أوشك ميكيل أرتيتا على خوض أول تجربة له كمدرب رئيسي في الدوري الإنجليزي الممتاز من بوابة نيوكاسل يونايتد، قبل شهور فقط من توليه مسؤولية آرسنال، في محطة قليلة الإضاءة من مسيرة المدرب الإسباني الذي بات لاحقاً من أبرز المدربين في إنجلترا.
ووفقاً لمقتطفات من كتاب جديد للصحفي سام دين، فقد تحرك نيوكاسل بجدية للتعاقد مع أرتيتا خلال صيف 2019، إذ أبدى مالك النادي في ذلك الوقت، مايك آشلي، رغبة صريحة في إسناد المهمة الفنية إليه. وبلغ استعداد آشلي حد تقديم عقد طويل الأمد بصورة استثنائية، تفوق ما يمنح عادة لمدرب في بداياته، سعياً لإقناع الإسباني بقيادة الفريق في «سانت جيمس بارك».
ولم يكن أرتيتا ممانعاً تماماً من الانضمام؛ إذ نظر إلى نيوكاسل بوصفه نادياً ذا تاريخ عريق وقاعدة جماهيرية ضخمة، إضافة إلى كونه فرصة لبناء مشروع فني متطور. وكان الفريق قد اختتم موسم 2018 - 2019 في المرتبة الثالثة عشرة، بفارق 11 نقطة عن مراكز الهبوط، وهو ما شكّل قاعدة مستقرة تتيح البناء دون الغرق مباشرة في صراع البقاء.
غير أن الطريق لم يكن سهلاً؛ إذ كان أرتيتا سيحل محل مواطنه رافائيل بينيتيز، الذي كان محبوباً لدى الجماهير، في ظل موجة استياء واسعة من المشجعين تجاه آشلي. وكان قبول المهمة في مثل هذه الظروف يعني احتمال عدم حصول المدرب الجديد على صبر كافٍ في حال تعثرت بدايته.
وأضافت المشكلات الفنية للفريق عائقاً إضافياً، بعد خسارة نيوكاسل مهاجمه أيوزي بيريز الذي انتقل إلى ليستر سيتي، والمهاجم سالومون روندون الذي انتهت إعارته القادمة من وست بروميتش ألبيون. وقد سجل اللاعبان معاً 23 هدفاً من إجمالي 42 سجلها الفريق في الدوري خلال موسم 2018 - 2019، ما ترك فراغاً هجومياً واضحاً في التشكيلة.
وشكّل ملف الجهاز الفني عاملاً حاسماً كذلك؛ فوفقاً للتقرير، سعى أرتيتا إلى استقطاب عدد من الأسماء التي كان يرغب في العمل إلى جانبها، في دلالة على جدية اهتمامه بالعرض، غير أن التوقيت لم يكن ملائماً لبعض مساعديه المحتملين. وفي النهاية رفض المهمة، وسط خيبة أمل لدى مسؤولي نيوكاسل، قبل أن يتولى تدريب آرسنال بعد أشهر قليلة، ليتحول ما اعتُبر خسارة للنادي الشمالي إلى مكسب للفريق اللندني.
ولا تقتصر تجربة أرتيتا على الجوانب التكتيكية داخل المستطيل الأخضر؛ إذ يسلط التقرير الضوء على قدرته على ابتكار أساليب متجددة للحفاظ على حماس لاعبيه وكسر رتابة التحضيرات، لا سيما في المواسم الطويلة التي تستلزم تركيزاً ذهنياً وبدنياً متواصلاً.
وينقل التقرير عن شخص مقرب من المدرب أن موهبته الفريدة لا تقتصر على ثقافته التكتيكية، بل تمتد إلى قدرته على تجديد دفعة اللاعبين وتحفيزهم على بذل جهد أكبر بشكل متكرر.
ومن أبرز نماذج أساليبه غير المألوفة تنظيم مسابقة في تنس الطاولة داخل غرفة الاجتماعات، مستخدماً مقالي وأواني الطهي بدلاً من المضارب، بعد أن وجد اللاعبون خزائن المطبخ فارغة والأدوات موضوعة أمامهم للمشاركة في التحدي. وتحولت الجلسة التحضيرية إلى منافسة مشوقة قفز خلالها اللاعبون وتباروا في ضرب الكرة بالمقالي.
كما لجأ أرتيتا إلى ألعاب أخرى، منها «دودج بول» ومسابقات لاكتشاف الفروق، إضافة إلى ألعاب بطاقات تحمل رسوماً للاعبي الفريق الخصم، بهدف إبقاء اللاعبين في حالة ذهنية يقظة وتعزيز روحهم التنافسية قبيل المباريات.
ويرى المدرب الإسباني أن البحث الدائم عن أفكار جديدة أمر ضروري لتحقيق الأثر المطلوب داخل غرفة الملابس، وخلق أجواء إيجابية وطاقة تنافسية، بدلاً من ترك التحضيرات تتحول إلى روتين مكرر.
وتناول التقرير أيضاً تفاصيل تعاقد آرسنال مع المدافع الإيطالي ريكاردو كالافيوري في صيف 2024، في صفقة برزت من خلالها أهمية التوقيت في سوق الانتقالات، خصوصاً مع اشتداد المنافسة على اللاعبين في أعقاب البطولات الكبرى.
وكان آرسنال يراقب كالافيوري منذ شهور بفضل تألقه مع بولونيا، وشرع في العمل على ضمه قبل مشاركته مع منتخب إيطاليا في بطولة أوروبا 2024. لكن مستوياته المبهرة في البطولة، التي أبان خلالها عن قدراته الدفاعية ونزعته إلى التقدم والمشاركة الهجومية، لفتت أنظار أندية أوروبية أخرى، من بينها ريال مدريد وتشيلسي.
وبلغت المنافسة مداها حين تواصل تشيلسي مع بولونيا للاستفسار عن اللاعب، في وقت كانت فيه مسؤولو النادي الإيطالي في اجتماع مع ممثلي آرسنال، وهو ما أضاف تعقيداً للمفاوضات ورفع من حدّ الصراع على الصفقة.
ولم يكن تأخر إتمام التعاقد راجعاً إلى المنافسة فحسب، بل أيضاً إلى القيود المالية التي كانت تواجه آرسنال في تلك الفترة. ووضح جيسون أيتو، مساعد المدير الرياضي للنادي آنذاك، أن إنجاز الصفقة تطلب بيع لاعبين أولاً؛ إذ كان انتقال إميل سميث رو إلى فولهام شرطاً لضم كالافيوري، فيما ارتبط رحيل إيدي نكيتياه إلى كريستال بالاس بإمكانية التعاقد مع ميكيل ميرينو.
وتلقي هذه التفاصيل الضوء على جوانب متعددة من منهج أرتيتا في آرسنال؛ من العناية بالبعد النفسي والتحفيزي، إلى التخطيط للصفقات وإدارة الموارد المالية؛ وهي عناصر ساهمت في بلورة مشروعه داخل النادي اللندني.