الدجيلي (واسط) 964
يوثق عازف الربابة مهدي مجلي (أبو صالح) وناشطون في مدينة الدجيلي بمحافظة واسط، انحسار فن العزف على آلة الربابة وتحولها من نديم أساسي إلى مجرد إرث شخصي حبيس جدران الإسمنت التي استبدلت بيوت الشعر البدوية، فلم يعد أحد "يربرب" بعد زمان جبار عكار، حسب تعبيرهم، وتحول الرجال إلى "سجناء" لا يترحلون في البادية كالسابق، مستعرضين تفاصيل صناعة أوتار هذه الآلة من ذيل الخيول العربية ومعالجتها بـ "العلك المر" حتى تلين، وكيف غابت عن أيام الفرح والمناسبات الحاشدة لصالح آلات أكثر صخباً، وسط عزوف تام من الجيل الشاب واختفاء العازفين القدامى من المشهد.
وقال مهدي مجلي "أبو صالح" (عازف الربابة) لشبكة 964: "تعلمت عزف الربابة من أحد أقاربي بعدما أخذت منه آلة كان يعزف عليها، وبمرور الوقت أتقنتها جيداً، وفي الماضي لم نكن مستقرين مثل الآن، بل كنا نتنقل ونترحل بين مناطق البلاد ونصل حتى الكويت، وهو ما جعل الربابة نديماً لا يفارقنا في الترحال".
وأوضح مجلي أن "الربابة تتكون من السبيب وهو شعر ذيل الخيل الذي يُربط بقوس، كما يتكون جسمها من علبة حديدية وغزال وهو قطعة خشب صغيرة، ثم الرقبة، ولا يمكن العزف عليها قبل دهنها بالعلك المر، إذ إن أي دسومة أو عدم نظافة في اليد تلمس الخيط تتسبب فوراً في توقف خروج الصوت المطلوب".
ويضيف أبو صالح: "بعد أن بعنا جِمالنا وشيدنا المنازل وتركنا الترحال، صارت الربابة هي الأنيس الذي ألجأ إليه في أوقات الوحدة، ولا أعزفها في أعراس أو مناسبات مطلقاً، وقليلون جداً من يعرفون أني ما زلت أجيدها بعد أن قلّ العازفون، وكانت هي والماصول (الناي) مطلوبين بشدة سابقاً لكنهما انحسرا لدى كبار السن فقط، ولا يوجد شباب مهتمون بتعلمها أو سماعها، حتى باتت نواحي واسط تخلو من أي عازف معروف، وأحياناً تخنقني العبرة من جمود الحياة بين أربعة جدران فألجأ لأوتارها لتذكرني بالأيام الخوالي والراحلين".
ويتحدث لشبكة 964 أيضاً محسن المگصوصي، وهو ناشط من أهالي الدجيلي، مبيناً أن "العزف على الربابة كمهنة انتهى تقريباً، ولم يتبقَ إلا بضعة أشخاص يحتفظون بها كنوع من الاعتزاز بالتراث ومنهم 'أبو صالح'، وهي بطبيعتها تعبير عن الحزن ومخصصة للجلسات الهادئة لأن صوتها خافت، بعكس الأعراس التي يُفضل فيها 'الماصول' ذو الصوت المرتفع والأنغام المبهجة، بعدما كان للربابة جمهور واسع يجتمع حول عازفها الشهير جبار عگار في عقود مضت".
وأشار المگصوصي إلى أن "أوتار الربابة تؤخذ من شعر ذيل الحصان العربي الأصيل لتوزع بين القوس والسهم المكون عادة من 'گلن' زيوت يتوسطه 'الغزال' لضبط الإيقاع، وهي بحاجة دائمة للمعالجة بالعلك المر كي لا تفقد نغمتها، لكن إحجام الشباب اليوم جعل هذه الآلة التراثية تواجه خطر الاندثار، إذ لم يعد في أرجاء الدجيلي من يحفظ هذا الإرث كهواية سوى أبي صالح".