تحريات الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تكشف خيوط القضية وترصد نحو 23 عملية مشبوهة
لم تكن مراجعة حساب أحد زبناء المنتجع السياحي "مازاغان" بالجديدة، في ظاهرها، سوى عملية تدقيق اعتيادية في المعاملات المالية المرتبطة بإقامة الزبناء والاستفادة من الخدمات الفندقية. غير أن اكتشاف اختفاء الرصيد المتبقي في حساب أحدهم سرعان ما فتح الباب أمام تساؤلات أكبر، بعدما كشفت المراجعة عن معاملات مالية مشبوهة، قادت إلى وضع مستخدم مكلف بالحسابات وصاحب وكالة للأسفار في دائرة الاشتباه، في قضية تتعلق بمبالغ مالية قدرتها المعطيات الواردة في الشكاية التي قدمت للنيابة العامة قبل خمس سنوات بنحو 600 مليون سنتيم.
انطلقت فصول هذه القضية عندما تقدمت الشركة المالكة والمسيرة للمنتجع السياحي مازاغان، بواسطة محاميها، بشكاية إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالجديدة، عرضت فيها معطيات تتعلق باختلالات مالية رصدتها مصالحها خلال مراجعة حسابات الزبناء، مطالبة بفتح بحث لتحديد ظروف اختفاء المبالغ المذكورة والمسؤوليات المحتملة عنها.
وحسب المعطيات التي تضمنتها الشكاية، اعتادت المؤسسة الفندقية فتح حسابات جارية لفائدة بعض الزبناء الراغبين في ذلك، يودعون فيها مبالغ مالية مسبقة لتغطية تكاليف إقامتهم والخدمات التي يستفيدون منها داخل المنتجع، بما يتيح لهم تسوية نفقاتهم من الرصيد المتوفر، دون الحاجة إلى أداء مقابل كل خدمة على حدة.
وكانت هذه الآلية المالية هي المدخل الأول الذي قاد إلى اكتشاف الاختلالات. فقد أثار انتباه المسؤولين عن مراجعة الحسابات وضعية زبون سبق له أن أودع بحسابه مبلغا ماليا مهما، قبل أن يغادر المنتجع وفي رصيده مبلغ متبقٍ، ظل محفوظا إلى حين عودته في زيارة لاحقة.
لكن المفاجأة، وفق رواية إدارة المنتجع الواردة في الشكاية، كانت في اكتشاف أن الحساب أصبح فارغا، رغم أن صاحبه لم يكن قد استنفد المبلغ المتبقي فيه خلال إقامته السابقة. وأمام هذا الاختفاء، انتقلت المراجعة من مجرد التحقق من رصيد فردي إلى البحث في مصير المبلغ، وكيفية التصرف فيه، والجهة التي كانت تتوفر على صلاحية الولوج إلى النظام المعلوماتي الخاص بالحسابات.
وأوضحت الشكاية أن التدقيق أظهر أن المبلغ استُخدم لتغطية تكاليف إقامات ونفقات مرتبطة بزبناء آخرين، لا تربط بعضهم بصاحب الحساب، حسب ما ورد في الوثائق المقدمة، علاقة تبرر استعمال رصيده لفائدتهم. كما أشارت الإدارة إلى أن التحويلات موضوع الشبهة تمت عبر النظام المعلوماتي للمؤسسة، باستعمال حساب ولوج ورمز سري نسبتهما إلى المستخدم المكلف بالحسابات.
وبذلك، لم يعد السؤال المطروح مقتصرا على مكان اختفاء رصيد زبون واحد، بل امتد إلى احتمال وجود طريقة متكررة للتصرف في أرصدة حسابات أخرى، وهو ما دفع إدارة المنتجع إلى توسيع نطاق المراجعة الداخلية وجرد العمليات التي أثارت الشكوك.
الفرقة الوطنية تتعقب التحويلات
على ضوء الشكاية والمعطيات المرفقة بها، باشرت عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء أبحاثها، بناء على تعليمات النيابة العامة المختصة بالجديدة، بهدف تحديد ظروف الاختلالات المالية، والتحقق من طبيعة العمليات المشبوهة، وتحديد الأشخاص الذين يحتمل ارتباطهم بها.
وكان التحدي الذي واجه المحققين يتمثل في الانتقال من مجرد تسجيل نقص في الأرصدة إلى إعادة تركيب المسار المالي للمبالغ، وتحديد كيفية التصرف فيها، والجهة التي استفادت منها، فضلا عن التحقق من مدى ارتباط العمليات ببعضها البعض.
وفي هذا السياق، شكلت مراجعة الحسابات المتضررة نقطة محورية في البحث، بعدما أفادت إدارة المنتجع بأن التدقيق الداخلي أفضى إلى رصد نحو 23 عملية مشبوهة، قالت إنها أُنجزت باستعمال صلاحيات مرتبطة بالمستخدم المكلف بالحسابات، مع الاشتباه في تغيير معطيات مسجلة بالنظام المعلوماتي الخاص بالمؤسسة.
ومكنت هذه المعطيات من توجيه البحث نحو فحص العمليات واحدة تلو الأخرى، ومقارنة الأرصدة المسجلة بالتحويلات المنجزة، والتحقق من المستفيدين من المبالغ التي جرى التصرف فيها. كما استمع المحققون إلى أشخاص لهم صلة بالمعاملات موضوع الشكاية، في محاولة لتوضيح ظروف تدبير الحسابات وطبيعة الصلاحيات المتاحة للمستخدمين المعنيين.
وفي مثل هذه القضايا، لا يتوقف العمل الأمني عند الاستماع إلى المشتبه فيهم، بل يشمل أيضا اختبار الروايات المقدمة على ضوء المعطيات المالية والوثائق المتوفرة، والبحث عن نقاط الالتقاء أو التناقض بين التصريحات والمسارات التي سلكتها المبالغ موضوع الشبهة. وحسب المعطيات المقدمة، أفضت المراجعة إلى الاشتباه في استفادة شركة تعمل في مجال الأسفار من بعض العمليات، وهو ما وجه البحث نحو صاحبها، للتحقق من طبيعة علاقته بالمنتجع، وأسباب تلقيه تحويلات مالية، ومدى ارتباطها بحجوزات وخدمات لفائدة زبناء.
وبذلك، اتسع نطاق القضية ليشمل طرفين يشتبه في أن أدوارهما تداخلت في العمليات موضوع البحث: مستخدم مكلف بالحسابات داخل المنتجع، وصاحب وكالة للأسفار كانت تربطه بالمؤسسة معاملات مهنية. غير أن تحديد طبيعة مسؤولية كل طرف ظل رهينا بما ستسفر عنه المواجهات والتحريات والوثائق التي جرى فحصها.
المواجهة تكشف تناقضات
بعد تجميع المعطيات الأولية والاستماع إلى المعنيين بالأمر، انتقلت الأبحاث إلى مرحلة أكثر دقة، تمثلت في مواجهة المشتبه فيهما بما توفر لدى المحققين من قرائن، والاستفسار عن طبيعة العمليات المالية التي رصدتها إدارة المنتجع، وأسباب تحويل مبالغ من حسابات الزبناء إلى وجهات أخرى.
وحاول المستخدم المكلف بالحسابات وصاحب وكالة الأسفار نفي التهم المنسوبة إليهما خلال الاستماع إليهما، غير أن المحققين واصلوا بحثهم بشأن التحويلات المالية التي قيل إن صاحب الوكالة استفاد منها، وعلاقتها بالعمليات المسجلة في حسابات الزبناء.
وأفادت المعطيات المقدمة أن صاحب وكالة الأسفار لم يقدم، خلال مرحلة البحث، تبريرا اعتبره المحققون كافيا بشأن بعض التحويلات المالية التي استفاد منها، في حين تمسك المستخدم المكلف بالحسابات بموقفه النافي للمسؤولية عن الاختلالات موضوع الشكاية. وهي تصريحات ومعطيات تظل مرتبطة بمرحلة البحث، ولا تغني عن التقييم القضائي للأدلة والدفوع التي قد يقدمها المعنيان بالأمر.
كما تضمن البحث، وفق رواية الجهة المشتكية، معطيات تتعلق باستعمال حساب الولوج والرمز السري الخاصين بالنظام المعلوماتي، واحتمال تغيير بيانات مرتبطة بحسابات الزبناء. وقد شكلت هذه العناصر جزءا من القرائن التي استدعت تعميق البحث في كيفية تنفيذ العمليات، والجهة التي كانت تتوفر على صلاحية إنجازها، ومدى ارتباطها بالمبالغ التي جرى تحويلها أو استعمالها لفائدة زبناء آخرين.
وبعد وضع المشتبه فيهما تحت الحراسة النظرية، جرى تعميق البحث معهما تحت إشراف النيابة العامة المختصة، قبل إحالتهما على وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالجديدة. ووفق المعطيات التي قدمتها، تقررت إحالتهما على قاضي التحقيق، مع ترتيب المتابعات حسب الأفعال المنسوبة إلى كل واحد منهما.
وتتعلق المتابعة المنسوبة إلى المستخدم المكلف بالحسابات بشبهة خيانة الأمانة المرتكبة من قبل أجير، والإضرار بمؤجره، وتزوير وثائق معلوماتية وتغيير معطيات مدرجة في نظام للمعالجة الآلية للمعطيات. أما صاحب وكالة الأسفار، فتتعلق الأفعال المنسوبة إليه بشبهة المشاركة في خيانة الأمانة.
وهكذا، انتقلت القضية من مراجعة رصيد زبون اكتشف اختفاءه إلى بحث أوسع شمل عشرات العمليات المالية المشتبه فيها، وانتهى إلى تحديد شخصين ووضعهما أمام المسطرة القضائية المختصة.
أحمد سكاب (الجديدة)