الرباط- “القدس العربي”: أثار اعتقال طبيب مغربي من داخل جلسة المحاكمة، بعد صدور حكم قضائي يدينه بسنة سجنا نافذا، ردود فعل قوية لدى الرأي العام، ودخل على خط التضامن معه عدد من الحقوقيين والإعلاميين والنقابيين، وتحولت قضية “طبيب الفقراء”، كما لقبه مراقبون، إلى واحدة من القضايا التي حظيت باهتمام واسع ونقاش لم يتوقف منذ صدور قرار حبسه.
وكانت المحكمة الابتدائية الزجرية (درجة أولى) بمدينة الدار البيضاء قد أصدرت حكما بإدانة الطبيب رشيد شرقاب بسنة واحدة حبسا نافذا، مع الأمر باعتقاله من داخل الجلسة عقب النطق بالحكم، رغم أنه كان يتابع في حالة سراح. وجرت الإشارة في هذا السياق إلى تطبيق مقتضيات المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية. وفي الملف نفسه، شملت الأحكام متهمين آخرين، إذ حكم على متهم ثان بسنتين حبسا نافذا، وعلى متهم ثالث بستة أشهر حبسا نافذا.
وجهت إلى الطبيب شرقاب ومن معه تهم مرتبطة بالتشهير عبر الوسائط الرقمية وانتحال صفة ذات صلة بالعمل النقابي، وهي التهم التي شكلت أساس المتابعات القضائية، وفق ما ورد في المعطيات المتداولة بشأن القضية.
وما زاد من منسوب التضامن مع رشيد شرقاب الذي يشغل منصب أستاذ في كلية الطب والصيدلة والطبيب المتخصص في التخدير والإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد في الدار البيضاء، إضافة إلى صورته الإنسانية لدى عدد من المرضى والمتضامنين معه، هو ارتباط اسمه بإثارة ملفات حساسة تتعلق بما يعتبره اختلالات وشبهات فساد في تدبير قطاع الصحة وتسيير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، حيث سبق له أن وجه شكايات وراسل جهات معنية بشأنها، وفق ما أورده داعموه. كما عرف في أوساطه المهنية بنشاطه الحقوقي والنقابي ودفاعه عن قضايا الفئات الهشة.
وتحضر في قضية الطبيب شرقاب حكاية مماثلة، فهو ليس وحده من حمل لقب “طبيب الفقراء”، فقد حمله أيضا أطباء آخرون، ولعل أشهرهم الطبيب والجراح المهدي الشافعي، الذي تتشابه بعض أوجه مساره مع القضية الجديدة. وتعود قصته إلى سنة 2018، حين كان يعمل في مستشفى الحسن الأول في مدينة تيزنيت القريبة من أغادير، حيث واجه قرارات بالتوقيف عن العمل والتنقيل الإداري وإجراءات تأديبية، في سياق تصريحاته واحتجاجاته المنتقدة لظروف العمل والخصاص في قطاع الصحة العمومية. وقد أثارت قضيته حينها تعاطفا شعبيا وإعلاميا واسعا، خصوصا لدى من رأوا في مواقفه دفاعا عن المرضى المعوزين.
أما بالنسبة إلى الطبيب شرقاب، فقد بلغ الأمر حد السجن، وأثارت طريقة اعتقاله عقب صدور الحكم ردود فعل منددة من فاعلين حقوقيين. وكتب محمد الغلوسي، المحامي ورئيس “الجمعية المغربية لحماية المال العام”، تدوينة سلط فيها الضوء على خلفيات القرار القضائي وتداعياته، معلنا مؤازرته للطبيب خلال مرحلة الاستئناف.
وأبرز الغلوسي عدة ملاحظات، من بينها ظروف الاعتقال والمتابعة، مستنكرا صدور حكم ابتدائي قضى بإدانة الطبيب بسنة حبسا نافذا والأمر باعتقاله من داخل الجلسة، رغم أنه كان يتابع في حالة سراح. وفي سياق انتقاده للقرار، أثار تطبيق المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية في هذه الحالة.
وتوقف الغلوسي عند ما اعتبره مفارقة حقوقية، إذ يرى أن اعتقال طبيب وباحث جامعي عرف، بحسب ما يروي داعموه، بدفاعه عن البسطاء وقضايا المرضى، يثير تساؤلات، لا سيما في ظل الشكايات التي سبق أن تقدم بها بشأن شبهات فساد واختلالات داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد في الدار البيضاء. وطالب بإطلاق سراح الطبيب رشيد شرقاب ليعود إلى أسرته وقاعات الدرس والمستشفى، داعيا في الوقت نفسه إلى فتح أبحاث جدية في الشكايات التي سبق أن تقدم بها، وتفعيل مبدأ حماية المبلغين عن الفساد.
وحضر “العمق الإنساني” في تدوينة أخرى للغلوسي، سلط فيها الضوء على جانب من حياة الطبيب شرقاب، ونقل حكاية قال إنه سمعها من أحد أصحاب المدارس الخاصة. وتفيد الرواية بأن الطبيب اتصل بمالك المدرسة من أجل تسجيل أطفال ينتمي آباؤهم أو أمهاتهم إلى أسر تعاني أوضاعا اجتماعية صعبة، بسبب علاجهم من أمراض مزمنة، من بينها السرطان، في مستشفى ابن رشد، متعهدا بالتكفل بمصاريف دراستهم من ماله الخاص.
من جهته، توقف الكاتب والصحافي عبد الحميد جماهري عند دلالات القضية، معتبرا أن ما جرى للطبيب شرقاب يثير تساؤلات بشأن وضعية الأصوات التي ترفع انتقاداتها داخل القطاع الصحي. وأشار مدير صحيفة “الاتحاد الاشتراكي” إلى أوجه شبه يراها بين القضية ومسارات أطباء آخرين ارتبطت أسماؤهم بخدمة المواطنين والدفاع عن المرضى.
ولخص جماهري موقفه بالتساؤل، في تدوينته، عما إذا كان ذنب البروفيسور شرقاب، بحسب تعبيره، أن الناس أحبوه “في بلاد يكافأ فيها المشبوهون”. كما استحضر حادثة قال إن الطبيب أنقذ فيها عاملا فقيرا من بتر ساقه المريضة، وربطها بصورة الطبيب الذي يضع خبرته في خدمة الفئات المحتاجة. وختم تدوينته بعبارة: “كم أصبح من الخطير أن يحبك الناس… رفقا بهذا البلد وما ولد”.
وفي تدوينة مماثلة، انتقد الصحافي مصطفى الفن ملابسات قرار السجن، متسائلا عن الجهة التي دفعت، بحسب شكوكه، في اتجاه اعتقال بروفيسور وطبيب تخدير وإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد. واعتبر الفن أن الطبيب كان منحازا إلى المرضى في خلافه مع جزء من الإدارة، مشيرا إلى رفضه دفع المرضى إلى شراء مستلزمات طبية من خارج المستشفى، قال إنها متوفرة داخله، إضافة إلى تقديمه شكايات وصفها بالحساسة إلى جهات معنية.
كما أثار مسألة الخصاص في أطباء التخدير والإنعاش في المغرب، مستندا إلى تقدير ذكر فيه أن العدد قد يصل إلى نحو سبعة أطباء لكل مئة ألف نسمة، قبل أن يشير بنفسه إلى الشك في هذا الرقم.
وتساءل الفن عن حجم الخطر الذي كان يمثله طبيب يحتاج إليه المرضى وطلبة الطب حتى يعتقل من داخل الجلسة، واصفا القضية، من وجهة نظره، بأنها حالة “هيمن فيها الشك على اليقين”. كما طرح مقارنة بين اعتقال طبيب يساهم في علاج المواطنين وبين أشخاص قد يتورطون في ممارسات تضر بصحتهم، معبرا عن أمله في أن تنفرج القضية خلال مراحل التقاضي الاستئنافية المقبلة.