تخطّي إلى المحتوى
الجمعة، 6 نوفمبر 2026
عاجل
النيابة تتدخل في خلاف بين شقيقين بعد غمر أحدهما منزل الآخر بمياه الري في العياط هاني حتحوت يهنئ محمد بركات بزفاف ابنته الاتحاد العراقي يغيّر ملعب مباراة أمانة بغداد والقوة الجوية في دوري الرديف تدجين البط الخضيري في ذي قار: من طائر مهاجر إلى مصدر دخل ومستقر قرب المنازل سباليتي يدافع عن يوفنتوس بعد الفوز على ألكمار في الدوري الأوروبي كاباكا يرفض تجديد عقده مع الأهلي احتجاجاً على قلة مشاركاته تفاصيل معسكر ومباراتي مصر ومالاوي في تصفيات أمم أفريقيا الأسواق الآسيوية تنزلق بعد هبوط حاد في وول ستريت بسبب الذكاء الاصطناعي إيفا لونغوريا تبرز بفستان أحمر جريء في باريس عوائد السندات الهندية تسجل أفضل أداء أسبوعي منذ أبريل النيابة تتدخل في خلاف بين شقيقين بعد غمر أحدهما منزل الآخر بمياه الري في العياط هاني حتحوت يهنئ محمد بركات بزفاف ابنته الاتحاد العراقي يغيّر ملعب مباراة أمانة بغداد والقوة الجوية في دوري الرديف تدجين البط الخضيري في ذي قار: من طائر مهاجر إلى مصدر دخل ومستقر قرب المنازل سباليتي يدافع عن يوفنتوس بعد الفوز على ألكمار في الدوري الأوروبي كاباكا يرفض تجديد عقده مع الأهلي احتجاجاً على قلة مشاركاته تفاصيل معسكر ومباراتي مصر ومالاوي في تصفيات أمم أفريقيا الأسواق الآسيوية تنزلق بعد هبوط حاد في وول ستريت بسبب الذكاء الاصطناعي إيفا لونغوريا تبرز بفستان أحمر جريء في باريس عوائد السندات الهندية تسجل أفضل أداء أسبوعي منذ أبريل

أحد مؤسسي علم الكونيات الحديث يتساءل: هل بنينا فهمنا للكون على أوهام؟

يرى جيم بيبلز، الحائز على نوبل للفيزياء، أن النموذج الكوني الذي أسهم في بنائه يعمل بكفاءة مدهشة، لكنه قاصر. فالمادة المظلمة والطاقة المظلمة تظلان بلا تفسير، ومعدل تمدد الكون قد يخفي فيزياء جديدة.

6 نوفمبر 2026 16 د للقراءة 2
أحد مؤسسي علم الكونيات الحديث يتساءل: هل بنينا فهمنا للكون على أوهام؟

هل يعقل أن تكون أحدث نظرياتنا عن نشأة الكون مجرد مقاربات قاصرة، لا الحقيقة الكاملة؟ يرى جيمس بيبلز، عالم الفيزياء الكونية الحائز جائزة نوبل للفيزياء عام 2019، أن النموذج الذي يفسر به العلماء نشأة الكون اليوم يعمل بكفاءة مدهشة، لكنه لا يزال عاجزا عن تفسير المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وهما مكوّنان افتراضيان يملآن الكون ولا نعرف عنهما سوى آثارهما. في هذه المادة المترجمة من مجلة "نيوساينتست"، التي نُشرت في يونيو/حزيران 2020، يناقش بيبلز كيف يقف العلماء على أعتاب حقبة جديدة قد تأتي بنموذج أفضل لعلم الكونيات، يحل ألغاز المادة المظلمة والانفجار العظيم ويفتح الباب لاكتشافات أخرى.

إذا كانت جائزة نوبل هي معيار النجاح، فلدينا كل الأسباب لنثق بأننا نفهم الكون جيدا بفضل النموذج القياسي لعلم الكونيات. فعلى مدار العقدين الماضيين، ذهبت جائزة نوبل ثلاث مرات إلى أبحاث في علم الكونيات. وقدمت هذه الأبحاث صورة متسقة لكون نشأ قبل نحو 13.8 مليار سنة في حالة شديدة الحرارة والكثافة، ولم يتوقف منذ ذلك الحين عن التمدد والبرودة. والمدهش أن هذه الصورة توافقت مع كم هائل ومتنوع من الأرصاد الفلكية.

لكن إن نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى، فقد يبدو الاحتكام إلى جائزة نوبل غطاء لمشكلة أعمق في علم الكونيات. فهذا العلم يفترض أن معظم المادة في الكون مظلمة يستعصي علينا رصدها. ويعتمد أيضا على الثابت الكوني لألبرت أينشتاين (وهو حد رياضي أضافه أينشتاين إلى معادلاته ليبقى الكون فيها ساكنا)*، وهي إضافة تبدو اعتباطية إلى حد ما. وحتى لو تغاضينا عن هذا كله، يبقى سؤال مؤرق بلا جواب عما كان يفعله الكون قبل أن يبدأ في التمدد.

قد يرى المتشكك أن المادة المظلمة والطاقة المظلمة (وهي الاسم الحالي للثابت الكوني) ليستا سوى نسخة معاصرة من أفلاك التدوير في نظام بطلميوس، تلك التعديلات المعقدة التي أضيفت قديما إلى حركة الكواكب للإبقاء على الوهم بأنها جميعا تدور حول الأرض.

شغلتني هذه المسألة أكثر من غيري، فأنا معنيّ بها شخصيا، لأنني من أدخل هذين العنصرين الغامضين (المادة المظلمة والطاقة المظلمة) في النموذج القياسي لعلم الكونيات. ومن الطبيعي أن أسأل نفسي إن كان النموذج الذي أسهمت في بنائه صحيحا، وإن كان علم الكونيات لدينا يعكس الواقع فعلا. وسأدافع في السطور القادمة عن صحة هذا النموذج بقوة، لكن ضمن حدود.

الأدلة على أن الكون نشأ من انفجار عظيم قوية، وأهمها بحر شبه متجانس من الإشعاع الميكروي، تتراوح أطوال موجاته بين المليمترات والسنتيمترات، ويملأ الفضاء كله. فقبل أكثر من نصف قرن، حين كنت باحثا في مرحلة ما بعد الدكتوراه تحت إشراف أستاذي بوب ديك، عكفنا على دراسة فكرة تقول إن الكون كان في بداياته شديد الحرارة، وإنه ترك وراءه، وهو يتمدد ويبرد، بقايا من هذا الإشعاع طويل الموجة.

وسرعان ما تأكدت الفكرة. ففي عام 1964، عثر أرنو بنزياس وروبرت ويلسون مصادفة على هذا الإشعاع، المعروف باسم "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي"، وهما يختبران معدات اتصالات. وفي عام 2006، نال جون ماثر جائزة نوبل في الفيزياء لقيادته العمل على قياسات القمر الصناعي "كوبي" (COBE)، أو "مستكشف الخلفية الكونية".

أثبتت قياسات كوبي أن طيف إشعاع الخلفية الكونية يحمل بصمة إشعاع بلغ حالة "التوازن الحراري". ولا يبلغ الإشعاع هذه الحالة إلا إذا كانت المادة المحيطة به كثيفة بما يكفي لتحبسه حتى يستقر. وهذا مستحيل في كوننا اليوم، فالإشعاع يسري فيه بحرية تامة.

لذلك أرى أن هذا الإشعاع، الذي بقي كل هذا الزمن والكون يتمدد ويبرد، دليل ملموس على أن كوننا تطور من حالة مختلفة تماما عن حاله اليوم. فهو أشبه بآثار أقدام الديناصورات التي تخبرنا أن مخلوقات عملاقة جابت الأرض في زمن سحيق.

ونصل هنا إلى جورج سموت، شريك ماثر في جائزة نوبل لعام 2006، الذي قاد القياسات التي أثبتت أن إشعاع الخلفية الكونية ليس متجانسا تماما. فقد كشفت الخرائط التفصيلية للسماء عن تفاوت طفيف في شدة هذا الإشعاع من موضع إلى آخر، وهو تفاوت يتفق مع ما يتوقعه العلماء لكون يتمدد منذ الانفجار العظيم تحت تأثير عنصرين افتراضيين هما المادة المظلمة والطاقة المظلمة.

في ثمانينيات القرن الماضي، أضفت أول هذين العنصرين إلى النموذج الكوني. وكان دافعي القياسات المبكرة لإشعاع الخلفية الكونية، إذ كانت دقيقة بما يكفي لتُظهر أن الإشعاع متجانس إلى حد كبير. في المقابل، كنا نرى المادة في الكون متجمعة في مجرات وعناقيد مجرية وتكتلات أضخم. وأثار هذا التناقض جدلا حول أزمة في علم الكونيات، وتساءل الجميع كيف أمكن للمادة أن تتكتل كل هذا التكتل دون أن تجر الإشعاع معها.

لحل هذه المعضلة، اقترحت أن معظم المادة في الكون ليست من المادة العادية، أو "الباريونية"، التي نتكون منها نحن والنجوم والكواكب، والتي تقوم بنيتها على الباريونات (مثل البروتونات والنيوترونات، ومعها الإلكترونات المرتبطة بها)*. فالمادة المظلمة غير الباريونية التي تخيلتها لا تتفاعل مع المادة العادية إلا عبر الجاذبية، ولا تتفاعل مع الإشعاع. وحين تجمعت تحت تأثير جاذبيتها، انسلت عبر إشعاع الخلفية الكونية دون أن تُحدث فيه اضطرابا.

على أن تعديل الفرضيات لتلائم النتائج المرغوبة يحتاج إلى حذر، فالانزلاق إلى اختلاق حكايات لا سند لها وارد دائما. ولم أختلق حكاية، فقد استندت إلى دليلين آخرين. أولهما الشواهد الفلكية على أن معظم الكتلة في أطراف المجرات ضعيفة الإضاءة. فلو كانت المادة المرئية هي كل ما في المجرات، لتفككت بفعل السرعات العالية التي تدور بها، ولذلك كان لا بد من افتراض مادة غير مرئية تمنحها كتلة وجاذبية إضافيتين، فتعمل عمل صمغ كوني خفي يمسك أطرافها.

وجاء الدليل الثاني من فيزياء الجسيمات. ففي ذلك الوقت، كنا نعرف عائلتين مؤكدتين من الجسيمات الأساسية المعروفة باسم "اللبتونات"، هما عائلة الإلكترون ونيوترينو الإلكترون، وعائلة الميون ونيوترينو الميون. ثم تزايدت الأدلة على عائلة ثالثة، عرفناها لاحقا باسم التاو والنيوترينو المرافق له. فما الذي يمنع وجود عائلة رابعة؟

جذب هذا الافتراض انتباه العلماء. فلو كان نيوترينو هذه العائلة الرابعة ثقيلا، بكتلة تعادل نحو ثلاثة أضعاف كتلة البروتون، لكان بحر من هذه الجسيمات المتبقية من بدايات الكون الساخنة كافيا ليمنح الكون كثافة المادة اللازمة لتمدده بسرعة الإفلات. وسرعة الإفلات هي معدل التمدد الذي تكفي عنده الجاذبية، وهي تشد مادة الكون إلى الداخل، لإبطاء التمدد دون أن توقفه أو تقلبه إلى انكماش عظيم. والأمر يشبه الصاروخ الذي يحتاج إلى سرعة معينة كي يفلت من جاذبية الأرض ويحلّق في الفضاء بدل أن يسقط إليها.

غير أن القياسات وقتها أظهرت متوسطا لكثافة المادة في الكون أقل من هذه القيمة الحرجة، إلى حد أن الكون بدا يتمدد بنحو ضعف سرعة الإفلات. وهذا يعني مصادفة غريبة، فنحن نرصد الكون في الحقبة نفسها التي تغلّب فيها التمدد على الجاذبية وراح الكون يتوسع بحرية. وكانت المعضلة لتزول لو أن كثافة المادة في الكون تساوي القيمة الحرجة تماما، إذ يتمدد الكون حينها بسرعة الإفلات في أي حقبة نعيش فيها ونرصده. كانت فكرة مريحة دافع عنها كثيرون، وكنت منهم. وكنا مخطئين.

أظن أن النيوترينو الرابع الثقيل لم يكن عند علماء فيزياء الجسيمات أكثر من فرضية طريفة. ولعلهم سمعوا بحجة سرعة الإفلات سماعا مبهما، لكنهم لم يعرفوا الأدلة الرصدية على الكتلة الخفية حول المجرات. ومن اجتماع هذين المؤشرين، ومعهما الحاجة إلى تفسير تجانس الإشعاع الحراري، وُلد نموذج المادة المظلمة الباردة. وكلمة "باردة" هنا تعني أن جسيمات المادة المظلمة تتحرك ببطء مقارنة بالتمدد العام للكون، وهذه الخاصية أساس النموذج، فبها تتشكل المجرات وتجمعاتها على النحو الذي نرصده اليوم.

طرحت هذه الفكرة عام 1982، وتنبأت بأن حرارة إشعاع الخلفية الكونية ستتفاوت من موضع إلى آخر في السماء بنحو أربعة أجزاء من المليون، وهو تقدير وافق إلى حد بعيد قياسات القمر الصناعي كوبي التي أُعلنت عام 1992. وقام هذا التنبؤ على تخمين مدروس، وعلى وقت طويل قضيته في قياس توزيع المادة في الكون على النطاقات الكبرى، أعطاني فكرة عن أثرها الجاذبي المتوقع في الإشعاع.

وكنت في تلك الفترة منكبا على قياس متوسط كثافة المادة في الكون، حتى اقتنعت بأنها أقل من أن تُبقي التمدد عند سرعة الإفلات، سواء وُجد نيوترينو رابع أم لم يوجد. لم ترقني هذه النتيجة، فالتمدد بسرعة الإفلات بدا لي فكرة أنيقة لا تشوبها شائبة. لكن الأرصاد اضطرتني إلى حل لم أرغب فيه، هو إعادة الثابت الكوني إلى النموذج.

كان أينشتاين قد أدخل هذا الثابت عام 1917 ليحافظ على كون ساكن لا يتمدد ولا ينكمش، وهو أمر عدّه بديهيا. لكن الأرصاد الفلكية في العقد التالي أظهرت أن الكون ليس ساكنا، فنفر أينشتاين من ثابته. ويمقته علماء فيزياء الجسيمات اليوم أيضا، لأن حساباتهم النظرية تعطيه قيمة هائلة تفوق بكثير القيمة الضئيلة التي نحتاجها لتتطابق النظرية مع الأرصاد.

وفي عام 1984، غردت خارج السرب مرة أخرى، ودافعت عن إعادة الثابت الكوني بقيمة ضئيلة جدا. بدت هذه القيمة يومها اعتباطية، لكنها كانت تفسر الأرصاد. وأذكر أن فيزيائيا شابا علّق على اقتراحي بما معناه بيت من "أليس في بلاد العجائب"، أي إنني أفعل ذلك لأزعجهم فقط، لأنني أعرف أنه يغيظهم.

كنت أعرف إلى أي حد سيغيظ الاقتراح زملائي، لكنني لم أقصد استفزاز أحد، فقد كنت جادا فيما أطرحه. ولم يثبت صواب الفكرة إلا بعد نحو عقدين، حين جاءت مع مطلع الألفية الجديدة نتائج ثلاثة برامج رصدية كبرى في علم الكونيات، في أقل من خمس سنوات.

جاءت المجموعة الأولى من قياسات أدق وأعقد لمتوسط كثافة المادة، وأظهرت أن الكون يتمدد فعلا بأسرع من سرعة الإفلات. ومع أن حجة المصادفة التي ذكرتها جعلت كثيرين يرجحون أن هذه النتائج خطأ في الرصد، فقد تركت فيّ أثرا عميقا، وأظنها أثّرت في غيري أيضا.

وجاءت المجموعة الثانية من قياس تغيّر سرعة تمدد الكون عبر الزمن، بالاعتماد على ضوء المستعرات العظمى (نجوم تنفجر في آخر حياتها) في مجرات بعيدة. ولأن الضوء يستغرق زمنا طويلا ليصلنا، فنحن نرى تلك المجرات كما كانت في الماضي. ويتغير طول موجة هذا الضوء، بفعل ما يعرف بظاهرة دوبلر، تبعا لحركة المجرة بالنسبة إلينا.

وبحلول عام 2000، قدمت بيانات مستعرات عظمى في مجرات على مسافات مختلفة دليلا على أن الكون يتمدد بأسرع من سرعة الإفلات، وأن تمدده يتسارع مع الزمن. ومع هذه القياسات أُعيدت تسمية الثابت الكوني فصار "الطاقة المظلمة". وعلى هذا الاكتشاف نال جائزة نوبل للفيزياء لعام 2011 ثلاثة علماء من فريقين متنافسين، هم سول بيرلموتر وبريان شميت وآدم ريس.

وجاء الدليل الثالث من القياس الدقيق لتفاوت حرارة إشعاع الخلفية الكونية واستقطابه عبر السماء، فضيّق مجال التخمين وحدد بدقة مقدار الطاقة المظلمة والمادة المظلمة في الكون.

ولكن لماذا بلغت هذه الجهود الثلاثة الدقة اللازمة في أوقات متقاربة إلى هذا الحد؟ أظن أن في الأمر شيئا من المصادفة. لكن هذا التزامن ارتبط بوضوح بتطور أجهزة رصد الإشعاع، من الأشعة السينية والضوء المرئي إلى الموجات الراديوية، وبالقفزة الهائلة في قدرات الحوسبة وتخزين البيانات.

ومن المفارقات أن معظم هذه التقنيات طُورت لأغراض أخرى، منها هواتف انتهت بنا إلى أناس يمشون في الشوارع وعيونهم على هواتفهم لا يرون موضع أقدامهم، قبل أن يطوعها فلكيون مبتكرون لاختبار نماذجهم عن الكون.

أقنعت هذه الطرق الثلاث معظم علماء الكونيات بأن النموذج القائم على المادة المظلمة والطاقة المظلمة يسير على الأرجح في الطريق الصحيح، ومنذ ذلك الحين زادت القياسات هذه الأدلة رسوخا. لكنني حين بنيت هذا النموذج اخترت أبسط الافتراضات التي بدت لي مقبولة، ولم يكن متوقعا أن تصح كلها. وقد أثبتت القياسات الدقيقة لاحقا أن الشروط الأولية التي افترضتها، ومنها تفاصيل الطريقة التي تشوّه بها المادة الزمكان، جانبت الصواب قليلا.

والتعديلات لا تتوقف عند هذا الحد، فهناك دائما جديد يلوح في الأفق. وأبرز الأمثلة اليوم فارق يبلغ 10% بين قيمتين لمعدل تمدد الكون، تأتي كل منهما من طريقة حساب مختلفة. تعتمد الأولى على قياس بعد المجرات عنا وسرعة ابتعادها، على غرار قياسات المستعرات العظمى التي نالت جائزة نوبل عام 2011.

وتعتمد الثانية على ضبط قيم النموذج الكوني حتى توافق القياسات الدقيقة لتفاوت إشعاع الخلفية الكونية. ولو كان النموذج دقيقا لتطابقت القيمتان. وقد يعود هذا الفارق إلى خطأ خفي تسلل إلى هذه القياسات المعقدة، وقد يكون دليلا على شيء جديد لا نعرفه بعد. لم أنضم بعد إلى السباق على تفسيره، لكنني أتابع بشغف ما قد يتوصل إليه الباحثون.

وهناك اختبارات أخرى لصحة النموذج الكوني، منها وفرة الهيليوم في الكون، التي نقدرها بثلاث طرق. الأولى تقيس ما تبقى من الهيدروجين والديوتيريوم (الهيدروجين الثقيل)*، ومنها نتنبأ بكمية الهيليوم التي أنتجتها التفاعلات النووية الحرارية في أول عمر الكون، حين كانت حرارة إشعاع الخلفية الكونية أعلى بنحو مليار مرة من حرارتها اليوم (نحو 3 درجات فوق الصفر المطلق على مقياس كلفن). ويفترض هذا التنبؤ أن نموذجنا يصف الكون وصفا صحيحا حتى في تلك البدايات السحيقة.

أما الثانية فتستخرج كمية الهيليوم من توزيع المادة والإشعاع في حقبة كان الكون فيها أسخن ألف مرة مما هو اليوم، وهي حرارة كافية لتفكيك الذرات إلى بلازما تمتزج بالإشعاع. ولأن الهيليوم أثقل من الهيدروجين، فوجوده يترك أثرا واضحا في حركة هذه البلازما واستجابتها لضغط الإشعاع.

والثالثة تتيح للفلكيين رصد الهيليوم مباشرة في النجوم وفي البلازما القريبة منا. والمدهش حقا أن الطرق الثلاث متفقة حتى الآن. فهل ستبقى متفقة مع تحسن أدوات القياس؟ هذا وارد طبعا. لكن ألن يكون الأمر أكثر إثارة لو جاءت القياسات بما يخالف توقعاتنا؟

وحتى لو زادت ثقتنا في النموذج الكوني، يبقى لغزا المادة المظلمة والطاقة المظلمة قائمين. فالمادة المظلمة الباردة لا تزال فرضية، رغم تجارب مخبرية متواصلة منذ ثمانينيات القرن الماضي تبحث بأجهزة شديدة الحساسية عن أي تفاعل طفيف بينها وبين المادة العادية.

ولو رُصدت هذه المادة يوما لكان ذلك حدثا فارقا يعيد رسم فهمنا للكون. لكن قد تكون المادة المظلمة معزولة تماما عن المادة الباريونية والإشعاع اللذين نعرفهما، فلا سبيل إلى رصدها إلا عبر جاذبيتها التي تمسك أطراف المجرات.

وماذا عن الطاقة المظلمة؟ يبذل العلماء جهدا كبيرا لمعرفة ما إذا كانت قيمتها تتغير مع تمدد الكون. فإن تبين ذلك، لن تبقى الطاقة المظلمة مجرد ثابت كوني غريب يربكنا، وستصير عنصرا فاعلا في حركة الكون. وتحديد طبيعة هذا الدور سيكون تحديا كبيرا، وفرصة نادرة في آن.

ولعلم الكونيات مشكلات أخرى، أبرزها أننا لا نعرف ما الذي حدث بالضبط في بداية الانفجار العظيم. وهنا تأتي فكرة التضخم الكوني، التي حلّت بعض الإشكالات في قصة نشأة الكون، وتذهب بعض صيغها إلى أن الانفجار العظيم ربما أنتج أكوانا متعددة غير كوننا. لكن هذه الفكرة تفتقر إلى أدلة يُعوَّل عليها.

لا ضمان لأن نفهم العالم المادي من حولنا فهما تاما، أو أن نعثر على أشياء مثل المادة المظلمة. لكن هذا لا ينتقص من نجاحات الفيزياء حتى الآن. فالعلماء والمهندسون يتحكمون في سلوك الإلكترونات والذرات والجزيئات، ويطوعون الحقول الكهربائية والمغناطيسية في هواتفنا المحمولة. والمدهش أن هذا كله قام على نماذج وتقريبات غير مكتملة.

فالنظرية الكهرومغناطيسية التي صاغها جيمس كليرك ماكسويل في القرن التاسع عشر ما زالت الأساس الذي تقوم عليه هواتفنا وشبكات الكهرباء. لكنها ليست سوى تقريب لنظرية أعمق هي الديناميكا الكهربائية الكمومية. وهذه بدورها نتيجة لكسر التناظر في "النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات" (أي تراجع حالة التماثل البدائية في قوانين الفيزياء الأولى، لتنشأ القوى بالشكل الذي نراه اليوم)*، وهو نموذج يبدو خليطا فوضويا من أرقام اعتباطية. فلا بد أن ثمة نظرية أفضل وأعمق تنتظرنا، ربما صيغة من نظرية الأوتار الفائقة. وحتى لو بلغناها، فماذا بعد؟

خلاصة القول أن قوانين الفيزياء ناقصة. لا أقصد أنها خاطئة، فهي قابلة للتحسين. وقد نصل يوما إلى نظرية نهائية تفسر كل شيء، وقد نكتشف أن الفيزياء سلسلة من التقريبات لا تنتهي. والأمر نفسه ينطبق على علم الكونيات.

حين بدأت العمل في علم الكونيات قبل عقود، كان المجال خليطا من فرضيات قليلة الأدلة، وكان ذلك يقلقني. أما اليوم فالأدلة وفيرة، لكن نموذجنا لا يزال خليطا من مكونات افتراضية. لذلك لا أتوقع أن يثبت خطأ نموذجنا الحالي، لكنني أتوقع أن نصل إلى ما هو أفضل منه، فيواصل علماء الكونيات من بعدنا نيل نصيبهم من جوائز نوبل.

كتب بيبلز هذا المقال في يونيو/حزيران 2020. وهو اليوم في الحادية والتسعين، وقد أصدر في أكتوبر/تشرين الأول 2026 كتابا جديدا عن مطبعة جامعة برينستون بعنوان "طريقة الفيزيائي"، يتناول فيه كيف يختبر الفيزيائيون نظرياتهم في الكم وعلم الكونيات. وفي السنوات الست التي فصلت بين المقال والكتاب، اشتدت الضغوط على النموذج الذي دافع عنه، لكن نموذجًا آخر لم يسقطه أو يقدر على حل محله.

جاء أقوى تحدٍّ من مسح مطياف الطاقة المظلمة (ديسي). ففي مارس/آذار 2025، أعلن فريقه، بعد رصد نحو 15 مليون مجرة ونجم زائف، أن بياناته تميل إلى طاقة مظلمة تضعف مع الزمن، بدرجة يقين تراوحت بين 2.8 و4.2 سيغما بحسب البيانات التي جُمعت معها. وهذا هو الاحتمال الذي وصفه بيبلز بالفرصة التاريخية، أن تكون الطاقة المظلمة شيئا يتغير لا ثابتا كونيا. لكن الإشارة خفتت منذ ذلك الحين. فبعد إعادة معايرة بيانات المستعرات العظمى في مسح آخر هو "مسح الطاقة المظلمة"، تراجعت إلى نحو 3.2 سيغما. ونشر فريق ديسي في يوليو/تموز 2026 نتائج جديدة قال الباحث ويني تيرنر من جامعة ولاية أوهايو إنها توافق النموذج القياسي، وإنها قد تعني أن مؤشرات تغير الطاقة المظلمة ستتلاشى. ويحتاج العلماء إلى 5 سيغما ليعدّوا النتيجة اكتشافا، والنتائج الحاسمة من المسح الكامل منتظرة عام 2027.

أما الفارق في معدل التمدد، المعروف بتوتر هابل، فقد ترسخ بالفعل. ففي أبريل/نيسان 2026، نشر فريق دولي قياسا لثابت هابل بلغ 73.5 كيلومترا في الثانية لكل ميغا فرسخ فلكي، بهامش خطأ يقارب 1%، في حين تعطي قياسات إشعاع الخلفية الكونية نحو 67 كيلومترا في الثانية. وقال الباحثون، بحسب مركز هارفارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية، إن نتيجتهم تستبعد عمليا أن يكون الفارق ناتجا عن خطأ واحد غفل عنه العلماء، وإنها قد تشير إلى فيزياء جديدة خارج النموذج القياسي. ولا يجمع الفلكيون على ذلك، فقد قاس فريق ويندي فريدمان بتلسكوب جيمس ويب عام 2025 قيمة قريبة من 70، ورأت فريدمان أن النموذج القياسي لا يزال صامدا.

والمادة المظلمة لا تزال فرضية كما قال بيبلز. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت تجربة "إل زد" في ولاية داكوتا الجنوبية، وهي من أكثر أجهزة البحث عن المادة المظلمة حساسية، أنها لم تعثر على أي أثر لجسيماتها. وفي سبتمبر/أيلول 2026، أبلغ فريقها عن حدث واحد يصعب تفسيره بالمصادر المعروفة، لكن دلالته الإحصائية لا تتجاوز 2.6 سيغما، وقال المتحدث باسم الفريق ريك غايتسكل إنهم لا يدّعون أنهم رأوا المادة المظلمة.

وتدخل الميدان الآن أدوات أكبر. فقد بدأ مرصد فيرا روبين في تشيلي مسحه للسماء الممتد عشر سنوات في يونيو/حزيران 2026، وينتظر الفلكيون أولى نتائج علم الكونيات من تلسكوب "إقليدس" الأوروبي في منتصف 2027. وربما تكشف واحدة من تلك الأدوات عن جانب من الفيزياء الجديدة التي قد تغير نظرتنا للكون، ويبشر بها بيبلز.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن
إطلاق أوراش جديدة للتأهيل الحضري في العيون تزامنا مع عيد الوحدة والذكرى الـ51 للمسيرة الخضراء علوم وفضاء

إطلاق أوراش جديدة للتأهيل الحضري في العيون تزامنا مع عيد الوحدة والذكرى الـ51 للمسيرة الخضراء

شهدت مدينة العيون، زوال الأربعاء 4 نونبر 2026، زيارة ميدانية لعدد من المشاريع الحضرية، تخللتها مراسم إعطاء انطلاقة أشغال التهيئة، وذلك في إطار تخليد الذكرى الأولى لعيد الوحدة والذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة. وترأس هذه الزيارة سمير بلفقيه، وزير إعداد التراب الوطني...

منذ ساعتين
العالم المصري ماجد أبو غربية يفوز بجائزة جون سكوت 2026.. رحلة علمية لتطوير أدوية تنقذ المرضى علوم وفضاء

العالم المصري ماجد أبو غربية يفوز بجائزة جون سكوت 2026.. رحلة علمية لتطوير أدوية تنقذ المرضى

أعرب الدكتور ماجد أبو غربية العالم المصري والأستاذ والباحث بجامعة تمبل الأمريكية في فيلادلفيا، والأستاذ المتفرغ بكلية الصيدلة جامعة القاهرة، عن فخره بالفوز بجائزة جون سكوت الأمريكية لعام 2026، مؤكدًا صدى البلد : المصدر العالم المصري ماجد أبو غربية يفوز بجائزة جون سكوت 2026.. رح...

منذ 5 ساعات
موستانج شيلبي GT500 وحيدة في العالم بهيكل كامل من ألياف الكربون علوم وفضاء

موستانج شيلبي GT500 وحيدة في العالم بهيكل كامل من ألياف الكربون

«كلاسيك ريكريشنز» تُطلق «شيلبي موستانج GT500CR» الوحيدة المرخصة بهيكل من ألياف الكربون عالميًا صدى البلد : المصدر موستانج شيلبي GT500 وحيدة في العالم بهيكل كامل من ألياف الكربون

منذ 5 ساعات
مصر تعلن اكتشاف حقل غاز جديد علوم وفضاء

مصر تعلن اكتشاف حقل غاز جديد

أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر تحقيق كشف غازي جديد في البئر الاستكشافية "نسيم-1X" في البحر المتوسط.

منذ 5 ساعات