تتجه الحكومة المغربية إلى إعادة تنظيم الإطار الضريبي المنظم للتعويضات المهنية الممنوحة للأجراء، ولا سيما تلك المتعلقة بالنقل والتنقل والتمثيل، ضمن مستجدات مشروع قانون المالية لسنة 2027، وذلك في خطوة تسعى من خلالها السلطات المالية إلى الحد من ممارسات اللجوء إلى “تعويضات غير مستحقة” تُصرف بهدف تقليص الوعاء الضريبي وتغطية مكملات الأجور تحت غطاء مصاريف مهنية معفاة من الضريبة على الدخل، وهو ما يطرح تساؤلات حول أثر هذه القرارات على أجور المستخدمين الصافية والتكاليف الأجرية للمقاولات.
ويتضمن المشروع تقييد نطاق الاستفادة من الإعفاء الضريبي ليقتصر حصرا على التعويضات المخصصة لتغطية نفقات حقيقية ومثبتة بالوثائق القانونية، جرى تحملها لفائدة المقاولة، سواء أُديت بناءً على بيانات تفصيلية أو بطريقة جزافية، مع استبعاد التعويضات ذات الطابع الدائم والمرتبطة بالممارسة الاعتيادية للوظيفة، باعتبارها جزءاً مكملاً للأجر يخضع للضريبة.
وتروم التعديلات المقترحة تعديل المادتين 56 و57 من المدونة العامة للضرائب لوضع تمييز واضح بين التعويضات المهنية المبررة وتلك التي تتضمن أجوراً مقنعة. وتقرر أن تدخل الضوابط الجديدة للإعفاء المنصوص عليها في المادة 57 حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح يناير 2031، مع الإبقاء على العمل بالنظام الحالي بالنسبة للدخول المكتسبة إلى غاية 31 دجنبر 2030، لمنح أرباب العمل مهلة انتقالية لتكييف مساطر صرف التعويضات وإثبات صلتها بالنشاط المهني الفعلي.
وفي السياق ذاته، يقر مشروع قانون المالية مراجعة المقتضيات الضريبية المتعلقة بالدخل الأجري من خلال رفع نسبة الخصم الجزافي عن المصاريف المهنية إلى 45 في المائة ابتداءً من فاتح يناير 2027، مع الاستمرار في اعتماد السقف السنوي المحدد في 35 ألف درهم للأجراء المعنيين، دون أن يترتب على ذلك إعفاء تلقائي للتعويضات الجزافية من شروط الإثبات القانوني.
وتعكس الصياغة الجديدة للمادة 56 من مدونة الضرائب مسعاً لتوضيح المبالغ والمكافآت التي تدخل في حكم الأجور مهما كان مسمى تصنيفها في كشوف الأجور، لمنع استبعادها من الوعاء الخاضع للضريبة على الدخل لمجرد حصرها تحت تسميات مثل “تعويض نقل” أو “تمثيل”.
وبموجب هذا التعديل، لن تكون التسمية الإدارية للتعويض كافية لنيل الإعفاء الضريبي، بل يشترط مقابلتها بنفقات مهنية فعلية ومثبتة لصالح المشغل؛ وبخلاف ذلك تُصرف التعويضات غير المبررة كمكملات للأجر وتخضع للقواعد الضريبية المعمول بها.
ويركز هذا الإجراء التشريعي على منع إدراج مبالغ دورية ثابتة في كشوف الأجور تحت مسمى مصاريف مهنية دون وجود نفقات حقيقية يقابلها الأجير، وهي الممارسة التي كانت تُعتمد أحياناً لزيادة صافي الدخل دون أداء مستحقات الضريبة.
ولا يؤدي الصرف الجزافي للتعويضات إلى تجريدها من الإعفاء بشكل تلقائي، إذ يتيح القانون إعفاءها متى ثبت أنها مخصصة لاسترداد مصاريف مهنية حقيقية ومدعمة بالوثائق، ما يجعل حقيقة النفقة وحجيتها المعيارين الأساسيين للتصنيف الجبائي.
وتلزم هذه المقتضيات المقاولات بتعزيز آليات التوثيق المالي للمصاريف المهنية، لا سيما في الوظائف التي تتطلب تنقلات مستمرة أو مصاريف تمثيل، عبر اعتماد بيانات تفصيلية تبيّن دواعي الصرف وطريقة تحديد المبالغ تفادياً لإعادة تكييفها ضريبياً خلال عمليات المراقبة.
وتضع هذه التغييرات التشريعية المقاولات أمام ضرورة إعادة هيكلة نظام الأجور، خاصة المؤسسات التي تشكل فيها التعويضات المهنية نسبة مهمة من الدخل الشهري، إذ إن إخضاع التعويضات غير المثبتة للضريبة سيؤدي إلى توسيع الوعاء الضريبي وزيادة الاقتطاعات من المنبع، ما لم يتدخل المشغل لتعويض الفارق للحفاظ على مستوى الأجور الصافية.
ويتفاوت هذا الأثر الجبائي بحسب طبيعة التعويضات الممنوحة والوضعية الضريبية لكل أجير والالتزامات التعاقدية للمشغل؛ حيث قد تتحمل بعض المقاولات أعباء مالية إضافية للحفاظ على صافي الأجور، بينما قد يطال انخفاض الأجور الصافية فئات أخرى من الأجراء.
وتوفر المهلة الانتقالية الممتدة حتى نهاية عام 2030 هامشاً زمنياً للمؤسسات لمراجعة منظومة التعويضات والتحقق من طابعها المهني الفعلي قبل سريان الشروط الجديدة، مع استمرار تطبيق المساطر الضريبية الجاري بها العمل خلال هذه الفترة.
ومن المنتظر أن تساهم زيادة نسبة الخصم الجزافي للمصاريف المهنية إلى 45 في المائة (في حدود سقف 35 ألف درهم) في التخفيف التراكمي للوعاء الخاضع للضريبة بالنسبة لبعض الفئات الأجرية، اعتماداً على مستوى الدخل الإجمالي.
ويعكس التوفيق بين تشديد شروط إعفاء التعويضات ورفع نسبة الخصم الجزافي توجهاً نحو تنظيم الضريبة على الأجور، عبر الاحتفاظ بالامتيازات الجبائية للمصاريف المهنية المبررة، وحظر استخدامها لتغطية الأجور المقنعة، مما يستوجب على المقاولات الموازنة بين الامتثال للقوانين الضريبية والحفاظ على تنافسية أجور مستخدميها
The post مشروع قانون مالية 2027 يشدد الرقابة على التعويضات المهنية ويضع حداً للإعفاءات الضريبية غير المبررة appeared first on برلمان.كوم.