تحت القشرة الجليدية السميكة لقمر زحل إنسيلادوس، يختبئ محيط مائي واسع يُعَد أحد أكثر المواقع إثارة للاهتمام في البحث عن الحياة خارج الأرض. لكن الوصول إلى هذا المحيط يمثل تحديا هائلا، إذ تفصله عن الفضاء طبقات من الجليد يبلغ سمكها عدة كيلومترات.
والآن، تقدم دراسة علمية جديدة طريقة محتملة لاستكشاف أسراره دون الحاجة إلى اختراق تلك الطبقات، وذلك بالبحث عن بلورات ملحية تستطيع الاحتفاظ بكميات مجهرية من المياه داخلها.
أجرى الدراسة فريق بقيادة الباحث ليام بيريرا، من منشأة دايموند البريطانية للأشعة السينية، ونُشرت نتائجها في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بدورية "كوميونيكيشنز إيرث آند إنفيرومنت" (Communications Earth & Environment).
وركز العلماء على معدن يُعرف باسم النطرون (Natron)، وهو أحد أملاح كربونات الصوديوم المائية، يُتوقع أن تسمح الظروف الكيميائية على إنسيلادوس بتشكله.
واكتشف الباحثون أن هذا المعدن يستطيع أثناء تبلوره احتجاز جيوب صغيرة من السائل المحيط به، فتتحول البلورات إلى أوعية طبيعية تحفظ جزءا من المياه التي تكونت فيها.
وقد تمثل هذه الجيوب سجلا كيميائيا مهما للبيئة التي نشأت فيها، وربما تحتفظ بمواد ذات أهمية بيولوجية إذا كانت موجودة أصلا.
للوصول إلى هذه النتائج، أعد الباحثون محلولا يحتوي على أملاح مشابهة لتلك المتوقعة في مياه إنسيلادوس، ثم راقبوا عملية تجمده باستخدام أشعة سينية قوية وتقنيات تصوير ثلاثية الأبعاد.
وكشفت المشاهدات أن بلورات النطرون النامية تستطيع إحاطة كميات صغيرة من السائل، واحتجازها داخل بنيتها البلورية.
وفحص الفريق نحو 3800 حبيبة منفصلة، فوجد جيوبا سائلة داخل زهاء 3% منها. لكن النتيجة اللافتة أن جميع الحبيبات الـ29 الأكبر حجما احتوت على هذه الجيوب.
وتشير النتائج إلى أن البلورات الأكبر قد تكون أهدافا أفضل لجمع عينات تحمل معلومات عن المياه الأصلية.
ومع ذلك، استخدم الباحثون محلولا أكثر تركيزا بنحو خمسة أضعاف من التقديرات المستمدة من قياسات المركبة كاسيني لمواد إنسيلادوس، بهدف إنتاج بلورات كبيرة يمكن فحصها.
ولهذا، فإن الجيوب المحفوظة في بلورات تتشكل على القمر قد لا تمثل التركيب الأصلي للمحيط بدقة، لأن عملية التجمد نفسها تغير تركيز الأملاح في المياه المتبقية.
تنبع أهمية النتائج من الطبيعة الاستثنائية لإنسيلادوس، الذي يقذف نوافير من بخار الماء والجسيمات الجليدية عبر شقوق قرب قطبه الجنوبي.
وقد كشفت مهمة كاسيني سابقا أن هذه المواد ترتبط بمحيط مالح تحت السطح، وهو ما يتيح فرصة لدراسة محتوياته دون الهبوط إلى أعماقه.
ويقترح الباحثون أن تركز المهمات المستقبلية على الرواسب الحديثة قرب فتحات النوافير، حيث قد توجد بلورات ملحية تكونت من المواد المقذوفة من الداخل.
كما يوصون بتزويد المركبات بأجهزة قادرة على التعرف على معدن النطرون، ثم اختيار العينات التي يُحتمل احتواؤها على جيوب محفوظة.
لكنْ هناك عقبتان أساسيتان؛ أولاهما أنه لم يثبت وجود النطرون على سطح إنسيلادوس، وثانيتهما أن الدراسة لم تختبر قدرة بلوراته على احتجاز كائنات مجهرية أو حفظ آثار بيولوجية.
ومع ذلك، تقدم النتائج هدفا علميا جديدا للبحث عن مؤشرات الحياة، وتوضح كيف يمكن لمعدن صغير أن يحتفظ بمعلومات ثمينة عن محيط بعيد لا يستطيع الإنسان الوصول إليه حاليا.