الرباط – «القدس العربي»: تصدرت إشكالية تدبير صفقات الإنتاج الخارجي في القنوات التلفزيونية العمومية واجهة النقاش الثقافي والفني في المغرب، عقب انتقادات حادة وجهها كل من المخرج هشام العسري والممثل يوسف الجندي. وسلطت هذه التصريحات المباشرة الضوء على اختلالات المنظومة وما وصفاه بالاحتكار وتكرار استفادة الشركات والوجوه ذاتها من المال العام المخصص للدراما والبرامج التلفزيونية، مقابل تهميش كفاءات وأفكار ومشاريع يستعد أصحابها لخوض منافسات يُفترض أن تكفل الشفافية وتكافؤ الفرص. وفي تدوينة طافحة بالسخرية السوداء، انتقد المخرج هشام العسري طريقة تعامل اللجنة التابعة «للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة» مع المشروعات والأفكار التي يتقدم بها المبدعون. واعتبر العسري أن الاستمرار في منح الفرص لشركات بعينها خلق ما أسماه بـ «مثلث برمودا» للإنتاج التنفيذي، حيث تستحوذ جهات محددة على الصفقات وتوظف طاقات بأسعار زهيدة لإنتاج أعمال تفتقر للقيمة الفنية والإنتاجية. كما دعا إلى فرض نظام «الكوتا» (المحاصصة) وضمان استقلالية الفنان، مستحضرًا مخاوفه من الإقصاء أو الإدراج في القوائم السوداء بسبب مواقفه، معتبرًا أن غياب أفلامه عن الشاشة العمومية لن يمنعها من إيجاد طريقها نحو المنصات الدولية كمنصة «نتفليكس». وعبّر الممثل يوسف الجندي من خلال شريط فيديو عن امتعاضه الشديد من واقع الصفقات العمومية، مشيرًا إلى أن أربع شركات إنتاج أضحت تستحوذ باستمرار على حصة الأسد من «الكعكة التلفزيونية». وأكد أن هذا الاحتكار لا يقتصر على الشركات فقط، بل ينعكس على باقي حلقات العمل الإبداعي من إخراج وكتابة وتشخيص، مما يحكم على عشرات الفنانين بالبطالة القسرية لسنوات. وفي خطوة احتجاجية لا تخلو من التهكم، دعا الجندي إلى الاستغناء عن «دفاتر التحملات» (كتاب التزامات) برمتها ما دامت نتائجها محسومة مسبقًا، واصفًا مساطر التنافس بأنها أضحت مجرد شكل بلا مضمون. وفي السياق ذاته، يقدّم الناقد الفني والسينمائي الدكتور مصطفى الطالب لـ «القدس العربي» قراءة نقدية لهذا الواقع، مؤكدًا أنه من المؤسف أن يثار هذا الجدل كل سنة وخاصة مع اقتراب شهر رمضان، واستحواذ الشركات التي وصفها بـ «المفترسة» على الصفقات دون ترك المجال لشركات أخرى قد تكون لها قيمة مضافة في المشهد التلفزي العمومي، وهو ما اعتبره «مخالفًا لمبدأ الديموقراطية والشفافية التي نشدها تحرير القطاع السمعي البصري في بدايته، وكذلك التنوع وتحفيز الإبداع». ويضيف مصطفى الطالب أن هذا «الواقع السريالي» يضع مصداقية التلفزيون كمرفق عمومي على المحك، بحيث اليوم يمكن القول إن صورته اهتزت لدى المشاهد المغربي الذي لا شك يتابع بشدة كل ما يتعلق بالشاشة الصغيرة والكبيرة على المواقع الإلكترونية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، سواء تعلق الأمر بالإنتاج أو بالصفقات العمومية وما يشوبها، مما يؤدي إلى هجران المشاهدين إلى قنوات أخرى وقنوات اليوتيوب وهو الشيء الحاصل بقوة مع الشباب كما تؤكد ذلك الدراسات الخاصة بعلاقة الشباب بالتلفزيون، وطبعًا هذا الواقع لا يخدم صورة التلفزيون المغربي سواء في الداخل أو الخارج. وحول تأثير غياب التنافسية وتكافؤ الفرص بين المبدعين على المحتوى والمضامين الدرامية والكوميدية المقدمة للمشاهد المغربي، يبرز أن احتكار شركات إنتاج بعينها للصفقات العمومية يؤدي إلى أحادية في التفكير والإبداع والإنتاج فضلًا عن المناداة على نفس الوجوه ونفس الممثلين والممثلات الذين يستجيبون لطلبات تلك الشركات، ومن هنا نفهم لماذا نرى الوجوه نفسها في أعمال متعددة خلال شهر رمضان، وهذا ينعكس على جودة العمل ومضامينه وحتى على البرامج الاجتماعية أو الصحية التي تقدم دائمًا من طرف نفس الوجوه التي تفتقد أحيانًا إلى الكفاءة والاحترافية. وعن مكمن الخلل الأساسي بين «دفاتر التحملات ولجان الانتقاء والمنتجين، يرى الدكتور مصطفى الطالب أنه بالنسبة لدفتر التحملات يمكن اعتباره آلية إدارية بالخصوص تسعى لتنظيم العروض والمنافسة والحصول على الصفقات بطرق شفافة وإتاحة الفرصة للجميع، لكنه كأي قانون منظم لمجال ما فيه ثغرات ولعل الذين سهروا عليه لم ينتبهوا لتلك الثغرات، ولذلك يتم استغلالها بقصد أو غير قصد، وهنا تقع المسؤولية على لجنة الانتقاء التي يجب أن تسدد وتقارب وتحتكم للجودة وللمضمون الجيد والهادف وليس فقط الملف الإداري والمالي لشركات الإنتاج والذي غالبًا ما يكون عائقًا للعديد من المنتجين.
احتكار صفقات الإنتاج: صرخة المبدعين تفضح «الاختلالات الهيكلية» في التلفزيون المغربي
الرباط – «القدس العربي»: تصدرت إشكالية تدبير صفقات الإنتاج الخارجي في القنوات التلفزيونية العمومية واجهة النقاش الثقافي والفني في المغرب، عقب انتقادات حادة وجهها كل من المخرج هشام العسري والممثل يوسف الجندي. وسلطت هذه التصريحات المباشرة الضوء على اختلالات المنظومة وما وصفا...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.