شهدت المنظومة التربوية المغربية، على امتداد العقود الماضية، سلسلة من الأوراش الإصلاحية التي تعددت مرجعياتها وتنوعت مقارباتها وتفاوتت حصائلها، في مسعى متواصل للارتقاء بجودة التربية والتعليم والاستجابة للتحولات المجتمعية والاقتصادية والمعرفية. ورغم ما أفرزته هذه الأوراش من مكتسبات لا يمكن إنكارها، فإن استمرار عدد من الاختلالات البنيوية والبيداغوجية يطرح تساؤلات مشروعة حول نجاعة السياسات الإصلاحية ومدى قدرتها على إحداث التحول المنشود في واقع الممارسة التربوية وجودة التعلمات.
ولعل التحدي الحقيقي الذي يواجه المدرسة المغربية اليوم لا يكمن في الحاجة إلى إصلاح جديد بقدر ما يكمن في ضرورة إعادة النظر في فلسفة الإصلاح ذاته، وآليات بلورته وتنزيله وتقويمه، بما يضمن الانتقال من منطق التدابير والإجراءات إلى منطق النتائج والأثر التربوي الملموس، ومن مركزية القرار إلى إشراك الفاعلين الميدانيين، ومن الاهتمام بمؤشرات الإنجاز الكمية إلى مساءلة الجودة الفعلية لما يتعلمه التلميذ داخل الفصل الدراسي ولحكامة التدبير التربوي.
وانطلاقاً من هذا التصور، وفي تفاعل مع تعيين وزير جديد على رأس القطاع تحت يافطة “وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل”، يمكن اقتراح عشر أولويات استراتيجية مترابطة، لا تدعي الإحاطة بجميع إشكالات المنظومة التربوية، بقدر ما تسعى إلى الإسهام في بلورة رؤية إصلاحية واقعية، تجعل من تحسين الممارسات الصفية والارتقاء بجودة التعلمات الغاية الأساسية لكل تدخل إصلاحي.
1. تحصين زمن الإصلاح التربوي من تقلبات الزمن السياسي، و ضمان استمرارية السياسات التربوية عبر التوافق المؤسساتي والتقييم المستقل، مع جعل الممارسة الصفية وجودة التعلمات مركز الثقل في الإصلاح.
2. محاربة الاكتظاظ ببناء حجرات جديدة وتوظيف أطر إضافية، واعتماد خريطة مدرسية استشرافية تراعي التفاوتات المجالية والديمغرافية.
3. إرساء حكامة تربوية قائمة على النتائج والمساءلة، من خلال إعادة تحديد المسؤوليات، وتبسيط المساطر، وتعزيز استقلالية المؤسسات التعليمية، وإرساء آليات شفافة لتتبع أثر السياسات التربوية اعتماداً على مؤشرات كمية ونوعية، مع تجويد التكوين الأساسي والمستمر للأطر التربوية والإدارية بما يستجيب لحاجاتها المهنية الفعلية والتحديات المتجددة التي تواجهها المدرسة المغربية، على اعتبار تأهيل الموارد البشرية من بين أهم شروط الحكامة.
4. الحد من الهدر المدرسي من خلال تعزيز برامج وقائية للتدخل الاستباقي بإدراج آليات الإنذار المبكر وتتبع المتعلمين المهددين بالانقطاع، مع الارتقاء بمشاريع التمدرس الاستدراكي ومدارس الفرصة الثانية.
5. مراجعة وتحيين الأغلفة الزمنية والإيقاعات المدرسية، مع ضرورة الاستناد إلى معطيات علمية حول زمن التعلم الفعلي وحاجات المتعلمين.
6. تجديد المناهج والبرامج الدراسية وطرائق التدريس والتقويم، بما يستجيب لحاجات المتعلمين ومتغيرات العصر، مع إدماج عقلاني للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتطوير منظومة التقويم والامتحانات الإشهادية، واستثمار نتائجها في تحسين الممارسات الصفية ومراجعة المناهج والبرامج.
7. التركيز على ضمان التمكن من التعلمات الأساس بالسلك الابتدائي، خصوصاً القراءة والكتابة والرياضيات، مع اعتماد تقويمات تشخيصية وتدخلات علاجية منتظمة، تكون الأولوية فيها للتحكم في التعلمات لا للمقررات الدراسية. فالمقررات الدراسية ليست نقيضاً للتعلمات، وإنما الإشكال الذي ينبغي تجاوزه يكمن في تغليب منطق استكمال المقرر على التحقق من اكتساب التعلمات المستهدفة.
8. إحداث إطار جديد خاص بأطر الدعم التربوي ومعالجة التعثرات، وفق تصور يحدد الاختصاصات بدقة والعلاقة التكاملية مع المدرسين والمفتشين وأطر التوجيه.
9. العناية بالمناخ المدرسي وبيئة التعلم من خلال النهوض بالحياة المدرسية، وهذا يستدعي إحداث أطار مهني جديد للتنشيط التربوي والأنشطة الموازية الداعمة للتعلمات، مع إدماج الصحة النفسية والوقاية من العنف وتعزيز الانتماء المدرسي، وفق مقاربة تراعي الإنصاف المجالي والاجتماعي والتربية الدامجة. وأخص بالذكر التربية الدامجة؛ لأن الحديث عن النهوض بالمنظومة برمتها يستدعي مراعاة المتعلمين في وضعية إعاقة أو هشاشة، إلى جانب معالجة الفوارق المجالية والاجتماعية.
10. دعم وتشجيع البحث العلمي التدخلي والابتكار التربوي بقطاع التربية، بما ينعكس إيجابا على جودة الممارسات الصفية والتدبير التربوي للمؤسسات التعليمية. ويتحقق هذا عبر آليات لتجريب الممارسات الناجحة وتقييمها وتعميمها، وتعزيز أدوار هيئة التفتيش التربوي في المصاحبة المهنية، وتحليل الممارسات الصفية، وتنسيق البحث التدخلي، وتقويم جودة التعلمات، مع إشراك المدرسين والباحثين الجامعيين ومؤسسات تكوين الأطر.
إن النهوض بالمدرسة المغربية يقتضي تحولاً جذرياً في فلسفة الإصلاح التربوي، بالانتقال من التركيز على تدبير المدخلات وتنفيذ الإجراءات إلى تحسين الممارسات الصفية والارتقاء بجودة التعلمات، استناداً إلى التشخيص العلمي والتقويم المستمر والبحث الميداني، مع جعل المتعلم محوراً فعلياً للسياسات التربوية، لا مجرد مستفيد مفترض منها.
ولا يعني هذا التحول إغفال التراكمات التي حققها المغرب في مجال الإصلاح التربوي، بل يقتضي استثمار مكتسباتها واستخلاص الدروس من تعثراتها، مع إشراك الفاعلين التربويين الميدانيين في مختلف مراحل بلورة الإصلاح وتنزيله وتقويمه، حتى لا نقع مجدداً في دوامة الإصلاح الذي يتوقف عند أبواب المؤسسات التعليمية دون أن يفلح في الولوج إلى الفصول الدراسية.
مفتش تربوي متدرب