بين الطب والرواية، أمضى الكاتب السوداني أمير تاج السر سنوات طويلة في تأمل الإنسان، من لحظة ولادته إلى مواجهة المرض والفقد. غير أن معرفته الطبية، على أهميتها، لا تمنحه تفسيراً حاسماً لكيفية ولادة النصوص؛ فالكتابة، كما يقول، «سر يصعب جداً فك طلاسمه». في هذا الحوار، يتحدث تاج السر عن الشخصيات التي تفرض مصائرها على الروائي، والحكايات التي تستيقظ في الذاكرة بعد سنوات، وعن حضور المرض والهامش الاجتماعي والغرائبية والسخرية في أعماله. كما يستعيد علاقته بالشعر، ويتوقف عند الحرب التي تمزق السودان، كاشفاً عن شعور متزايد بالأسى، وعن احتمال التوقف عن الكتابة أو الاتجاه إلى تدوين سيرة ذاتية موسعة. * عرفت الإنسان طبيباً منذ لحظة ولادته، وعاينت معاناته مع المرض. ماذا أضافت هذه الخبرة إلى رؤيتك للحياة، وكيف انعكست على كتابتك الروائية؟ ـ أصلا، الإنسان في كل حالاته ومراحله هو مشروعي؛ أكتبه جسدا ومشاعر وحياة كاملة إن استطعت. عملت سنوات في قسم التوليد، وأخرجت إلى الحياة أطفالا يصرخون، ولا أدري إن كان صراخهم خوفا أم بهجة، ثم شاهدت بعضهم يافعين وناضجين، وعاينتهم مرضى أيضا. الكتابة الإبداعية قد ترتبط بذلك وقد لا ترتبط. أنا شخصيا أكتب قبل أن أكون طبيبا؛ أكتب منذ تعلمت القراءة والكتابة، ومضيت في هذا الدرب أحيانا طائعا وأحيانا مجبرا. ولا أنكر أنني استفدت من معرفتي بالإنسان، تشريحيا ونفسيا، في كتابة أعمال ناجحة، منها «إيبولا 76» و»مهر الصياح» و»صائد اليرقات». وكنت أخترع أحيانا أمراضا وعلاجات وأضمنها في النصوص. أما الشخصيات فهي موجودة من حولي، وتحكي بنفسها عن حياتها، والمصائر غالبا لا أتحكم فيها؛ يتحكم فيها اتجاه الكتابة. في رواية «مهر الصياح» مثلا، ولكي ينتقم الخصي نجام من موت الرزينة، كان لا بد أن يموت الأمير مساعد. لم أخطط لموته، لكن النص أراد ذلك. والأمر نفسه حدث مع موت النبوي في رواية «العطر الفرنسي»، ومع شخصيات كثيرة في روايات لاحقة مثل شمشون وتفاحة وغيرها. صراحة، لا أعرف كيف تُكتب النصوص حين يخطط لها؛ لأنني شخصيا لا أخطط لكتابة نص أبدا.
* لماذا تعود بعض الحكايات إلى ذاكرتك بعد سنوات لتتحول إلى روايات، بينما تظل حكايات أخرى عصية على الكتابة؟ ـ هي الكتابة الإبداعية.. شيء يقترب أحيانا من الحقيقة ويبتعد عنها في أحيان أُخَر. حين أمارس مهنتي لا أحس بأنني كاتب على الإطلاق، وإنما ممارس لمهنة إنسانية فيها الكثير من الأسرار. بعض هذه الأسرار جاد وخطير، وبعضها هزلي، لكن غالبا ما يتبقى شيء من الاحتكاك بالمرضى وقصصهم في الذاكرة؛ قد تغلق الذاكرة عليه تماما، وقد تفرج عنه في وقت ما. هناك قصص عادت إلى ذهني بعد سنوات طويلة من معرفتي بها، وشكّلت روايات جيدة، وهناك قصص اختزنتها وحاولت أن أكتبها متعمدا ولم أستطع. ودائما أتحدث عن قصة سفاح كلية الطب في اليمن؛ قرأت عنه عشرات المقالات، وبحثت في حياته، ومع ذلك لم أستطع كتابته. وفي المقابل، قد يعود إليّ عنوان طريف قرأته في صحيفة قبل عشرين عاما، ويصبح مدخلا إلى رواية، مثلما حدث في «زحف النمل» التي أنجزتها عام 2006 ونشرت للمرة الأولى عام 2008، وكذلك «أرض السودان»؛ استوحيتها من قصة رحالة إنكليزي إلى السودان في القرن الثامن عشر. كنت قد قرأت القصة قبل عشر سنوات من كتابة الرواية، ثم عادت فجأة تلح في ذهني كي أكتب قصة موازية لها. فالكتابة الإبداعية سر، يصعب جدا فك طلاسمه.
*سبقت في «إيبولا 76» زمنا صار فيه الوباء تجربة إنسانية مشتركة؛ ماذا يخرج المرض الجماعي منا حين تهتز ثقتنا بالجسد وبالغد؟ ـ كتبت «إيبولا 76» عام 2012، مستذكرا قصة الهَبّة الأولى للوباء في الكونغو وجنوب السودان كما سمعتها من الطبيب الذي كان موجودا آنذاك في منطقة الوباء. التقيته مصادفة في عيادة للهلال الأحمر في أطراف مدينة بورتسودان، حين كنت أبحث عن حقن الكينين لعلاج الملاريا المقاومة لعقار الكلوروكوين، فحكى لي التجربة. عاش الطبيب على الرغم من موت كل طاقم المستشفى تقريبا، وأظنه عاش ليحكي التجربة حتى تنتقل لي، وأحكيها بدوري بصياغة أدبية فيها الكثير من الخيال والقليل من الحقيقة. نجحت الرواية لأن هَبّة جديدة من إيبولا ظهرت عام 2014، ثم جاء وباء كورونا بعد ذلك ليتوحد خوف الدنيا كلها في خوف واحد كبير؛ ظلت أعين الناس معلقة بالإحصاءات والوفيات، وظل كل شيء حبيسا من دون أن نعرف متى يفرج عنه. أظن أنها كانت تجربة إنسانية أرغمت الناس على الانحناء لإنسانيتهم واستيعابها. أتذكر تلك الأيام؛ كنا نعمل في علاج الناس وتشخيصهم، ونرى الخوف مرسوما وواضحا، ونرى في الوقت نفسه السعي الدؤوب لدى كثيرين لمد يد العون. هذه تجارب مهمة ومفيدة للكتابة، ولا يمكن أن نعيشها ثم يواريها الثرى بعد ذلك.
*تحضر في رواياتك شخصيات تدفعها الحياة إلى أطرافها الهشة؛ ما الذي تجده في الإنسان حين تكتبه من جهة الضعف والهامش؟ ـ لا أنكر أنني كاتب محلي أولا، وكاتب شعبي ثانيا، ومنحاز إلى الفقر والفقراء والمهمشين في الأرض ثالثا. أنا أكتب الإنسان الضعيف بكل معطيات ضعفه. لا أعتقد أنني أملك القدرة على منحه القوة، لكنني أستطيع على الأقل التنويه به وبما هو فيه.. لنأخذ قصة أببا تسفاي، اللاجئة الإريترية التي لجأت إلى السودان إثر الحرب في بلادها. كانت امرأة جميلة جدا، لكنها ضعيفة ومرتبكة وخائفة من مصير قاحل في بلد لجأت إليه من دون أن تعرفه؛ كان البلد الأقرب، وقد لجأ إليه كثيرون من بلادها. ماتت أببا طعنا. كنت موجودا حين جاءوا بها، ولم نستطع إنقاذها. إنها قصة استحقت أن تكتب، لأن الجمال لا ينجي صاحبه إذا ارتبط بمأساة أكبر.
*تواجه رواياتك عوالم يطبعها القبح الاجتماعي والعنف، كيف تحافظ الكتابة على لغتها أمام قسوة ما ترويه؟ ـ ربما يكون المقصود الأوصاف المزرية للمواقف المزرية، أو تلك الأحياء التي لم تملك خيار أن تكون نظيفة وأنيقة ومرتبة. أكتب هذه العوالم بلغة فيها الكثير من التحليق، وتقترب أحيانا من الشعر، حتى في روايات فيها قبح اجتماعي وعنف شديد، مثل جزء مؤلم من حكاية وغضب وكنداكات، كتبتها بطريقة سلسة، كما أعتقد. عموما، لا أتعالى بالكتابة ولا أهبط بها أيضا، إنها طريقة معينة توصلت إليها منذ زمن، وما زلت أستخدمها.
*الواقع في رواياتك لا يبقى على صورته؛ يعيد الخيال والغرائبية تشكيله حتى يصعب فصل الممكن عن المتخيل. ما الذي يتيحه هذا للكتابة مما لا يتيحه نقل الواقع كما يُعاش؟ ـ نعم، أكتب بغرائبية، أو بما يسمى الواقعية السحرية، لكنها سحرية خاصة بي. أحب الخيال، وأملأ به كثيرا من الثغرات التي تحتاج إلى ملء. لا أحب كتابة الواقع كما يعيشه الناس؛ لا بد من خيال، أو (بهارات) كما أسميها. وهذا كله يدخل في السياق العام للنصوص، إلى درجة يصعب معها التفريق بينه وبين الواقع. إنها طريقة أحبها وتعودت على الكتابة بها. وأحيانا أحاول التغيير، ولا يحدث ذلك إلا في نصوص السيرة، مثل «قلم زينب» و»تاكيكارديا» و»سيرة الوجع». هنا أكتب سيرة حقيقية، لا مجال للخيال فيها.
*الأمر نفسه في حال السخرية التي تدخل إلى صميم سرد جاد، وتجاوره من غير أن تنقله إلى الهزل؛ كيف تتشكل هذه العلاقة داخل النص؟ ـ فعلا، السخرية مادة أعتبرها مهمة في بعض النصوص، وأظنها تكمل السرد الجاد إلى حد ما. لنتحدث عن رواية مثل «صائد اليرقات»؛ إنها رواية جادة، لكنها ساخرة أيضا. حين تجدين فيها شخصيات مثل عبد الله فرفار والمدلك زوج العمة، تأتي ابتسامة للقارئ من دون أن يفقد النص هيبته. كذلك في «رعشات الجنوب» حين نركض وراء شخصية الجريح والأغنية التي صاغها زملاؤه في العسكرية للسخرية منه، وفي روايتي الجديدة «الأزرق وحالات أخرى» اشتغلت على غرائبية أسطورية ساخرة تكشف المجتمع من زوايا أخرى. إنها جميعا نصوص جادة، مطعمة فقط بالابتسامات.
*لم يكن انتقالك إلى الرواية قطيعة مع الشعر؛ كيف واصل هذا الإرث عمله داخل لغتك السردية؟
ـ بدأت شاعرا، وما زلت أكتب الشعر أحيانا وأضمنه في النصوص السردية. وحتى اللغة التي أستخدمها في الكتابة تقترب من الشعر. أرى أن الشعر أداة عظيمة؛ والذي يمتلكها يمتلك قوة العبارة وإيحاءها. أحب كتابة الشعراء حين يكتبون الرواية؛ تجدين عندهم نصوصا ذكية وممتعة للغاية. *كيف تشعر بالسودان اليوم، بعد أن صار الوطن ذاكرة شخصية وجرحا عاما تتنازعها المسافة والحرب؟ ـ بالفعل، نحن حزينون، ونبكي باستمرار على ضياع بلدنا الجميل والدافئ، بسبب حرب لم نكن نحن من أشعلها. وشخصيا أحس بالأسى لأنها حرب لا ضرورة لها؛ حرب عبثية فعلا. كنت من الذين نادوا منذ الأيام الأولى بضرورة عدم التمادي فيها، ولم يحدث شيء. والآن مضت أكثر من ثلاث سنوات، مات فيها عشرات الآلاف بلا أي سبب، وتشرد الملايين، وفقدنا هيبتنا كشعب عظيم حين أصبحنا لاجئين ومشردين هنا وهناك. كنت في السودان قبل الحرب بثلاثة أشهر. وما أتذكره الآن وطنا لم يكن ناعما فعلا، لكنه كان وطنا يمكن الحياة فيه. لم أذهب إلى السودان بعد الحرب، ولعلي أذهب قريبا؛ لأن هناك فراغات عديدة تحتاج إلى أن تملأ. لا بد من مشاهدة شيء مما حدث، ولا بد من لقاء أشخاص عاشوا التجربة. هناك أشياء كثيرة لا بد منها. وأتساءل.. هل بقي شيء من الموبقات لم يرتكب في الدنيا؟ هل بقي شر لم تعاينه البشرية أو لم تعشه؟ أنا شخصيا كتبت تجربة واسعة جدا، فيها كل ما يمكن كتابته، ولا أظنني قادرا على اختراع كتابة جديدة. قد أتوقف قريبا عن الكتابة، وقد أكتب سيرة ذاتية موسعة.. لا أعرف صراحة.