كيف يفكك "فيورد" الصدام الصارم بين الهوية والثقافة والتصريح القضائي؟
تستدرجنا اللقطة الترويجية الأولى لفيلم "فيورد" الذي عرض في مهرجان الجونة السينمائي ببورتريه عائلي دافئ يبتسم فيه النجمان سيباستيان ستان وريناتي رينسفي وسط جبال النرويج الجليدية، متظاهرين بسعادة متكاملة تمنح المشاهد إحساساً زائفا بالطمأنينة. لكن هذا الغلاف الوردى المتقن...
تتجلى قوة العمل في الصياغة السينمائية والدرامية الحادة التي خطها المخرج والكاتب كريستيان مونجيو، حيث تحول الانتقال العائلي للهرب من الماضي إلى مواجهة قضائية واجتماعية خانقة تبدأ باعتراضات مدرسة الأطفال على الخطاب الديني المتشدد، وتصل إلى ذروتها مع اكتشاف كدمة بسيطة على جسد أحد الأبناء. يستعرض الفيلم بطريقة نقدية تشريحية كيف تتحول صدمة الثقافات إلى أزمة نفعية تفكك روابط الأسرة؛ فالضربة الخفيفة أو القصاص الرادع الذي يعتبره الأب جزاءً تربوياً مشروعاً في موطنه الأصلي، يصبح في المنظومة الاجتماعية النرويجية جُرماً سلبياً يستوجب انتزاع الأطفال وإيقاع العقوبة، مما يضع المشاهد في حيرة أخلاقية وقانونية معقدة حول الحدود الفاصلة بين الحماية الرسمية للطفل وتدمير كيان الأسرة باسم القانون.
على المستوى الأداء والإخراج، يقدم الفيلم تجربة ذكية ومشحونة بالتوتر تتشابه في بنيتها مع دراما المحاكم المشدودة كفيلم "تشريح سقطة"، حيث تتألق ريناتي رينسفي بأداء هادئ ومختلف تماماً عن أدوارها الصاخبة السابقة، لتجسد شخصية الأم المضحية بأسلوب يثير التعاطف والشفقة، بينما يقدم سيباستيان ستان كيمياء سينمائية ممتازة ومحتدمة تعكس صراع رجل محاصر في ثقافة غريبة عنه. يتحول الفيلم في نهايته إلى تشريح سينمائي لا يمنح للمشاهد لحظة لالتقاط الأنفاس، متسائلاً بنبرة نقدية لاذعة: هل هذه العائلة مذنبة فعلاً بحق أبنائها، أم أنها مجرد ضحية لحملة تهميش ثقافي وقانوني لا ترحم من لا يتكيف مع معاييرها؟