ضرب “تنين بحري” قريتي ضهر صفرا والروضة بريف طرطوس، صباح اليوم الأحد 18 من تشرين الأول، مخلفًا أضرارًا مادية في البيوت والمشاريع الزراعية المحمية، دون تسجيل أي إصابات بشرية.
وأفاد مراسل عنب بلدي في طرطوس، أن الأضرار تركزت بشكل أساسي في الأنفاق والبيوت المحمية المستثمرة في زراعة محصول البندورة.
ونقل المراسل عن مزارعين محليين أن الخسائر شملت تمزق وتطاير الشرائح البلاستيكية، والتواء وتدمير الهياكل الحديدية الحاملة للبيوت، بالإضافة إلى تلف المحاصيل الزراعية القائمة بداخلها نتيجة التكشف المفاجئ.
وعلى الصعيد الحكومي، تفقدت لجنة فنية من دائرة “زراعة بانياس” المواقع المصابة لتقييم الخسائر المادية المباشرة، بالتزامن مع بدء كوادر الوحدات الإرشادية عمليات الحصر الميداني الأولي في قطاع الزراعات المحمية.
من جهتها، دعت “وحدة إرشاد الخراب” التابعة لمديرية زراعة طرطوس، اليوم، المزارعين المتضررين إلى مراجعة الوحدات الإرشادية فورًا للكشف الفني على منشآتهم.
وشددت على ضرورة استكمال إجراءات التنظيم الزراعي، بوصفه الشرط الأساسي لتوثيق الأضرار، والتمهيد للاستفادة من تعويضات صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية.
شروط لتعويض المتضررين
يُشترط بالمتضررين كي يستحقوا التعويض أن تكون الأضرار التي تعرضوا لها “ذات طابع كارثي” (حادثة طبيعية لا يمكن منع حدوثها أو تفاديها)، ونطاق تأثيرها يتجاوز 5% من إجمالي المساحة المزروعة أو من المساحة المزروعة بنفس المحصول المتضرر في الوحدة الإدارية المعتمدة أو القرية أو المزرعة حسب الحال، وفق ما قالته رئيسة دائرة صندوق الجفاف والكوارث الطبيعية بمديرية زراعة طرطوس، نسرين رحال، لعنب بلدي، في وقتٍ سابق.
وأضافت رحال أنه في حالة “التنّين البحري” فقط تخفض نسبة المساحة المتضررة إلى 1%، وأن يزيد حجم الضرر على 50% من الإنتاج المتوقع في كامل المساحة المزروعة.
ماذا تشمل التعويضات؟
ذكرت رئيسة صندوق الجفاف والكوارث الطبيعية بطرطوس، أن التعويض يكون على الإنتاج الزراعي المفقود فقط، ولا يتم التعويض على أصول الإنتاج (الحديد والنايلون وغيرهما) في حالة البيوت المحمية.
ويجب على المزارع الذي تعرّض إنتاجه الزراعي لكوارث الطبيعة أن يمتلك تنظيمًا زراعيًا أو كشفًا حسيًا في وقتٍ سابق لتاريخ حدوث الضرر، إضافة إلى إرفاق ملف مصور (صور، فيديو) عن الأضرار، بحسب رحال.
ويُعاني مزارعو البيوت المحمية في الساحل السوري من مشكلات عدة، تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج (نايلون، بذور، أسمدة)، ومن تضرر المحاصيل بسبب العوامل الجوية القاسية، مثل الصقيع والأعاصير، وصعوبة تأمين الكهرباء اللازمة للتدفئة والري، إضافة إلى عدم الحصول على دعم حكومي مناسب أو تعويضات منطقية عن الخسائر، وكذلك منافسة البضائع المستوردة التي أدت إلى انخفاض الأسعار وضعف الجدوى الاقتصادية.
وتشهد مناطق في ريف بانياس وقرى حريصون والقلوع والخراب ويحمور وسهل عكار سنويًا عواصف بحرية وهوائية شديدة تلحق خسائر بالمزارعين نظرًا إلى طبيعتها السهلية المكشوفة على البحر، وسط مطالبات قديمة بإنشاء مصدات هوائية (كأشجار السرو والصنوبر) كأبسط الحلول وأقلّها تكلفة والتي لم تلقَ يومًا سبيلًا إلى آذان المعنيين.
ما التنين البحري؟
ذكر مدير الرصد والتنبؤ في المركز الوطني للأرصاد الجوية التابع لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، شادي جاويش، أن ارتفاع درجة حرارة سطح البحر يمكن أن يؤدّي إلى زيادة في شدة وتكرار العواصف المدارية، إذ توفر المياه الدافئة طاقة إضافية لهذه الظواهر.
وأشار جاويش، في حديث سابق لعنب بلدي، إلى أن هذه التأثيرات تكون واضحة أكثر خلال فصل الخريف، وقد تمتد طيلة فصل الشتاء في بعض الأحيان ضمن شروط مناسبة، منوهًا إلى أهمية مراقبة تغيرات ارتفاع درجات حرارة سطح البحر لمعرفة تأثيرها على المناخ بشكلٍ عام.
ولفت جاويش إلى أن دول منطقة وسط وشرق المتوسط هي الأكثر تأثرًا، من ضمنها سوريا، كما أن التأثير يختلف حسب الظاهرة الجوية، مثل الشاهقة المائية (التنين البحري) التي ازدادت عدة مرات خلال السنوات الأخيرة حدة وتكرارية، واستمرت حتى بعد انتهاء فصل الشتاء.
وبحسب جاويش، فإن سبب “التنين البحري” هو تأثير منخفض جوي في طبقات الجو العليا، يتزامن مع ارتفاع مؤشر الـ”SST” (درجة حرارة مياه سطح البحر).
والشاهقة المائية (waterspout) أو ما يُعرف بالتنين البحري ظاهرة مناخية موجودة، لكن زيادة تكراريتها وحدتها هو المميز خلال السنوات الأخيرة، وذلك نتيجة التغير المناخي العالمي الذي أثر على معظم الظواهر الجوية، وفق مدير الرصد والتنبؤ.
وفقًا لمراسل عنب بلدي في طرطوس، تشكّل الزراعة المحمية في المحافظة ركيزة اقتصادية واجتماعية أساسية، إذ تضم المنطقة اليوم نحو 150 ألف بيت بلاستيكي، تتركز كتلتها الرئيسة في منطقتي طرطوس وبانياس.
ويؤمّن هذا القطاع الحيوي مصدر دخل مستدام لأكثر من 30 ألف عائلة، كما يسهم بفاعلية في دعم الأمن الغذائي، إذ يغطي إنتاجه كامل احتياجات السوق المحلية من الخضار، ويُصدّر الفائض منه إلى الأسواق الخارجية، ما يرفد الاقتصاد بالقطع الأجنبي.
اختبار نموذج تركي لمواجهة “التنانين البحرية”
وفي 8 من تشرين الأول الحالي، بدأت مديرية الزراعة في محافظة طرطوس تحضيرات ميدانية لإنشاء 50 بيتًا بلاستيكيًا عند مدخل المدينة، وذلك ضمن منحة مقدمة من الحكومة التركية إلى وزارة الزراعة السورية لدعم قطاع الزراعة المحمية وتحديث آليات الإنتاج.
ويجري تنفيذ المشروع وفق النظام التركي تحت إشراف مباشر من خبراء أتراك، بمشاركة الكوادر الهندسية في مديرية الزراعة بطرطوس.
ومن المقرر أن يتولى فريق فني متخصص متابعة مراحل المشروع وتقييم نتائجه تشغيليًا وإنتاجيًا، تمهيدًا لعرض مخرجات التجربة لاحقًا على مزارعي المحافظة، لبحث مدى نجاحها وإمكانية اعتمادها وتعميمها كبديل مطوّر عن البيوت الحالية.
مدير الزراعة في طرطوس، محمد عدنان أحمد، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن الهدف الرئيس للمشروع هو توطين الزراعة المحمية في مناطق انتشارها باعتبارها من أهم مصادر الدخل للمزارعين، وذلك عن طريق نشر التقانة الحديثة والمعتمدة عالميًا ومنها “النموذج التركي الرائد” في مجال الزراعة المحمية، بحسب تعبيره.
وأوضح أحمد أنه تم اختيار موقع تابع لأملاك الدولة قرب مدخل طرطوس بعد جسر سوق “الهال” وهو متاخم للأوتوستراد الدولي ولسوق “الهال” الرئيس، مشيرًا إلى أن هذا الموقع يحقق سهولة الحركة والقيام بالعمليات الزراعية المطلوبة ويتوفر فيه مصدر للماء والكهرباء.
وأضاف مدير الزراعة أنه تم تقديم إحاطة كاملة عن الظروف المناخية السائدة في الموقع لوفد وزارة الزراعة التركية، في إطار المعايير الهندسية والفنية لنظام البيوت التركية المزمع إقامتها في الموقع المحدد.
كما لفت إلى أن الفروقات التصميمية والإنشائية التي تميز النموذج التركي تهدف إلى جعل البيوت البلاستيكية أكثر مقاومة للظروف المناخية القاسية، لا سيما الرياح والعواصف و”التنانين” البحرية، في انتظار تطبيق هذا النموذج على أرض الواقع.
وبيّن أحمد أن النموذج التركي، بحسب الجولات الاستطلاعية للوفد التركي، مصمم للزراعات المحمية وخاصة الخضراوات بجميع أنواعها المنتشرة في محافظة طرطوس.
وأشار إلى أن تركيا بلد متقدم زراعيًا وخاصة في مجال الزراعة المحمية، وأن الهدف الرئيس المرجو من إقامة هذه البيوت المحمية هو نشر التقانة التركية المشهود لها عالميًا من حيث المتانة ومقاومة الظروف المناخية القاسية.
وتابع أن المشروع يهدف إلى إدخال الأتمتة الحديثة في عملية الإدارة لهذه النماذج من خلال حساسات الحرارة والرطوبة والضوء وغيرها، ما يسهم في ضبط عمليات الاستهلاك آليًا وترشيد الإنفاق الاستثماري، وتحقيق حماية قصوى للمحصول من جهة وللنظام البيئي بكل مكوناته الحيوية من جهة ثانية، إضافة إلى تحقيق ريعية عالية للمزارع.
وذكر أحمد في ختام حديثه لعنب بلدي أن مديرية الزراعة في طرطوس تتوقع نجاح التجربة التركية، كاشفًا أن المديرية ستعمل على نقلها إلى جميع مزارعي البيوت المحمية، وفق أسس ومعايير ومحددات ميسرة ومتاحة للجميع بالتنسيق مع وزارة الزراعة والجهات المعنية في المحافظة.