من جمع الحطب إلى حرق المخلفات، يواصل سوريون البحث عن وسائل أقل كلفة لمواجهة برد الشتاء المقبل، في ظل مخاوف متزايدة من ارتفاع تكاليف التدفئة بالمازوت، في أزمة معيشية تمتد جذورها إلى سنوات طويلة، أعاد الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات تعميقها وأثار مزيداً من القلق بشأن القدرة على تأمين الدفء.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تعود أزمة التدفئة إلى واجهة اهتمامات السوريين، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات واستمرار المخاوف بشأن توفرها والقدرة على شرائها. وبالتزامن مع تزايد إعلانات بيع الحطب عبر منصات التواصل الاجتماعي، يواصل بعض السكان جمع الأخشاب والمخلفات القابلة للاحتراق، في مشهد اعتاده السوريون خلال السنوات الماضية، ويعكس أزمة معيشية مزمنة تتفاقم بفعل ارتفاع التكاليف وضعف القدرة الشرائية، وسط غياب مؤشرات واضحة على إمكانية معالجتها في المدى القريب.
فالاعتماد على الحطب، ولا سيما في الأرياف، ليس ظاهرة مستجدة، بل ممارسة تقليدية قديمة وأزمات الوقود المتلاحقة، غير أن تزايد الطلب عليه خلال السنوات الماضية أسهم في ارتفاع أسعاره، ما ضاعف الأعباء على الأسر التي تعتمد عليه للتدفئة، وفي المقابل، دفعت الظروف الاقتصادية المتدهورة بعض الأسر إلى اللجوء لجمع الكرتون والأخشاب المستعملة، وحتى الأحذية القديمة والألبسة البالية والمواد البلاستيكية، واستخدامها وقوداً بديلاً، في محاولة لتأمين الدفء بأقل التكاليف، رغم ما ينطوي عليه حرق بعض هذه المواد من مخاطر صحية وبيئية.
ومع التعديلات الأخيرة على أسعار المازوت، تعود الأسئلة ذاتها التي شغلت السوريين طوال السنوات الماضية: هل تكمن المشكلة في توفر المادة، أم في أسعارها، أم في النوعية التي تصل إلى المستهلكين؟ وهل يمكن للأسر محدودة الدخل تحمّل تكاليف التدفئة، حتى إن أصبحت المحروقات متاحة بوفرة في الأسواق؟
وفي أيلول الماضي، حددت وزارة الطاقة أسعار المازوت وفق ثلاث شرائح، تبدأ بمازوت التدفئة بسعر 115 ليرة سورية جديدة لليتر، ومازوت الإنتاج بسعر 150 ليرة، وصولاً إلى المازوت القياسي بسعر 175 ليرة لليتر. لكن تحديد سعر خاص بمازوت التدفئة لم يبدد مخاوف المستهلكين، في ظل عدم صدور التعليمات التنفيذية المتعلقة بآلية توزيعه، الأمر الذي يترك تساؤلات بشأن الكميات التي ستُتاح للأسر، وإمكانية حصولها عليها خلال أشهر البرد.
ويُعرف السوريون بمعاناتهم التاريخية في تأمين وسائل التدفئة، خاصة المازوت، إذ كانت هذه المادة تُوزّع عبر البطاقة الذكية بكميات قليلة لكل أسرة، وفق نظام انتظار طويل أيام النظام المخلوع، وكان من الممكن أن ينقضي الشتاء من دون أن يحصل كثير منهم على حصصهم التي وصلت إلى 100 ليتر سنوياً، تُوزّع على دفعتين.
كما نشأت أيام النظام المخلوع، سوق سوداء لبيع المحروقات بأسعار مرتفعة، خارج مقدرة المواطن العادي، فبقيت هذه المادة مقتصرة على المقتدرين، وكان بالإمكان رؤية بسطاتٍ من "بدونات" المازوت على الطرقات العامة والأوتوسترادات، كانت تسرق من حصة المواطن البسيط، الذي اضطر لإشعال الحطب أو النايلون، من أجل الحصول على الدفء.
المشكلة في الأسعار أم توفر المازوت ونوعه؟
وإذا افترضنا أن المواطن البسيط يستهلك يومياً 5 ليترات من مازوت التدفئة، فإن إجمالي استهلاكه الشهري يصل إلى 150 ليتراً، تبلغ كلفتها 17,250 ليرة، في حين يتراوح متوسط الرواتب في القطاع الحكومي بين 12,500 و16,000 ليرة شهرياً.
ويقول "أبو خالد"، أحد الذين لم يتخلفوا عن جمع الحطب والمخلفات منذ الصيف خوفاً من قدوم الشتاء: "حتى لو توفر المازوت بهذا السعر، فلا يمكنني الحصول سوى على كمية بسيطة منه، لأن راتبي لا يكفي للمعيشة والتدفئة". في حين يشير جاره جواد إلى طريقة ابتكرها لصناعة حطب من الكرتون، ويقول لموقع تلفزيون سوريا: "منذ الصيف أجمع ألواح الكرتون ثم أفردها على سطح المنزل وأرشها بالماء، وأقوم بتقطيعها طولياً وألفها على شكل بكرات مضغوطة، أضعها في الشمس حتى تجف، لتصبح مثل الحطب تقريباً".
وفي حين يبدي آخرون تخوفهم من نوع المازوت المخصص للتدفئة، ويضيف "جواد": "يتوقع معظم الناس أن المازوت المدعوم المخصص للتدفئة، هو المازوت الأسود غير المكرر جيداً، ذو الرائحة الكريهة والاشتعال البطيء الذي يتسبب بتسكير المداخن كل عدة أيام، وهذا النوع لا يستحق الشراء".
إعلانات بيع الحطب على السوشيال ميديا
في المقابل، انتشرت إعلانات بيع الحطب على منصات التواصل الاجتماعي، مع توفير خدمة التوصيل بين المحافظات، ويتراوح سعر الطن الواحد بين 150 و200 دولار، أي ما يقارب 21 ألف ليرة، في حين ترتفع أسعاره في ريف دمشق، حيث عُرض الكيلوغرام الواحد بسعر 35 ليرة، إضافة إلى أجرة التوصيل. ويُعد الحطب من وسائل التدفئة المفضلة لدى بعض الأسر، إذ يمكن أن يكفي الطن الواحد أسرة صغيرة لمدة تزيد على شهرين خلال فصل الشتاء.
وتبعاً لتجارب الناس مع استخدام الحطب، فإن نوع الخشب ومدى جفافه، يلعبان الدور الأساسي في تحديد سعره، حيث يعتبر خشب السنديان والزيتون من أغلى الأنواع، ويأتي الحور والكينا في المرتبة الثانية، نتيجة لاشتعالهما السريع وعدم قدرتهما على نشر الدفء.
لكن انتشار بيع الحطب، لم يكن يعني سوى تلاشي غابات سوريا رويداً خلال السنوات الماضية، حيث تشير تقارير المنظمات الدولية، مثل منظمة "pax"، إلى انخفاض المساحات الخضراء بحدود 30 في المئة، بسبب الحرائق والتحطيب الجائر نتيجة لندرة وارتفاع أسعار المحروقات.
مشكلة تلوث الهواء بنسب خطيرة في دمشق
وخلال شهر آب الماضي، أظهرت نتائج البرنامج الوطني لمراقبة تلوث الهواء في مدينة دمشق، تصدّر الجسيمات العالقة PM10 قائمة المؤشرات البيئية التي تستدعي المتابعة والتدخل، تبعاً لما أعلنته وزارة الإدارة المحلية والبيئة.
ويمكن رؤية ضبابة الدخان الضخمة فوق العاصمة دمشق، بالعين المجردة، لكل القادمين من البوابة الشمالية في منطقة "طلوع التنايا"، وتبعاً لوزارة الإدارة المحلية والبيئة، فإن الأسباب ترجع للغبار وإعادة تعليق الأتربة، إلى جانب النشاط المروري.
لكن ارتفاع نسبة التلوث في الشتاء، نتيجة لاستخدام النايلون والبلاستيك وغيرها من المواد في التدفئة، يظهر واضحاً في الهواء، يضاف إليه عادة حرق أكوام النفايات التي تتسبب بانبعاث الأبخرة الضارة لوقت طويل.
ويبدو أن مشكلة ارتفاع أسعار المحروقات وسوء نوعيتها تترك آثاراً اقتصادية واجتماعية وبيئية وصحية لم تُقَس بعد، وهو ما دفع بعض من التقيناهم إلى القول: "إن ما تخففه الحكومة من أعباء دعم المحروقات، قد تدفع أضعافه لاحقاً لمعالجة الأضرار الصحية والبيئية والاقتصادية".