تتجه صناعة تصميم بيئات العمل نحو مرحلة جديدة من التحول، مدفوعة بالتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتغير أنماط العمل بعد جائحة كورونا، وتزايد الاهتمام بتوفير بيئات أكثر مرونة وقدرة على تعزيز الإنتاجية والتواصل بين الموظفين، بما يعيد صياغة مفهوم المكتب التقليدي ويحول المساحات الإدارية إلى بيئات متكاملة تجمع بين العمل والتعاون والراحة والتفاعل الإنساني.
وأكد عدد من خبراء التصميم والهندسة المعمارية وتصميم أماكن العمل والضيافة أن مستقبل المكاتب لن يعتمد فقط على توفير محطات عمل تقليدية، بل سيرتكز على تصميم مساحات متعددة الاستخدامات، تتيح للموظفين حرية اختيار المكان الأنسب لطبيعة مهامهم، مع دمج التكنولوجيا وحلول الأثاث المتطورة في تصميم بيئة العمل، والاستفادة من البيانات في تحسين استخدام المساحات ورفع كفاءتها التشغيلية.
جاء ذلك خلال جلسة نقاشية تناولت مستقبل تصميم بيئات العمل، بمشاركة عدد من المتخصصين في التصميم الداخلي والهندسة المعمارية وتصميم الضيافة وحلول أماكن العمل، وأدارتها كريستينا زينكر، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Christina Zenker Consultants، حيث ناقش المشاركون التحولات التي يشهدها القطاع، وتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتغير احتياجات الموظفين على تصميم المكاتب في مصر والأسواق الإقليمية.
مونا حسين: مستقبل المكاتب يقوم على بناء مجتمعات عمل متكاملة
قالت منى حسين، مؤسسة ومديرة الإبداع في Mona Hussein Design House، إن مستقبل بيئات العمل يتسم بقدر متزايد من الديناميكية والمرونة، في ظل التغيرات التي طرأت على أنماط العمل بعد جائحة كورونا، موضحة أن التصميم أصبح يركز بصورة أكبر على احتياجات الأفراد وطبيعة تفاعلهم داخل بيئة العمل، إلى جانب تعزيز التعاون والتواصل داخل المكتب وخارجه بالاعتماد على التكنولوجيا.
وأضافت أن التحدي لم يعد مقتصرًا على توفير مساحة مناسبة لأداء المهام الوظيفية، وإنما يتمثل في تحويل المكتب إلى بيئة جاذبة يرغب الموظفون في العودة إليها، بدلًا من الاعتماد على العمل من المنزل، مشيرة إلى أن المكتب يتطور ليصبح مجتمعًا متكاملًا يجمع بين العمل والتواصل والتفاعل، وليس مجرد مكان لإنجاز المهام اليومية.
وأوضحت أن تصميم بيئات العمل الحديثة يجب أن يتيح مساحات للتعاون وتبادل الأفكار، إلى جانب مناطق مخصصة للاستراحة واستعادة النشاط، بما يحقق التوازن بين متطلبات الإنتاجية واحتياجات الموظفين الإنسانية، ويجعل بيئة العمل أكثر قدرة على استيعاب الأنشطة المختلفة داخل المساحة الواحدة.
وفيما يتعلق بتأثير التكنولوجيا على تصميم المكاتب، أشارت حسين إلى أهمية التعاون بين المصممين واستشاريي تكنولوجيا المعلومات والمتخصصين في بيئات العمل لتطوير حلول تتناسب مع أنماط العمل الهجينة، التي تجمع بين الحضور الفعلي والعمل عن بُعد.
وأضافت أن بعض مشروعات المكاتب بدأت تستلهم عناصرها التصميمية من قطاع الضيافة، في ظل تزايد الاهتمام بتقديم تجربة متكاملة للموظف داخل مكان العمل، موضحة أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا أساسيًا في تعزيز التواصل مع العملاء والموردين خارج المكتب، إلى جانب إتاحة الوصول إلى المعلومات والأنظمة السحابية والتعاون عبر الحدود الجغرافية.
وأكدت أن نجاح المكتب المستقبلي يرتبط بقدرته على توفير تجربة مريحة وجاذبة، من خلال الاهتمام بالإضاءة والفنون والعناصر الطبيعية والنباتات، فضلًا عن تصميم مناطق استراحة ومقاهٍ داخلية تتيح للموظفين تغيير نمط جلوسهم واستعادة نشاطهم، بما ينعكس إيجابيًا على تجربتهم اليومية وإنتاجيتهم.
ريموند ميلر: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل فرق العمل وتصميم المكاتب
من جانبه، قال ريموند ميلر، الشريك المؤسس لشركة Raafat Miller Consulting، إن مستقبل بيئات العمل سيتأثر بصورة كبيرة بالتطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما تتيحه من زيادة في الإنتاجية وتسريع إنجاز المهام، الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة النظر في طريقة تنظيم فرق العمل وتصميم المساحات المكتبية.
وأوضح أن التطور التكنولوجي قد يقلص الوقت اللازم لإنجاز عدد من المهام التي كانت تتطلب في السابق مشاركة أعداد كبيرة من المتخصصين، بما يسمح بتخصيص وقت أكبر للتعاون وتطوير المشروعات، مشيرًا إلى أن هذا التحول سيجعل بيئات العمل التعاونية أكثر أهمية خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن التغير في حجم فرق العمل وطبيعة المهام سيؤثر على تصميم المكاتب، إذ ستتجه الشركات إلى الاعتماد على مجموعات أصغر وأكثر تخصصًا، تعمل بصورة متكاملة لإنجاز المشروعات، بدلًا من النماذج التقليدية التي تعتمد على أعداد كبيرة من العاملين في تنفيذ المهام نفسها.
وأشار إلى أن هذا التحول يتطلب تطوير مساحات مصممة خصيصًا لدعم التعاون وتبادل الأفكار، مع توفير أدوات تكنولوجية تتيح للفرق العمل على المشروعات بصورة مشتركة، بما في ذلك الشاشات ثلاثية الأبعاد وحلول العرض التفاعلية التي تساعد على مراجعة التصميمات وتطويرها بصورة أسرع.
وأكد ميلر أن التحدي أمام شركات التصميم والاستشارات الهندسية لن يقتصر على إدخال التكنولوجيا إلى المكاتب، بل سيمتد إلى إعادة تصميم المساحات والأثاث بما يتناسب مع طبيعة العمل الجديدة، موضحًا أن شكل المكتب سيصبح جزءًا أساسيًا من الحلول التي تقدمها الشركات لعملائها، وليس مجرد إطار مادي لتنفيذ الأعمال.
ولفت إلى أن شركته تختبر تطبيقات مختلفة للذكاء الاصطناعي بهدف تحقيق مستويات أعلى من الكفاءة، مشيرًا إلى أن هذه التقنيات ستؤثر بصورة جوهرية على صناعة التصميم والهندسة المعمارية، سواء من حيث طريقة تنفيذ الأعمال أو كيفية تقديم الحلول للعملاء.
شادي الغنيمي: غرفة المعيشة أصبحت المنافس الأكبر للمكاتب
بدوره، قال شادي الغنيمي، الشريك الإداري ومدير التصميم في El Ghoneimi International، إن المنافس الأكبر للمكاتب التقليدية أصبح غرفة المعيشة في المنزل، في ظل اتجاه الموظفين إلى تفضيل الراحة والمرونة اللتين يوفرهما العمل من المنزل، وهو ما يفرض على المصممين وشركات تصنيع الأثاث المكتبي تقديم تجارب أكثر جذبًا للعودة إلى المكاتب.
وأوضح أن تصميم بيئات العمل خلال السنوات المقبلة سيحتاج إلى تجاوز الصورة النمطية للمكتب، من خلال إنشاء مساحات تجمع بين الوظائف العملية والأجواء المريحة التي تميز مناطق الاستراحة والضيافة، بما يجعل الانتقال إلى المكتب تجربة أكثر جاذبية للموظفين.
وأضاف أن التطور المتوقع في تصميم المكاتب سيكون كبيرًا إلى درجة قد تجعل من الصعب التمييز بين مساحة العمل التقليدية ومنطقة الاستراحة العصرية، في ظل دمج التقنيات الحديثة وتطوير حلول أثاث أكثر مرونة وتنوعًا.
وأكد أن هذه التحولات ستفتح المجال أمام تصميم بيئات ديناميكية ومتجددة، قادرة على التكيف مع اختلاف طبيعة المهام واحتياجات المستخدمين، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا ستؤدي دورًا مهمًا في تعزيز هذه المرونة وإضفاء طابع أكثر حداثة على المساحات المكتبية.
نهى عبد المطلب: حرية الحركة والاختيار تعززان الإبداع والإنتاجية
من جانبها، أكدت نهى عبد المطلب، الشريك المؤسس لـPact Lab وأستاذة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة والجامعة الألمانية الدولية، أن مستقبل بيئات العمل يتجه نحو توفير قدر أكبر من حرية الحركة والاختيار أمام الموظفين، بدلًا من الاقتصار على تصميم مكاتب ثابتة تضم مقاعد ومحطات عمل تقليدية.
وأوضحت أن احتياجات الموظفين تطورت، ولم يعد كافيًا توفير مقعد ومكتب لكل فرد، بل أصبح من الضروري تصميم بيئة تتيح الانتقال بين مناطق العمل الفردي ومساحات التركيز ومناطق الاجتماعات غير الرسمية والتعاون الجماعي، وفقًا لطبيعة المهمة التي يؤديها الموظف.
وأضافت أن توفير خيارات متنوعة داخل المكتب يساعد على تعزيز الإبداع والتواصل والإنتاجية، إذ يمكن للموظف اختيار المساحة المناسبة لإنجاز مهامه، أو الانتقال إلى منطقة تعاونية لتبادل الأفكار مع زملائه، بما يحقق مرونة أكبر في استخدام المكان.
وشددت على أهمية دمج حلول الأثاث المصممة لدعم صحة المستخدمين وراحتهم، إلى جانب الأثاث الذي يسمح بتغيير وضعية الجلوس وطبيعة النشاط خلال يوم العمل، بما يعكس تحولًا في فلسفة التصميم من التركيز على محطات العمل الثابتة إلى الاهتمام بتجربة الإنسان داخل المساحة بأكملها.
نهى مغربي: تصميم الأثاث يدمج بين كفاءة العمل وتجربة الضيافة
وفي السياق نفسه، قالت نهى مغربي، رئيسة قسم الضيافة وتصميم الأثاث والتجهيزات FF&E لدى LDP + Partners، إن خبرتها في قطاع الضيافة تؤكد أهمية تصميم تجربة إنسانية متكاملة داخل بيئات العمل، موضحة أن اختيار الأثاث لم يعد يقتصر على المكاتب والكراسي الرسمية، بل أصبح أداة أساسية في تشكيل طبيعة التجربة التي يعيشها الموظف داخل المساحة.
وأضافت أن حلول الأثاث الحديثة تتيح إدخال مناطق جلوس غير رسمية وصالات استراحة ومساحات تسمح بالتواصل وتناول الطعام والعمل في أجواء أكثر راحة، بما يجمع بين الشعور بالوجود في المنزل والحفاظ على مستويات الإنتاجية المطلوبة.
وأوضحت أن الاستفادة من مفاهيم التصميم المستخدمة في قطاع الضيافة تتيح للشركات تقديم بيئات عمل أكثر مرونة وجاذبية، من خلال تنويع خيارات الجلوس وتوزيع الأثاث بما يدعم التفاعل بين الموظفين، ويمنحهم القدرة على اختيار المساحة التي تناسب احتياجاتهم المختلفة خلال اليوم.
وأكدت أن تصميم الأثاث والتجهيزات أصبح أحد العناصر المؤثرة في نجاح بيئات العمل، لا سيما مع تزايد الاهتمام بالتجربة الإنسانية والراحة والمرونة، بدلًا من الاقتصار على الجوانب الوظيفية التقليدية للمكاتب.
جويل نادر: البيانات تساعد الشركات على إعادة توظيف المساحات المكتبية
من جانبها، أكدت جويل نادر، المدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط لدى Cedos Middle East، أن البيانات أصبحت عنصرًا مهمًا في تطوير بيئات العمل الحديثة، لما توفره من معلومات تساعد الشركات على فهم أنماط استخدام المساحات وتحديد مدى كفاءة توظيفها.
وأوضحت أن تقنيات الاستشعار المدمجة في بعض حلول الأثاث ومحطات العمل يمكن أن توفر بيانات ومؤشرات تساعد مسؤولي إدارة المرافق على متابعة معدلات استخدام المساحات المختلفة، والكشف عن المناطق التي لا تستغل بالشكل الأمثل، بما يدعم اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن توزيع المساحات وتطويرها.
وأضافت أن تصميم المكاتب كان يعتمد في السابق، في كثير من الحالات، على افتراضات مسبقة بشأن احتياجات الموظفين، مثل تحديد عدد غرف الاجتماعات والمكاتب المغلقة وفقًا لعدد العاملين، إلا أن تحليل البيانات الفعلية قد يكشف عن اختلاف الاستخدام الحقيقي للمساحات عن تلك التقديرات.
وأشارت إلى أن نتائج تحليل البيانات قد تدفع الشركات إلى إعادة توظيف بعض المناطق غير المستغلة بكفاءة، وتحويلها إلى مساحات للتعاون أو غرف اجتماعات إضافية أو مناطق عمل تتناسب بصورة أفضل مع احتياجات الموظفين.
وشددت على أهمية استخدام البيانات بهدف تحسين إدارة المساحات وفهم احتياجات المستخدمين، وليس مراقبة الأفراد، موضحة أن الاستفادة الصحيحة من المعلومات تتيح للشركات اتخاذ قرارات تشغيلية أكثر كفاءة، وتحقيق أفضل استخدام ممكن للأصول والمساحات المكتبية المتاحة.
وفي ختام الجلسة، ناقشت كريستينا زينكر، مؤسسة ورئيسة Christina Zenker Consultants، تأثير قطاع الضيافة على تصميم بيئات العمل، مشيرة إلى أن المرونة أصبحت عنصرًا أساسيًا في تصميم المساحات متعددة الاستخدامات، سواء في الفنادق أو قاعات الاجتماعات أو مناطق تناول الطعام، بما يسمح باستخدام المكان لأغراض مختلفة وفقًا للاحتياجات المتغيرة.
وأوضحت أن الفنادق، ولا سيما الفنادق ذات الطابع العصري ونمط الحياة، تقدم نماذج تصميمية تمنح المستخدمين حرية أكبر في الحركة والتفاعل، وهو ما يمكن الاستفادة منه في تطوير المكاتب الحديثة وتحويلها إلى بيئات أكثر جاذبية وتنوعًا.
ومن جانبها، أكدت منى حسين أن الاستفادة من عناصر الضيافة في تصميم المكاتب أصبحت اتجاهًا قائمًا بالفعل، مشيرة إلى انتشار مناطق الاستراحة والمقاهي الداخلية التي تتيح للموظفين العمل بصورة غير رسمية أو الحصول على فترات راحة خلال اليوم.
وأضافت أن نجاح المكتب يرتبط بقدرته على توفير تجربة إيجابية للموظفين، بحيث يغادرونه دون الشعور بالإرهاق الناتج عن بيئة عمل جامدة أو غير مريحة، مؤكدة أهمية توظيف عناصر مثل الإضاءة والفنون والنباتات والأثاث المناسب في تحسين جودة المساحة وتعزيز راحة العاملين.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن مستقبل تصميم بيئات العمل سيتشكل من خلال التكامل بين التكنولوجيا والمرونة والتصميم المتمحور حول الإنسان، مع تزايد أهمية الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وحلول الأثاث المتطورة في بناء مساحات أكثر كفاءة وقدرة على التكيف مع التغيرات المستمرة في أنماط العمل واحتياجات الموظفين.
ظهرت المقالة خبراء: الذكاء الاصطناعي يعزز كفاءة التصميم ويقلص مساحات المكاتب التقليدية لصالح بيئات العمل التعاونية أولاً على أموال الغد.