الطلب المرتفع".
وأضاف أن من يرتبط عمله بالجانب التقني وعبر الإنترنت أصبح يبحث عن مكان فيه بنية تحتية إلكترونية جيدة، حتى لو في قرية بعيدة في بلده أو حتى خارج البلد.
يترتب على حرية اختيار مكان السكن اختيار مناطق بها أسعار أقل وإنفاق أقل على السلع أيضا، مما يترتب عليه توفير النفقات في المناطق مرتفعة الأسعار، حسب رؤية دوابة.
ويضيف أن العمل عن بعد سيقلل قيمة الاستهلاك الكلي وسيؤدي في النهاية إلى زيادة قيمة الادخار عبر تخفيض نفقات الانتقال وأسعار المساكن. ويمكن تحويل هذه المدخرات إلى قيمة مضافة والاستفادة منها بتشغيلها والاستثمار فيها، سواء استثمرها الفرد بنفسه أو عن طريق المؤسسات المالية.
وأوضحت دراسة نشرها معهد مانهاتن للأبحاث أن كثيرا من الأسر، خاصة ممن لديهم أطفال أو الراغبين في الإنجاب، اتخذت الهجرة من المدن الكبيرة إستراتيجية لتقليل تكاليف السكن، وأصبح لدى العمال وأولياء الأمور خيارات أكثر جدوى مع وصول فرص العمل إلى المناطق الأقل نموًا، والاعتماد على العمل عن بعد والعمل الهجين.
وفي هذا السياق، يشير يوسف إلى أن بعض الأسر تنتقل بعيدا عن المدن الكبرى بوعي ووفق إستراتيجية محسوبة. وتتمثل فكرتهم في النظر إلى مكان الإقامة كقرار مالي وفق تساؤلات مهمة، وهي: كم يوفّر الانتقال؟ وما أثره على الضرائب؟ وما فرص الدخل هناك؟ وما جودة التعليم والرعاية الصحية؟
ويوضح يوسف أن النفقات التي يتم توفيرها، نتيجة الانتقال إلى مساكن أقل تكلفة في مناطق تتميز بأن خدماتها أقل سعرا، يمكن استثمارها في الأصول التقليدية والأسهم والصناديق المتنوعة، وهي تعد الأساس لمعظم الناس.
ويضيف يوسف أن هذه المدخرات يمكن استثمارها في العقار المحلي في المدن الأقل كلفة، حيث يمكن شراء وحدة بسعر لا يقارن بالمدن الكبرى، وقد تحقق عائدا إيجاريا جيدا.
ويقترح تنويع الاستثمار في الفرص المتاحة، خاصة الاستثمار في المشاريع الصغيرة الرقمية، مثل بناء متجر إلكتروني أو خدمة استشارية أو محتوى متخصص، خاصة أنها لا تحتاج أموالا كبيرة بقدر ما تحتاج إلى الوقت إضافة إلى تنويع المحافظ وعدم وضع المدخرات جميعها في أصل واحد.
ويرى دوابة أن الانتقال السكني سعيا إلى توفير النفقات يصب في صالح الأفراد بزيادة قدرتهم على الادخار، ويحميهم من فاتورة الديون، كما أن استثمار المدخرات يعمل على زيادة مستوى نمو الاقتصاد الكلي.