تخطّي إلى المحتوى
الخميس، 22 أكتوبر 2026
عاجل
تقرير أسعار السلع الغذائية الأساسية في أسواق الغربية ليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 وزير الاستثمار: التحول الرقمي يعزز تجربة المستثمرين ويدعم تنافسية الاقتصاد وزير الصناعة يتفقد مصنعاً لقطع غيار السيارات في عين مليلة محكمة جنح القاهرة الجديدة ترفض معارضة متهم بدهس فتاة الشروق وتؤكد براءته خالد يوسف كامل: توطين التكنولوجيا والاستثمار الصناعي دعما أساسيا للاقتصاد المصري مطالبات حكومية ببرنامج استعجالي لدعم الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب وزير الصناعة يدعو لتعزيز الإنتاج البلاستيكي لدعم صناعة المركبات مديرية عمل الأقصر تفتش 102 منشأة لحماية 3486 عاملا وكيل تعليم البحيرة يشارك في إطلاق مبادرتي «بداية جديدة» لضمان جودة التعليم سعيد حسنين: استراتيجية الدولة في التنمية العمرانية تعتمد على فلسفة متكاملة للنقل تقرير أسعار السلع الغذائية الأساسية في أسواق الغربية ليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 وزير الاستثمار: التحول الرقمي يعزز تجربة المستثمرين ويدعم تنافسية الاقتصاد وزير الصناعة يتفقد مصنعاً لقطع غيار السيارات في عين مليلة محكمة جنح القاهرة الجديدة ترفض معارضة متهم بدهس فتاة الشروق وتؤكد براءته خالد يوسف كامل: توطين التكنولوجيا والاستثمار الصناعي دعما أساسيا للاقتصاد المصري مطالبات حكومية ببرنامج استعجالي لدعم الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب وزير الصناعة يدعو لتعزيز الإنتاج البلاستيكي لدعم صناعة المركبات مديرية عمل الأقصر تفتش 102 منشأة لحماية 3486 عاملا وكيل تعليم البحيرة يشارك في إطلاق مبادرتي «بداية جديدة» لضمان جودة التعليم سعيد حسنين: استراتيجية الدولة في التنمية العمرانية تعتمد على فلسفة متكاملة للنقل

مرشحكم للرئاسة.. في انتظار فخامة الحلم

22 أكتوبر 2026 33 د للقراءة 2
مرشحكم للرئاسة.. في انتظار فخامة الحلم

لم تكن قرية كفر البصل، الواقعة في إحدى زوايا الريف المهمل بمحافظة القليوبية، تحظى بأي اهتمام يُذكر أو مكانة تجعلها بارزة على الخريطة، كانت مجرد محطة عابرة، لا يلتفت إليها أحد إلا لظروف اضطرارية، كتعطل سيارة أو ضياع سائق بين الحقول، لا يوجد فيها أي معلم أثري يوحي بتاريخ موغل في القدم يثير فضول الزائرين، ولا قلعة قديمة تجذب عدسات المصورين، حتى تمثال لأحد شخصيات القرية المرموقة يغيب عن المشهد، ذلك التمثال الذي يُستخدم عادة لالتقاط الصور مع المسؤولين في مناسبات الانتخابات.

ببساطة، كانت تلك القرية مجرد مثال كلاسيكي للقرى التي تبدأ يومها مع صيحات الديوك، وتنهيه بآهات الفلاحين المتكررة بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة، ومع كل موسم انتخابي، تغمرها الوعود المتكررة بمستقبل أفضل، وتمر الأيام ليكتشف أهلها أنها باتت شاهدة أخرى على مستقبل ضل طريقه إليهم، ليترك القرية وسكانها دون تغيير، مستسلمين لتكرار المآسي مع كل موجة ارتفاع جديدة في الأسعار.

على أطراف القرية البعيدة، حيث ينتهي الطريق المرصوف وتبدأ مملكة الطين في شتاء يوم مطير، توجد مدرسة صلاح الدين الإعدادية للبنين، مبنى بسيط بألوان متداخلة لا يمكن تحديده على وجه الدقة، مزيج من أصفر الشمس الذي فقد زهاءه، ورمادي الأمطار المترسبة، وبني الطين الذي يتركه الفلاحون خلفهم بلا اكتراث، أما السور المحيط بالمدرسة، فقد أصبح جزءاً من الحالة العامة للمكان، منخفضاً في بعض أجزائه ومائلاً في أخرى، بينما يبدو الجزء الخلفي منه أقرب لرمزية شكلية منه للجدران المانعة فعلياً، وكأنه يمنح التلاميذ حرية الدخول والخروج بلا قيود إلى عالم التعليم والمعرفة.

لم يكن للمدرسة ما يُعرف بفناء واسع للألعاب الرياضية أو للأنشطة الأخرى، المسافة الضيقة بين مبناها وسورها بالكاد تسمح لطابور مزدحم في الصباح، ليُحدث ذلك فوضى مدوية، وكان للعب الكرة فيها تُعد تجربة محفوفة بالعواقب غير المحمودة، حيث تصبح نافذة المعمل مرمىً اضطرارياً لتحمل تصويبات الأطفال، على أن يتحمل صاحب الكرة وحده مسؤولية أي هدف يدخل في شباكها.

أما داخل الفصول فقد كان المشهد أكثر ازدحاماً مما يمكن تخيله، عشرات التلاميذ مكدسين فوق المقاعد، في حين يقف البعض بالقرب من الجدران أو في الخلف كأنهم مُعاقبين، يتبادلون جلوسهم بالتناوب خلال الحصة الواحدة، وكأنهم يطبقون عملياً مفهوم تداول السلطة قبل أن يستوعبوا نظرياته في كتب الدراسات الاجتماعية.

النوافذ المفتوحة تطل على أراضٍ زراعية تتغير تفاصيلها مع تغير المواسم، وكانت حقول الذرة والبرسيم في الشتاء تملأ المدرسة برائحة الأرض الرطبة وضجيج الجرارات، وصيف يُغطي المكان بغبار لا يرحم صغار جاءوا لتلقي العلم لا التعذيب في تلك الأفران، المراوح المعلقة بالسقف كانت تدور ببطء شديد، وكأنها تفكر في جدوى استمرار دورانها، وفي أيام الحر الشديد، كان المراقبون لها من التلاميذ ينتظرون بشدة أن ينفجر أحد المسؤولين في النظام التعليمي بسؤال عبقري عن سبب توقف المروحة عن أداء دورها الوطني في امتحانات آخر العام.

وسط المشهد المعتاد الذي ألفه مسؤولو المدرسة، وقف الأستاذ عادل عبد الرحمن النجار، مدرس التاريخ ورئيس اتحاد النشاط الثقافي، يتأمل الفناء الضيق للمدرسة بعينٍ تعكس شغفه، لم يكن عادل مدرساً تقليدياً كما يراه الطلاب وزملاؤه، بل كان يُوجِد قصصاً في كل زاوية، يرى في كل نقش معنى عميق، وفي كل تمثال من الماضي المصري رسالة تحمل حكمة سياسية يمكن للمصريين المُعاصرين أن يستفيدوا منها، لو منحوا أنفسهم فرصة لفهمها.

حين كان يدخل الفصل ويجد الطلاب يتنازعون على مقعد مكسور، كان يقتنص الفرصة ليحدثهم عن إخناتون، وعن معركته الشهيرة لتغيير العقيدة في مصر القديمة، وإذا ما اكتشف أن أحدهم استولى على قلم زميله، كان يستدعي قوانين الماعت القديمة من ذاكرته، تلك القوانين التي لطالما نظر إليها باعتبارها نموذجاً للعدالة والبساطة يفوق في بعض جوانبها التنظيمات المدرسية الحديثة.

كانت إمكانيات عادل بسيطة لكنها لم تكن تعيقه عن أداء رسالته، الخريطة البالية التي أبرزت شكل مصر فقدت جزءاً من دلتا النيل، وصورة توت عنخ آمون كانت ممزقة من الأطراف، أما لوحة رمسيس الثاني فلم يبق منها سوى وجهه وبعض من كتفه، وكان يعوض نقص هذه الوسائل بخيال خصب يملأ السبورة برسوم الأهرامات وأبو الهول ومعابد الكرنك، ومن خلالها كان يشرح كيف استطاع المصريون القدماء إدارة العمل والموارد ونقل الأحجار وإطعام العمال، ثم ينظر إلى طلابه بعيم مليئة بالحسرة ويسألهم عن سبب عجز المدرسة عن توفير مقاعد كافية لهم، لم يكن ينتظر إجابة، يعلم أن التاريخ مهما كان مليئاً بالعظمة لا يمتلك القدرة على إصلاح مقعد مكسور.

قرر عادل إنشاء جماعة للتراث المصري القديم لتكون قلب النشاط الثقافي في المدرسة، كان يجمع التلاميذ في غرفة صغيرة بجوار المكتبة ويحثهم على تصور الماضي من خلال صناعة نماذج للأهرامات باستخدام الورق المقوى، ورسم مشاهد يومية للحياة في مصر القديمة، وابتكار قصص قصيرة تحاكي حياة الفلاحين الذين شقوا الترع والصناع الذين نحتوا التماثيل والكتاب الذين وضعوا أسس الاقتصاد الزراعي بترتيب حسابات مخازن الغلال، كان دائماً يؤكد لهم أن الحضارة ليست حصراً على الملوك وحدهم، بل هي إرثٌ صنعه العامل والفلاح والطبيب والكاتب إلى جانب الحكام، وأن التاريخ الذي يحصر نفسه في قصص الملوك ليس سوى سيرة ذاتية طويلة للحكام دون انعكاس صادق لحياة العامة.

كان الأستاذ عادل يحلم بتنظيم رحلة مدرسية لزيارة المواقع الأثرية في القاهرة أو الجيزة، لكن نقص الموارد ظل يتحدى أحلامه حتى وجد بديلاً أقرب: معرض صغير أطلق عليه اسم "مصر كما صنعها أبناؤها"، في هذا المعرض عرض تلاميذه أعمالهم، من أدوات زراعة قديمة ولوحات للمعابد ونسخ متواضعة للكتابة الهيروغليفية.

رغم بُساطة النماذج التي قدمها التلاميذ وعيوبها، فقد بدا بعضها غير مكتمل أو ملطخاً بالغراء، إلا أن الفعالية حققت نجاحاً كبيراً فاق توقعاته، توافد عليه أولياء الأمور لالتقاط صور مع أبنائهم وأشاد موجه النشاط بتلك الأفكار المبتكرة، ورغم من أن الجميع انصرفوا تاركين خلفهم أكواب الشاي وأوراق الفوم، بقي الأستاذ عادل بوجه ممتلئ بالسرور وهو يشعر أنه أخيراً حقق شيئاً يستحق أن يُحكى.

منذ ذلك اليوم، ورغم بساطة التجربة، بدأ عادل يرى نفسه كرجل قادر على تغيير الواقع بأفكار جديدة، وليس مجرد مدرس يسعى لجعل حصة التاريخ أقل مللاً، أصبح يدرك التناقضات من حوله بوضوح مؤلم: يسمع المسؤولين يتحدثون عن بناء الإنسان، بينما الأطفال يتكدسون في الفصول، يسمعهم يتحدثون عن اكتشاف المواهب، وهو يبحث عن مكان لعرض أعمال تلاميذه، يقرأ عن خطط تطوير التعليم، لكنه يقف أمام سبورة لا يُكتب عليها إلا إذا غُمس القلم في الماء، وعندما يعود إلى منزله الريفي البسيط، يجلس أمام مكتبه الخشبي ويدون ملاحظات عن أوضاع البلاد.

بدأ الأمر بكتابة بعض الاقتراحات البسيطة التي يراى ضرورة اتخاذها، إصلاح المدرسة، توفير ملعب، زيادة الأنشطة الثقافية، وتحسين المكتبة، ثم توسعت ملاحظاته لتشمل تطوير التعليم وإصلاح الزراعة ومشاكل الري والرعاية الصحية والبطالة والصناعة والنقل والعدالة الاجتماعية والإدارة المحلية، ومع الوقت، لم تعد دفاتره تتسع لأفكاره، فاستعان بملفات جديدة ثم دفتر أكبر وأخيراً سبورة بيضاء في غرفته، كان يدون عليها المشاكل والحلول المقترحة ويرسم عليها الخطوط والأسهم لتبدو وكأنها خطة لتحرير البلاد من سوء الإدارة كما يراها هو.

كانت زوجته تدخل الغرفة بين الحين والآخر، تنظر إلى تلك السبورة البيضاء ثم إلى زوجها وتضع كوب الشاي بجانب الأوراق قبل أن تنسحب في هدوء حذر، لم تكن تعترض على أحلامه، لكنها كانت تخشى من تحول منزلها إلى وزارة بيروقراطية، وأن تصبح احتياجات المنزل من زيت وسكر من اختصاص لجنة التخطيط الاستراتيجي، أما هو، فقد ازداد يقيناً بأنه اكتشف أخيراً ما لم يكتشفه الآخرون.

لماذا لا يتولى الحكم من يفهم التاريخ؟ كان هذا السؤال الذي يشغله دائماً، أليست الدولة في جوهرها سلسلة قرارات ونتائج؟ ألم تقم الحضارات الكبرى على الإدارة والموارد والعمل؟ وإذا تمكن المصري القديم من بناء حضارة دامت آلاف السنين، فلماذا يعجز المصري الحديث عن إدارة مدرسة صغيرة دون أن تُصبح مروحة السقف قضية قومية؟ وكاأن السؤال الأخير هو الذي حسم الأمر.

في صباح يوم مشرق، وبينما كان يراجع مع تلاميذه درساً عن أثر الدولة الحديثة في مصر القديمة على تطور الإمبراطورية المصرية، شعر فجأة بإلهام جديد وبنظرة عينين متألقة لم يتمتع بها منذ وقت طويل، أغلق الكتاب بعنف وقد حسم في داخله أنه لن يقتصر على تدريس التاريخ فقط بل سيسعى لكتابته بنفسه، أخيراً، قرر الترشح لرئاسة الجمهورية، واثقاً بأنه يمتلك القدرة اللازمة للقيام بهذا الدور.

لم يكن عادل بحاجة إلى إجراء استطلاعات رأي كما يفعل الأخرون، أو عقد اجتماعات مع مستشارين أو خبراء مُحنكين، ولا إلى دراسة فرص المنافسة المحتملة، بل اكتفى بنظرة قصيرة في المرآة الصغيرة المعلقة بجانب باب الفصل، تأمل وجهه طويلاً ثم ابتسم بارتياح، كما لو كان قد تأكد أن المنصب الذي يناسبه كان ينتظره منذ أمدٍ بعيد، وكل ما مضى لم يكن إلا تدريباً عملياً ليصبح مؤهلاً له.

كان لديه شعار جاهز لحملته الانتخابية قبل كتابة أول بيان له: "مرشحكم للرئاسة.. رجل من الماضي جاء ليصنع المستقبل"، أحب هذا الشعار لأنه يعكس مسيرته وعمله الأكاديمي، فقد قضى سنوات طويلة في مدرسة ريفية، يعلم الأطفال كيفية استغلال الموارد المتاحة لتحقيق حياة مكتملة، وحان الوقت للانتقال إلى مرحلة مختلفة في مسيرته المهنية، مرحلة تتغير فيها القرارات وتتسع المسؤوليات وتصبح الأخطاء أكثر تكلفة من طبشور سبورة جاف.

بدأ عادل في إعداد برنامجه الانتخابي بتركيز ودقة، فلم يترك مجالاً إلا وقام بدراسته بتعمق، شمل برنامجه قضايا الاقتصاد، والزراعة، والصحة، والتعليم، والإسكان، والصناعة، والسياحة، والثقافة، والبحث العلمي، والنقل، والطاقة، والإدارة المحلية، والتحول الرقمي، والحماية الاجتماعية، لم يقف فقط عند حدود العناوين العامة بل وضع أهدافاً محددة لكل قطاع إلى جانب مراحل تنفيذ واضحة ومؤشرات لقياس النجاح، بالإضافة إلى تصور دقيق لمصادر التمويل.

في مجال الاقتصاد، وعد المرشح الرئاسي عادل عبد الرحمن النجار بإعادة هيكلة الإنفاق العام، وتوسيع الإنتاج المحلي، وإعادة ترتيب أولويات الاستثمار بشكل يلبي احتياجات سوق العمل، وبالنسبة للزراعة، ركز على تحديث تقنيات الري ودعم صغار الفلاحين وتحسين كفاءة سلسلة التوريد للحد من الفاقد الزراعي، وفي الصحة، التزم بتحسين وحدات الرعاية الصحية الأولية وضمان توفر الأدوية الأساسية وتعزيز الظروف المعيشية للأطقم الطبية، وفي التعليم، خصص فصلاً كاملاً لإصلاح المدارس الريفية التي يعرفها جيداً وصولاً إلى إنشاء جامعة بحثية تُنافس الجامعات العالمية.

كان ملف المياه هو الأكثر إثارة لقلقه، لذا أمضى ساعات طويلة أمام خريطة حوض النيل، متتبعاً مسار النهر من منابعه حتى الأراضي المصرية، ومدققاً في تطورات سد النهضة الإثيوبي ومخاطر الجفاف وقواعد الملء والتشغيل والاحتياجات المائية المتزايدة، وأهمية التعاون الإقليمي وتبادل البيانات، فجأة التقط القلم وراح يدون على الخريطة عبارة: أمن مصر المائي لا ينبغي أن يُترك للصدف، قبل أن يجلس على كرسية ويكتب في أحد الكراسات: التعامل مع الأزمة يتطلب تفاوضاً جاداً وتعاوناً فنياً وتخطيطاً داخلياً يقلل الهدر، وتنويع مصادر المياه وتحديث الزراعة وحماية حقوق مصر دون تجاهل مصالح جميع دول حوض النيل.

أغلق عادل ملف مياة النيل ثم انتقل إلى قضية الاضطرابات في الدول المحيطة، وكتب بعض البيانات عن الأمن الإقليمي وحدود الدول والهجرة والتجارة والطاقة وإقامة علاقات متوازنة مع الجيران، كان يرى أن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تكون سلسلة من ردود الأفعال العابرة، بل يجب أن تكون استراتيجية بعيدة المدى تدرك ما تريد وتعي ما يمكنها تحقيقه، وتفهم أن القوة لا تُقاس فقط بالصوت المرتفع.

وعندما انتهى من إعداد برنامجه، وجد نفسه أمام مجموعة من المجلدات وصفحات مرقمة وجداول ورسوم بيانية وملاحق، والأن، لم يتبق له إلا إعلان ترشحه، وفي اليوم التالي، اختار عادل ساحة صغيرة بالقرب من الوحدة المحلية، واستعار مكبر صوت من أحد أبناء القرية، وجمع بعض أصدقائه وتلاميذه السابقين، ووقف يلقي بياناً موجزاً عن مشروعه الانتخابي.

وكما هو متوقع، لم يحضر سوى عدد محدود من أهالي القرية والقرى المجاورة، بعضهم جاء بدافع الفضول، وآخرون ظنوا أنه يوزع بطاقات للتموين، وثلاثة من المارة توقفوا لأن الطريق كان مزدحماً لتعطل جرار زراعي، لكنه لم يرَ في قلة الحضور مشكلة حقيقية، فقد كان يؤمن بأن الأفكار العظيمة تبدأ دائماً من عدد قليل، وأن المستقبل يحتاج لعقول تعرف الطريق أكثر من حاجته لجمهور غفير تائه.

انتشر الخبر بسرعة في القرية ثم امتد إلى القرى المجاورة، لم يصدق البعض أن مدرس التاريخ الذي يعلم أبنائهم قرر مقارعة رجال السياسة، بينما اعتبر آخرون الأمر مزحة هذلية سخيفة، فيما رأى فريق ثالث أنه لو كان قادراً على إصلاح المدرسة التي يعمل بها، لكان من الممكن التفكير في ترشحه للرئاسة بجدية أكبر، أما عادل، فكان يرى في تلك التعليقات دليلاً على أن التغيير الحقيقي يواجه مقاومة منذ لحظته الأولى، ومع ذلك استمر في طريقه دون أن يشعر باليأس.

في البداية بدت الأمور بسيطة، كانت الاجتماعات تُعقد في قاعة صغيرة أعدها في منزله الريفي البسيط، والبرنامج يوزع على الناس في نسخ مصورة، وبعض الأصدقاء يساعدونه في ترتيب أوراق الترشح للإنتخابات، بينما يدير أحد أقاربه صفحة الحملة الانتخابية على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين تفرغ عادل للاجابة على الأسئلة بثقة، يشرح الأرقام والخطط والموارد، لم ينس أن يؤكد على أن الدولة لا يمكن أن تُصلح كل شيء في يوم واحد وأن الإصلاح عملية تراكمية تحتاج إلى ترتيب الأولويات ومحاسبة المسؤولين.

فجأة، وبدون مقدمات، بدأت المفاجآت التي لم تكن في الحسبان، كان عادل النجار يعتقد أنه يخوض معركة من أجل شعب بأكملها، لا من أجل مجموعة صغيرة من الأتباع الذين يلاحقونه بالهتافات والتصفيق أينما ذهب، لم يكن يعرف معظمهم معرفة شخصية، وبعضهم لم تجمعه بهم أي علاقة ودية في يوم من الأيام، إلا أنه كان يراهم يتجمعون حوله كلما ظهر، يرفعون أصواتهم باسمه ويغنون له بحماسة، كأنه بطل شعبي جاء ليخلصهم من أعدائهم.

كان المشهد يعيد إلى ذهنه رواية "الحرافيش" لنجيب محفوظ، حين كان أهل الحارة يهتفون للفتوة: "اسمه الله عليه اسمه الله عليه!"، لكن على عكس أولئك الفتوات الذين كانوا يستمتعون بهذا النوع من الهتافات، لم يشعر عادل بأي فخر، كان الخوف يتسلل إلى أعماقه، كان يفكر فيما سيحدث إذا خسر المعركة وسقط حلم الرئاسة من بين يديه، ماذا لو ظهر منافس جديد ليحمل راية الحلم نفسه؟ هل ستنقلب هذه الحشود نحوه بنفس الحماسة، وكأنه لم يكن موجوداً يوماً قائداً لهم؟

وبمرور الوقت، أصبحت القرية تعيش مشهداً مألوفاً تطور على مدار السنوات الأخيرة: انقسمت إلى فريقين، أحدهما مؤيدون لا يبدو أنهم يدركون تماماً أسباب تأييدهم، والآخر معارضون غالباً ما يفتقرون إلى حجج واضحة لرفضهم، ومثلما ظهر المريدون والتابعون، خرج خصوم عادل من جحور الصمت، ليبدأوا اجتماعات في المنازل والمجالس، ينظمون ندوات وفعاليات، ويطلقون خطباً وبيانات تصدح بالكلمات الكبيرة دون وزن أو معنى، تتدفق ببساطة كما يتدفق الماء من صنبور مكسور، وصار برنامجه يُهاجم حتى قبل أن يُقرأ، وتُثار الشبهات حول نواياه قبل أن تُفهم، وأطلقوا على مؤيديه لقب "النجاريين"، وكأنهم لم يعودوا أبناء قرية واحدة، بل طائفتين تتنازعان أرضاً واحدة، لكل منهما رايته وأناشيده وأعداؤه.

لم تعد أحاديث الناس في القرية عن احتياجات حياتهم اليومية البسيطة مثل إصلاح الطريق المتهالك أو بناء مدرسة تسع تلاميذهم، بل صار كل النقاش متمحوراً حول شخص عادل النجار: هل هو حقاً المنقذ الذي طال انتظاره، أم أنه مجرد كارثة بشرية تتحرك بين الناس؟ وبين هذه الانقسامات والجدالات المحتدمة، كانت القرية الصغيرة تستعد لما بدا وكأنه صراعها الأعظم، ورغم كل هذا الصخب، لم يكن أحد يدرك أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

لم يكن هؤلاء المعارضين أكثر ما كان يؤلم عادل، ولا أكثر ما يثير قلقه، فقد أدرك أن المعارضة جزء لا يتجزأ من السياسة، وأن من حق الآخرين انتقاده ورفضه، بل وحتى السخرية منه، أما مؤيدوه، أولئك الذين يهتفون باسمه وكأنه نبيٌ ضال طريقه إلى القرية، وكان أكثر ما أحزنه أنه اكتشف أنهم أعلنوا دعمهم دون الاطلاع ولو على جزء من برنامجه الانتخابي، بعضهم لم يكن يريد منه شيئاً سوى أن يفشل منافسه، وآخرون ينتظرون منه وعداً بتعيين أبنائهم في وظائف حكومية مرموقة، أو توفير مقاعد لأقاربهم في مؤسسات مهمة.

وعندما حاول عادل شرح أن مشروعه قائم على الكفاءة وتكافؤ الفرص، وأن الوظائف ليست غنائم حرب تُوزع على الأنصار، قابلوه بنظرات ملؤها الاستغراب، وكأنه يقترح عليهم زراعة الأرض بالفلسفة والمنطق بدلاً من السماد، أو استبدال رغيف الخبز بكتاب عن الاقتصاد، يومها أدرك أن أصعب ما في الحكم ليس إقناع المعارضين بصدق نواياه، بل في إقناع مؤيديه بأنه غير مدين لهم بوطن خاص، وأن الدولة ليست ملكية خاصة للرئيس يُورث مناصبها لمن هللوا له في الميدان.

لم يكن الصدام الأول بين عادل وأنصاره سوى الاختبار الأول لطموحه الرئاسي، وربما أول شرخ ظهر في جدار الوهم الذي شيده حول نفسه، فقد زاره وفد يطلب إصلاح الطريق الذي تحولت حفره إلى شركٍ للسيارات والمارة، وتبعه آخرون يطالبون بوظائف للشباب الذين أكل الانتظار أعمارهم، ومنهم من يطالب بمستشفى ومدرسة جديدة، وآخرون يرغبون في تمديد خط مياه لمنطقة نائية طالما شرب أهلها من معاناتهم أكثر مما شربوا من الماء، استمع عادل لكل هذه المطالب وسجلها بعناية في أوراقه ودفاتره، ثم حاول أن يشرح لهم أن هذه المطالب لا تُنجز بالنوايا الطيبة، وأن لكل مشروع تكلفته وأولوياته، وأن الميزانية ليست كنزاً لا ينضب.

نزلت كلمات عادل على أذانهم كالصاعقة، كانوا يظنون أنهم يستحقون ثمن تأييده، وكانت ردة فعلهم أعنف مما يتخيل، فقد غادر البعض قاعته غاضباً، واتهمه آخرون بأنه بات يتحدث بلغة المسؤولين قبل أن يتبوأ كرسي الحكم، بينما تساءل شخص آخر ساخراً إن كان قد نسي وعوده حتى قبل أن يجف حبر برنامجه الانتخابي. ظل عادل يتأمل في الوجوه المغادرة، وقد شعر أن أولى معاركه لم تكن مع خصومه، بل مع الذين افترض أنهم سيساعدونه للوصول إلى القصر، فإذا بهم يريدونه أن يحمل القرية بأكملها على كتفيه.

في تلك الليلة، أضاف عادل إلى برنامجه فصلاً بعنوان "إدارة التوقعات الشعبية"، لكنه سرعان ما شطبه خشية أن يُفسر العنوان كاعتذار مبكر عن تنفيذ وعوده، كان يتعلم السياسة من خلال التعامل المباشر مع الناس، وإن كان ذلك بالطريقة الصعبة، كانت كل فكرة تتحول إلى مطلب، وكل مطلب إلى معركة، وكل محاولة للشرح تُواجه باتهام المراوغة، ولكنه لم يتراجع، فقد كان يؤمن بأن القائد الجيد لا يهرب من الأسئلة، حتى إذا كان قد أدرك أن الناس لا يريدون دائماً سماع ما يمكنه فعله، بل ما يتمنون سماعه.

لم يكن عادل يتوقع أن تُسفر مغامرته الانتخابية عن توليه رئاسة الجمهورية، فقد بدأت حملته بشكل متواضع، مع برنامج معد بعناية، وجولات في القرى والنجوع، وخطابات مرتجلة ألقيت على منصات خشبية أقيمت بسرعة، لكن شيئاً فشيئاً، تحولت بساطته إلى حديث وسائل الإعلام، وأصبحت إجاباته الصريحة على أسئلة الناس حديث المجالس، بينما اجتذبت وعوده بالتعليم المجاني الجيد، والرعاية الصحية، وتوفير فرص العمل انتباه الناس الذين سئموا الوعود القديمة، في المقابل، انشغل منافسوه بتبادل الاتهامات وتفكيك حملات بعضهم البعض، ما جعل عادل يتقدم في استطلاعات الرأي دون أن يدرك تماماً كيف حدث ذلك، وعندما أُعلنت النتائج، تبين أنه قد فاز، ليس لامتلاكه مفاتيح الدولة، بل لرؤية الناس فيه وجهاً جديداً، فقرروا أن يمنحوه الفرصة التي لم يمنحوها لغيره.

نظر عادل في أوراق النتائج ثم في صورته المنشورة بالصحف قبل أن يجول بنظره في المكتب الرئاسي الواسع، شعر بأن حياته انتقلت فجأة من فصل دراسي مزدحم إلى فصل ضخم، لكن بدون سبورة يستطيع محو أخطائه عليها أو تلاميذ يقتصر دورهم على تصحيحها في دفاترهم، لقد أصبح الرجل الذي كان يشرح لتلاميذه كيف نهضت الدول وسقطت، مسؤولًا الآن عن دولة كاملة، ولم يعد التاريخ مجرد مادة يشرحها، بل واقعاً ينتظر منه أن يصنعه.

في يومه الأول بالقصر، صافح المسؤولين، استمع إلى تقاريرهم، وراجع الملفات العاجلة، ثم طلب عقد اجتماع شامل لمناقشة التعليم، وهو المجال الذي كان يعتقد أنه يفهمه أفضل من غيره، تدفقت أمامه الأرقام والجداول والخطط، لكنه بدأ يسأل عن المدارس النائية المتهالكة، والفصول المكتظة، ونقص المعلمين، والأنشطة الثقافية، والأطفال الذين لا يجدون مساحة للعب، استمع المسؤولون إلى ملاحظاته باهتمام، ثم قال أحدهم بتوتر واضح أن بعض الحلول يتطلب التنسيق بين جهات متعددة وأن بعضها الآخر يحتاج إلى اعتمادات مالية وإجراءات قانونية لا يمكن تخطيها، أومأ عادل برأسه متظاهراً التفهم، لكنه شعر أن طريق الإصلاح أطول مما تصور، فقد كان يظن أن فهم المشكلة هو نصف الحل، قبل أن يدرك أن نصفه الآخر موزع بين عشر جهات، لكل منها لائحة وتوقيع وختم واجتماع جديد يجب انتظاره.

ما إن وطأت قدم عادل النجار أرض مكتبه في قصر الرئاسة، حتى أمر بإحضار نسخة طبق الأصل من قناع الملك توت عنخ آمون بحجمه الطبيعي ووضعه مقابل مكتبه، لم يكن يعلم لماذا اختار هذا القناع دون غيره، ربما أراد أن يستلهم من حضارة أجداده سر عظمتهم ومهارتهم في بناء الصروح الضخمة دون الحاجة إلى لجان للتخطيط، وأخرى للمراقبة، وثالثة للتقييم، ورابعة لمراجعة ما انتهت إليه اللجان الثلاث!

في أيامه الأولى كرئيس، تبنى عادل نهجاً تدريجياً لتنفيذ برنامجه الانتخابي، بدأ بتوجيهات لفحص أوضاع المدارس الأكثر احتياجاً، وطلب خططا لتطوير الوحدات الصحية، وأسس لجاناً لتحليل مشكلات الزراعة والمياه، وأصر على وضع مؤشرات أداء واضحة لكل مشروع، لكن مع كل قرار كان يصدره، وجد نفسه أمام مشكلات لم يحسب حسابها: تقارير تتضاعف بلا نهاية، بيانات تتناقض، وأكوام من الأوراق تضيع في متاهة البيروقراطية، التي بدا أن الخروج منها عقبة أشد تعقيداً من اتخاذ القرار نفسه.

كان عادل واعياً تمامًا لواقع الدولة وتعقيدات إدارتها، أدرك سريعاً أن الحُكم لا يشبه إدارة فصل دراسي، وأن النوايا الطيبة وحدها لن تُصلِح ما أفسدته عقود من الترهل والعجز الإداري، عرف أن التغيير يتطلب معلومات دقيقة، وموارد كافية، ومؤسسات ذات كفاءة عالية، ونظام محاسبة لا يعرف المجاملة، فضلاً عن الوقت الكافي لتحقيق ذلك، غير أنه أدرك أن هذه الحقائق لن تعفيه من مسؤولية تحقيق النتائج الملموسة، إذ كيف يمكن للمواطن الصبر على خطة طويلة الأمد وهو لا يجد قوت يومه أو مدرسةً تليق بأطفاله؟ هنا بدأت تظهر معضلته الكبرى كرئيس للبلاد: كيف يشرح للعامة قيود الواقع دون أن يبدو كأنه يسير على خطى من سبقوه في العجز أو التبريرات؟

كانت لديه رغبة صادقة في مصارحة الشعب بحقيقة الوضع، لكنه كلما تحدث عن صعوبة التحديات والموارد المحدودة، اتهمه البعض بالتخلي عن وعوده الانتخابية، وعندما حاول ترتيب الأولويات وفق الأهمية، قابل انتقادات من فئات متعددة تزعم أن إرجاء مطالبها هو دليل على التمييز أو التجاهل، أما القرارات التي حرص أن تكون قائمة على دراسات معمقة، فلاقت استياء شعبي بسبب توقع التنفيذ الفوري والحلول السحرية، وبين مطالب لا تنتهي وتوقعات تبدو غير واقعية، وقف عادل على حافة إدراك مؤلم: أن إدارة الدولة ليست فقط علماً في اتخاذ القرارات، بل فناً لإقناع الجميع بأن تحقيق المستحيل يحتاج إلى زمن وصبر.

وفي محاولته لتخفيف الضغط المتزايد عليه، قرر عادل اتخاذ خطوة جريئة لم يدرس أبعادها جيداً، فتح المجال أمام حرية الصحافة بلا قيود، وأعطى الإعلاميين حرية النقد والتعبير، كما دعا المسؤولين للتفاعل مع الانتقادات بدلاً من تجاهلها، كان يؤمن أن الصحافة الحرة قادرة على إظهار الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات مستعصية وأن الحكومة التي تهرب من المساءلة لا تستحق الاستمرار، ربما كان يعتقد أيضاً أن إتاحة المجال للنقاش العام قد يمنحه وقتاً ثميناً للتركيز على حل الأزمات المتشعبة.

لم يمر وقت طويل حتى اكتشف عادل الحقيقة المُرة، الحرية الإعلامية تشبه مياة الأنهار، تحتاج إلى مسارات واضحة توجه تدفقها، وإلا تحولت إلى فيضان يدمر أكثر مما ينفع، فلم تكن المشكلة في مبدأ النقد نفسه بل في الفوضى التي سادت ذلك المشهد: معلومات مبتورة أو غير مؤكدة، اتهامات تُلقى جزافاً دون أدلة، توقعات متناقضة تطالب بالمستحيل، وأخبار مثيرة تثير الفزع في عناوينها وتنتهي بتفاصيل سطحية لا يلتفت إليها أحد، فجأة بات كل قرار حكومي سبباً لإشعال معارك إعلامية، كل تأخير فضيحة مدوية، وكل محاولة مراجعة أو إصلاح تُصور كدليل على عدم الكفاءة.

بدأ عادل يشعر لأول مرة بأنه قد فتح الباب أمام زوبعة طاغية لن يكون بمقدور الدولة احتواء تداعياتها، وللمرة الأولى، تساءل عادل إن كان قد فتح نافذة للهواء كي يتنفس الوطن، أم أنه فتح باباً لموجة عاتية لن يستطيع أحد إيقافها.

في صباح أحد الأيام، استيقظ عادل ليجد الصحف تتحدث عن ما أسمته "أزمة المروحة الرئاسية"، بعد انتشار صورة له على مواقع التواصل تُظهره وهو يتفحص أحد المراوح في أحد المباني الحكومية، لم يصرح عادل بأي شيء عن المراوح، لكن شخصاً ما نشر أن الرئيس وعد بتبريد الحكومة بأكملها بينما يعاني مكتبه من الحرارة!

وفي اليوم التالي، انتشر رسم كاريكاتيري يُصوره جالساً فوق جبال من الملفات، محاطاً بمواطنين يلوحون بفواتير الكهرباء والغاز والماء، ضحك عادل حين رآه، فقد كانت من البراعة لتستحق تلك الابتسامة، لكنه سرعان ما كف عن الضحك عندما وجد بعض المسؤولين يرون في السخرية مؤامرة، بينما رأى بعض المعارضين في كل خطأ دليلًا على أن الدولة بأكملها لا تستحق سوى الهدم.

رغم كل ما سبق، قرر عادل ألا يغلق أبواب النقد، لكنه دعا مؤسسات الدولة إلى مواجهته بالمعلومات الصحيحة، ونشر الحقائق، والاعتراف بالأخطاء، والتمييز بين الرأي والواقع وبين المطالب المشروعة والتضليل المتعمد، لم يكن يريد صحافة تمتدح الحكومة بلا سبب، ولا حالة من الفوضى تُحول الحقيقة إلى مجرد رأي من بين آراء متساوية، غير أن السياسة لم تمنحه رفاهية التقاط الأنفاس، فكلما قدم خطة بعيدة المدى، طالبه الناس بنتائج فورية، وعندما تحدث عن التعاون الإقليمي، أرادوا ضمانات لا يمتلكها أحد، وعندما شرح أن بعض المسائل تحتاج إلى مفاوضات وتحضيرات داخلية وحسابات دقيقة، ظهر عنوان صحفي يُختصر حديثه كله في جملة واحدة: "الرئيس يعترف بالعجز".

بعد عامٍ من توليه الحكم، بدا عادل وكأن السنين أضافت إلى ملامحه أكثر مما يمكن للزمن الطبيعي أن يفعل، لم تغب ابتسامته عن وجهه، ولكنها أصبحت نادرة الحضور، وغالباً ما كانت تتلاشى خلف سحابة تفكير عميق، بينما عينيه عالقتان بين الأوراق المتكدسة على مكتبه، في درج جانبي، لا يزال يحتفظ بصورة قديمة لمدرسته، إلى جانبها ورقة رسمها أحد تلاميذه يظهر فيها هرم كبير وقد كتب أسفله بخط طفولي مرتجف: "مصر عظيمة"، كل مرة تقع عيناه على تلك الرسمة، كان يستشعر ثقل العبارة ويعي أن عظمة الوطن ليست مجرد شعار يرفرف في المناسبات، بل مسؤولية بَدأت من مقعد مهترئ يجلس عليه طفل في أحد فصول المدارس البعيدة، ومروحة سقف لا تعمل منذ دهر، إلا أن تعقيدات السياسة وتشابكات مصالحها كانت أكبر من أن تختصرها لوحة أو تستوعبها فكرة مجردة.

في الخارج، ترقبت القوى الإقليمية والدولية المشهد المصري بعناية وربما بقلق مريب، تتلمس نقاط الضعف التي قد تتيح لها مساحة لاستغلال الفوضى الداخلية وإعادة رسم خارطة النفوذ بما يخدم مصالحها الخاصة، في الوقت نفسه، تضج الكواليس بأحاديث غير مؤكدة عن مفاوضات واجتماعات سرية بين جهات تسعى إلى إنهاء حكم عادل، بعض هذه الأطراف يتخذ من السياسة غطاءً لتحركاته، وبعضها الآخر يعول على اندلاع غضب شعبي واسع النطاق، والبعض الأخير يمد خطوط الاتصال مع قوى خارجية تُجيد تحريك بيادقها في مصفوفات الصراعات الإقليمية.

لكن ما بدا للكثيرين كصورة واضحة كان في الواقع أبعد ما يكون عن البساطة، فليس كل من رفع صوته بالمعارضة متآمراً، ولا كل من انتقد السلطة كان دمية تُحركها يد الخارج، ولا يعني كل تناقض في الرؤى بدايةَ مؤامرة محكمة، غير أن المشهد لم يخلُ من متربصين اعتبروا الحالة المرتبكة للدولة فرصة سانحة يجب اقتناصها لتحقيق مشاريعهم الخاصة، باتت الأخبار والشائعات تتسارع بشكل محموم، وصارت الحقائق تختلط بالتأويلات حتى تلاشت الحدود بين الواقع والتخمين وازدادت الصورة غموضاً وتعقيداً.

في مواجهة هذا الكم من الضبابية، عملت الأجهزة المختصة بكل طاقتها لتفصل بين الشائعات التي تثير البلبلة والتهديدات الحقيقية التي لا تحتمل التهاون، في حين بقي عادل مصراً على أن تُدار الأزمات بالقانون وحده، دون السقوط في فخ اتهامات فضفاضة قد تؤجج الشكوك داخل النسيج المجتمعي، كان يؤمن بأن الدول لا يمكن حمايتها بالخوف، وأن الأمن المبني على انعدام الثقة بين الدولة وشعبها قد ينقلب إلى خطر دائم يُهدد بقاء النظام نفسه، لكنه، ورغم حنكته وحذره، لم يتخيل أن حساباته ستقوده إلى مواجهة واقع لن يصبح فيه الحاكم وحامي العرش فقط، بل والهدف ذاته، وما بدت له تهديدات بعيدة المنال يوماً ما كانت على وشك أن تطبق أبوابها على عتبة مكتبه دون سابق إنذار.

جاء يوم الاحتفال بمرور عام على تولي عادل النجار منصب الرئاسة، أقيمت فعالية جماهيرية ضخمة في الساحة الفسيحة أمام القصر الجمهوري، وتجمعت الحشود خلف الحواجز، ترفرف الأعلام فوق رؤوسهم، تزدحم خلفهم وأمامهم أعين الكاميرات، فيما أخذ الصحفيون أماكنهم ينتظرون خطاب الرئيس، كان الجميع يترقب اللحظة التي سيكشف فيها عادل عن حصيلة سنته الأولى، والعقبات والتحديات التي اعترضت طريقه، والملفات التي لم تحقق تطورها المنشود، وخطته للعام المقبل.

قبل صعوده إلى المنصة، وقف عادل يتفقد كلماته للمرة الأخيرة، لم يكن يرغب في تقديم خطاب تقليدي يليه تصفيق حماسي ثم تعود الأمور إلى حالها المعتاد، اختار أن يصارح الجماهير، قرر الحديث عن الإنجازات التي عُلقت في منتصف الطريق، الإخفاقات التي تحتاج إلى تصحيح، والتمييز بين النقد البناء الذي يمهد للإصلاح، وبين التضليل الذي يُبعد الحقيقة.

بخطوات واثقة لكنها متزنة هادئة، شق طريقه إلى المنصة وألقى نظرة تأملية على الجمهور، ليرى وجوه متباينة الملامح انقسمت بين ابتسامات مشجعة، وتعبيرات جامدة تخفي الكثير، وعشرات العيون المراقبة خلف شاشات الهواتف، بعض الحاضرين جاء ليؤيد، وآخرون ليعترضوا، بينما جذبت فئة ثالثة بدافع الفضول، وهناك من لم يهتم للأمر سوى بتخفيف تأثير ازدحام الطرق الذي فرضه الاحتفال.

بدأ عادل كلمته باستعراض سريع لأحداث العام الذي قضاه في سدة الحكم، عن أحلامه في بداية فترة رئاسته والمسافة العسيرة بين وضع التصورات وتحقيقها على أرض الواقع، أقر بأن إدارة الدول ليست لعبة تمنيات، وأن الإصلاح عملية تراكمية لا تتحقق بين ليلة وضحاها، قال أن الاعتراف بالمشاكل بداية للحل وليس نهايته، وأن ما يريده المواطن أعظم من كلمات رنانة يُلقيها في خطاب رسمي، وأنه يريد تغييراً فعلياً يشعر به في حياته اليومية كمواطن مثلهم، كانت نبرة صوته ثابتة، وإن بدا علي على ملامحه الإرهاق، وكأنه أراد أن يستغل فرصة سانحة هذا اليوم ليبوح بما ظل يؤجله.

وبينما كان يلقي خطابه، بدت في الساحة أمامه تحركات خفية لمجموعة من الأفراد الذين تسللوا وسط الجموع دون لفت الأنظار، الزحام والتدافع كانا كفيلين بتغطية حركتهم المريبة، بيد أن سلوكهم أثار بعض القلق: إشارات سريعة يتبادلونها فيما بينهم، وخطوات محسوبة تقربهم شيئاً فشيئاً نحو المنصة، كانوا يحملون أسلحة تمكنوا من إخفائها بمهارة وتجاوزوا بها عمليات التفتيش المكثفة، ومع انشغال الحراس بتأمين المنطقة المحيطة بالرئيس بنظامها الظاهري، برز التهديد بهدوء وخفاء فلم يُدرك أن الخطر أصبح قريباً حداً مُقلقاً.

رفع عادل رأسه من أوراقه فجأة، فوجد نفسه يتابع رجلاً يندفع بين الحشود، وكأن شيئاً ما يجذبه نحو المنصة بلا تردد، لوهلة، التقت نظراتهما، فشعر بارتجافة غريبة تسللت إلى قلبه، غامضة وغير مبررة، لمح يد الرجل تتحرك سريعاً داخل سترته، وفي اللحظة نفسها لمح بطرف عينه حركة خاطفة في الجانب الآخر، لم يمنحه الموقف أي فرصة للتفكير أو تحليل ما يحدث، تجمدت الكلمات على شفتيه، وسقطت الورقة التي كان يحملها من يده، غمرت الصدمة عيناه، واتسعتا وكأنهما تحاولان استيعاب واقع أبى عقله تصديقه.

دوت الطلقة الأولى، شقت الهواء بثبات قاسٍ، ومزقت أصوات الهتاف التي ملأت الساحة قبل لحظة، تبعتها طلقات أخرى، ثم تحولت الساحة إلى فوضى جنونية لم ترحم أحداً، تعالت الصرخات من كل اتجاه، وركض الناس بشكل عشوائي في محاولة للهرب من الجحيم المفاجئ الذي ابتلعهم، بين تلك الفوضى، اجتهد أحد الحراس للوصول إلى المنصة لكنه تعثر وسط ازدحام الأجساد المتدافعة دون هوادة، كان الجميع قد أصيب بحالة هستيرية من الهلع، في حين كان الرصاص ينهمر بلا رحمة من حولهم، لا أحد يعرف من أين يأتي ولا أين يمكن أن يأمنوا.

أصابته الطلقة الأولى هدفها فدفعت عادل خطوة إلى الخلف، وهو يحاول استجماع توازنه، يده ارتطمت بحافة المنصة بينما تشبث بها بآخر رمق، لكنه لم يملك فرصة ثانية، طلقةٌ آخرى زعزعت كيانه وأفقدته السيطرة تماماً، لمح بين ضباب المشهد حركة الحراس الذين اندفعوا نحوه في محاولة لإنقاذه، ومشهد فم أحدهم مفتوحاً على صرخة بدت بلا صوت وسط الطنين المزعج الذي ملأ أذنيه وأخفى عنه كل شيء آخر، أصبح المشهد بالنسبة له وكأنه غريب عنه أو يحدث لشخص آخر، كانت الأعلام تترنح بفزع في الهواء، كاميرات الصحافة تتهاوى إلى الأرض، والوجوه التي تجمعت هنا لأجله أضحت وجوهاً مذعورة تبحث عن ملاذ سريع.

حاول عادل رفع يده ليقول شيئاً، لكن الكلمات خانته ولم يجد القوة لينطق بها، جسده المثقل بجراحه أصر على التجمد بينما ركبتيه ارتطمتا بأرضية المنصة في محاولة أخيرة للثبات، أحاط به رجال الأمن ومدوا إليه أيديهم، إلا أن الطلقات على الرغم من تناقصها ما زالت تثير الرعب وتبعث الفوضى في المكان، نظر إلى الوجوه التي اقتربت منه بخوف وقلق، وكأنه يريد أن يترك وراءه رسالة أو يكمل جملة كان يجب أن يقولها قبل أن توقفها النيران، إلا أن شفتيه تحركت بالفعل ولكن دون أن يصدر منه أي صوت.

وعلى الأرض، تكدست الأوراق التي تحتوي خطابه متناثرة تحت الأقدام وكأنها شاهدة صامتة على ذلك الحدث المؤلم، انزلقت الورقة الأخيرة بعيداً حتى وجدتها قدم مسرعة داستها بغير انتباه، لتكشف عن جملة كتبها بخط يده: "المستقبل لا يُبنى بالوعود، بل بالعمل"، لحظتها بدأت الأصوات تخفت تدريجياً، اختفى الزحام وتلاشت الوجوه من حوله، وانطفأ كل شيء أمام عينيه.

فجأة، انتفض عادل عبد الرحمن النجار من مكانه، حتى كاد يسقط عن الأريكة، فتح عينيه على اتساعهما، وراح يتلفت مذعوراً يميناً ويساراً، كأنه يبحث عن حرسه الشخصي أو عن باب يفرّ منه، كان قلبه يخفق بعنف، والعرق يغمر جبينه وعنقه، بينما تشبثت عيناه بتفاصيل الغرفة المألوفة في بيته بقرية كفر البصل: الطاولة الخشبية الصغيرة، والستارة القديمة، والمروحة السقفية التي تدور بكسل، وصورة توت عنخ آمون المعلقة على الحائط.

ظل جالساً، يحدق في يديه وملابسه، ثم مسح جبينه بكف مرتجفة، احتاج إلى لحظات ليستوعب أن دوي الرصاص قد توقف رغم أنه مازال يسمع طنينه، وأن المنصة والجماهير والحراس لم تكن سوى مشاهد من حُلك كالكابوس انتهى مع استيقاظه، لم يكن حوله سوى هدوء الفجر، تقطعه أصوات أحد الديكة في الفناء الخلفي، ونباح كلب بعيد، وهدير جرار زراعي يشق طريقه بين الحقول، لا كاميرات، ولا حشود مذعورة، ولا رصاص يتطاير من كل اتجاه، فقط غرفته القديمة، كما كانت قبل أن يغلبه النوم.

نهض ببطء واتجه إلى النافذة، كانت القرية غارقة في سكونها المعتاد، أسلاك الكهرباء المتهالكة تتدلى بين الأعمدة، وآثار العجلات تملأ الطريق الترابي، ومصباح عمود الإنارة عند المنعطف يومض على نحو متقطع، كأنه يستغيث بشركة الكهرباء، بدا كل شيء في مكانه، كأن العالم لم يشهد قبل لحظات نهاية رئيس جمهورية، أغلق النافذة وعاد إلى الأريكة وجلس يلتقط أنفاسه، أفلتت منه ضحكة قصيرة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، مسح العرق عن جبينه وهو يتمتم بصوت مرتجف: الحمد لله إنه مجرد حُلم.

ظل عادل النجار يبتسم بارتياح، ثم نهض ليحضر كوباً من الماء، وبينما كان يشرب، وقعت عيناه على الملف الكبير فوق مكتبه، وقد تصدر غلافه عنوان برنامجه الانتخابي بخط واضح: "نحو جمهورية تعمل بعقلها"، حدق فيه لحظة، ثم أطلق ضحكة ساخرة خافتة، كأن العنوان يهمس له بشيء لم ينتبه إليه من قبل.

تناول عادل الملف وجلس يتصفحه ببطء، قرأ صفحاته كأنه يراها للمرة الأولى، لا بوصفه صاحب مشروع يأمل أن يقوده إلى قصر الرئاسة، بل رجلاً بدأ يشك في المسافة بين ما يكتبه على الورق وما يستطيع تحقيقه على الأرض، لم يعد يرى نفسه منقذاً تاريخياً ينتظر لحظة المجد، بل مدرساً يعرف أن أحلامه أكبر من إمكانات مدرسته، وأن تغيير الواقع لا يبدأ دائماً بقرار مصيري أو خطاب تهتز له القاعات، فقد يبدأ من فصل صغير، أو خطوة محدودة، أو عمل واحد يُنجز حقاً، بدلاً من عشرات الوعود التي لا تعيش إلا على التصفيق.

أمسك أستاذ التاريخ قلمه، وشطب كلمة رئاسي ببطء، ثم تريث قليلاً قبل أن يكتب عنواناً جديداً: "مشروع تطوير النشاط الثقافي بمدرسة صلاح الدين الإعدادية بنين" وفي الصفحة الأولى، دون هدفه: توفير مساحة آمنة للأنشطة، وتطوير المكتبة، وتنظيم معرض سنوي عن التاريخ والتراث المصري القديم، بالتعاون مع أولياء الأمور ومؤسسات المجتمع المحلي، لم يكن مشروعًا لإنقاذ العالم، لكنه كان شيئاً يستطيع البدء فيه صباح الغد.

وقبل أن يغلق الملف، تناهى إلى سمعه صوت طفل ينادي صديقه في الطريق إلى المدرسة، استعاد عادل وجوه تلاميذه، والفصل المكتظ، والمقاعد المكسورة، والعيون الصغيرة التي كانت تتعلق بحكاياته عن بناة الأهرامات، شعر بشيء من الخجل، فقد أمضى ساعات يحلم بإصلاح دولة كاملة، بينما كانت مدرسته لا تزال تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، كان هناك فصل يحتاج إلى مقاعد، وحوش يحتاج إلى إصلاح، وأطفال يستحقون مكاناً يلعبون فيه من دون أن تتحول كرة طائشة إلى تهديد للأمن القومي لزجاج النوافذ، ابتسم، ووضع القلم جانباً.

في تلك اللحظة، أدرك عادل أن حلمه علمه درساً لم يجده في أي كتاب تاريخ: أن الرغبة في الحكم لا تعني القدرة عليه، وأن البلاد لا تصلحها قوائم الوعود، بل القدرة على تحويل تلك الوعود إلى واقع، وسط مصالح متعارضة، وموارد محدودة، وقرارات لا تخلو من الخطأ، فالحكم ليس أن تعرف ما ينبغي فعله فحسب، بل أن تتحمل عواقب ما تفعله، وأن تدرك أن وراء كل قرار حياة إنسان قد تتغير إلى الأبد.

أما الرئاسة، فقد قرر أن يتركها جانباً إلى أجل غير مسمى، لم يكن ذلك خوفاً من الرصاص أو الصحافة أو المعارضة، ولا من ذلك الكيان الذي يجثم على أنفاس الشرق منذ عقود، بل لأنه اكتشف، بعد ليلة واحدة قضاها في حلم السلطة، أن إصلاح مدرسة واحدة قد يكون أصعب مما تخيل، لكنه، في هذا المشروع، يملك ميزة لم تكن لديه في قصر الرئاسة: أنه يعرف من أين يبدأ.

في صباح اليوم التالي، وصل عادل إلى المدرسة كعادته مبكراً، ووقف في حوشها الضيق يتأمل التلاميذ وهم يتدافعون نحو الفصول، رفع عينيه إلى السور المائل، ثم إلى النوافذ والمقاعد التي تلوح خلف الزجاج، وأخرج دفتره الصغير، كتب في الصفحة الأولى: "مشروع الحوش"، ورسم تحته خطاً طويلاً، ثم بدأ يدون ملاحظاته.

كان يعرف أن الطريق لن يكون سهلاً، ثمة من سيعترضه، ومن سيطالبه بما يفوق إمكاناته، ومن سيستخف بالفكرة لأنها أصغر من أحلامه، لكنه أدرك أن الطفل الذي يجد اليوم مكاناً آمناً للعب قد يصبح غداً مهندساً أو طبيباً أو مؤرخاً، وربما رئيساً للجمهورية.

"أستاذ عادل هل سنبدأ الحصة الأن أم أننا سننزل إلى غرفة الأنشطة؟".. التفت إلى التلميذ الذي ناداه، فعاد من أفكاره إلى دوره المعتاد، مدرس التاريخ ورئيس اتحاد النشاط الثقافي، ابتسم وربت على كتف الصبي، ثم أشار إلى الفصل دون أن ينطق بكلمة.

ما إن دخل الأستاذ عادل الفصل حتى استقر التلاميذ في مقاعدهم، تأمل وجوههم قليلاً، ثم قال: "افتحوا كتاب التاريخ، لنري كيف تبني الشعوب مستقبلها"، ثم التفت إلى السبورة، وقبل أن يكتب كلمة واحدة، جاءه صوت من آخر الفصل يسأل: "وماذا إذا لم يسمحوا له بذلك يا أستاذ".

توقف عادل والتفت إلى التلميذ، كانت في عينيه لمعة لم يألفها تلاميذه من قبل، لمعة رجل بدأ يرى الطريق، وإن لم يعرف بعد إلى أين سيقوده، صمت لحظة، ثم تناول قطعة من الطباشير الأحمر، وكتب على السبورة بخط واضح: "لا أحد يستطيع أن يمنع الشعوب من كتابة التاريخ"

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن

أخبار ذات صلة

المزيد من رياضة