برأيي، هنا تبدأ المسألة الاجتماعية.
لم تدخل أحلام المشهد بالصورة "الأنثوية المريحة" التي اعتاد كثير من الناس استقبالها، الصورة التي اعتاد كثيرون أن يروا المرأة من خلالها.
لم تكن أحلام المرأة التي تحتاج إلى تصغير حضورها حتى تبدو لطيفة. لم تخجل من نجاحها أو مكانتها أو رأيها.
وحين تجتمع هذه الصفات في امرأة، قد تصطدم بتوقّعات اجتماعية ذكورية لا تزال تضع حدوداً للطريقة التي يُفترض أن تظهر بها المرأة أمام الآخرين.
يُسمح للمرأة أن تكون واثقة، شرط ألّا تُظهر من ثقتها أكثر مما ينبغي.
أن تنجح، لكن من دون أن تتحدّث كثيراً عن نجاحها. أن تكون قوية، لكن بطريقة "ناعمة". أن تجادل، لكن بـ"لطف". أن تملك رأياً، لكن من دون أن تُحرج رجلاً مثلاً. أن تكون حاضرة، لكن من دون أن تملأ المكان.
وأحلام لم تكن، في نظر كثيرين، تؤدّي هذا الدور بالطريقة المتوقّعة منها.
لكن الهجوم لم يتوقّف عند شخصيتها أو طريقة تعبيرها عن نفسها. خلال عرض "Arab Idol"، امتدّ أيضاً إلى مظهرها الخارجي، وكأنّ شكلها جزء آخر من المحاكمة الجماعية نفسها.
خالفت أحلام معايير الجمال التي ورثتها مجتمعاتنا من تاريخ الاستعمار والثقافة البصرية الغربية: البشرة الفاتحة، والملامح الأقرب إلى النموذج الأبيض، وغيرها من الصفات التي جرى تقديمها طويلاً باعتبارها معياراً للجمال.
وحين تتكرّر السخرية من مظهر امرأة لسنوات، ثم يُطلب منها أن تتعامل معها باعتبارها مجرّد "دعابة"، فنحن لا نصفها فقط، بل نعيد رسم الحدود التي يُسمح للمرأة بأن تكون داخلها محبوبة ومرئية.
ليس من الضروري أن يكون الرجل كارهاً للنساء حتى تظهر في سلوكه بعض أشكال الذكورية.
أحياناً تبدأ المسألة من افتراض بسيط: أن الرجل يعرف أكثر، وأن المرأة تحتاج إلى من يشرح لها الأشياء، وأن ثقتها بنفسها تحتاج إلى شيء من التهذيب.
ولهذا تبدو بعض لحظات أحلام داخل لجنة تحكيم "Arab Idol" جديرة بالتأمّل.
يمكنك أن تختلف مع رأيها الفني، وأن ترى أنها أخطأت. لكن هناك فرقاً بين مناقشة فنانة في رأيها، والتعامل مع ثقتها بنفسها كما لو أنّها مشكلة ينبغي تصحيحها.
هنا، يصبح مفهوم mansplaining (شرح متعالٍ يقدّمه رجل لامرأة، مفترضاً أنه يعرف أكثر منها أو يفهم ما تقوله أفضل منها) مفيداً لفهم بعض أشكال التفاعل بين الرجال والنساء: حين يتحوّل الشرح إلى استعلاء، ويصبح صوت الرجل وتفسيره للموقف أهمّ من الاستماع إلى ما تقوله المرأة نفسها.
في بعض لحظات البرنامج، كان يُقرأ التفاعل بين أحلام وراغب علامة بوصفه استفزازياً أو تقليلياً من شأنها أو ذكورياً ساماً.
لكن الأهم من تحديد من كان على حق في كل خلاف، سؤال آخر: لماذا بدا أنّ على أحلام أن تكون دائماً الأكثر هدوءاً، والأكثر تسامحاً، والأقدر على امتصاص الاستفزاز؟
لماذا كان غضب أحلام يُقرأ أحياناً بوصفه دليلاً إضافياً على "الغرور"، بدل أن يُنظر إليه باعتباره ردّ فعل إنسانياً يحتمل الصواب والخطأ، مثل أي ردّ فعل آخر؟
ولماذا، حين تدخل امرأة في صراع علني مع رجل، نميل أحياناً إلى البحث عن العيب في شخصيتها قبل النظر إلى طبيعة الخلاف نفسه؟
ليس المطلوب أن نقرّر أن أحلام كانت محقّة في كل خلاف، ولا أن نفترض أنّ راغب علامة كان مخطئاً في كل مرة. المطلوب ألّا نستخدم الخلافات نفسها دليلاً مسبقاً على أنّ المشكلة كلّها تكمن في شخصية أحلام.
من أكثر ما يثير شكوكي كلمة "مغرورة". ليس لأنّ أحلام فوق النقد، بل لأنّ هذه الكلمة تحوّلت، مع الوقت، إلى تفسير شامل لشخصيتها.
في مشاهدتي للبرنامج، لا تبدو أحلام متكبّرة بالمعنى الذي يختصره هذا الوصف. أراها امرأة تعرف قيمة نفسها، وإن كانت هذه الثقة قد قُرئت أحياناً على أنّها غرور.
بل إنّ بعض اللحظات تقدّم صورة مختلفة عمّا استقرّ في أذهان الجمهور. فمن المواسم الأولى إلى الأخيرة، كانت أحلام، في مشاهد عدّة، تقف احتراماً للفنانين الضيوف. وفي الموسم الأول، ذهبت إلى الجمهور أثناء غناء نجوى كرم.
هذه ليست أدلة قاطعة على شخصية كاملة، لكنها كافية لتجعلنا نتساءل: إذا كانت الصورة التي عرفناها عنها كاملة، فلماذا كانت هناك تفاصيل "لا تشبهها"؟
ربما لأنّ التفاصيل لا تصمد دائماً أمام الكاريكاتير. فالكاريكاتير أسرع، وأكثر إضحاكاً، وأسهل تداولاً.
هنا، ربما، وقع الظلم الأكبر.
لم تعد أحلام تُستحضر بوصفها فنانة لها أغنياتها، بل بوصفها صورة تختصرها مجموعة من التفاصيل: المرأة الخليجية الغنية، و"الملكة"، والمجوهرات، والملابس، والخلافات، والضحكات، والمواقف.
والمفارقة أن أحلام لم تكن تحتاج إلى كل هذا الجدل كي تترك أثراً.
كان لديها ما هو أبقى من الصورة المثيرة للجدل: صوت يمكن تمييزه، وحضور غنائي واضح، وأغانٍ دخلت بيوت الناس واستقرّت في ذاكرتهم قبل أن تصبح هي نفسها مادة للنقاش.
لعلّ هذا ما يجعل اختزال أحلام في صورتها التلفزيونية ظلماً مضاعفاً: أن تحجب الشخصية العامة الفنانة التي سبقتها، وأن يصبح الجدل المحيط بها أكثر حضوراً من الفن الذي صنع اسمها.
وهذا، في النهاية، هو الشيء الذي كان يجب أن يبقى في المنتصف.
لذلك لا أريد أن يكون هذا المقال دفاعاً عن أحلام بقدر ما أريده دفاعاً عن حقها في أن تُرى كاملة.
لا نحتاج إلى تحويلها إلى قديسة. ولا إلى القول إنها لم تخطئ. ولا إلى إجبار أحد على حبها.
نحتاج فقط إلى أن نفصل الفنانة عن الشخصية التلفزيونية، والثقة عن الغرور، والجمال عن القالب الذي ورثناه.
لا أعتقد أن المطلوب هو إعادة كتابة تاريخ أحلام. بل أن نعيد الإنسان إلى الصورة.
لأنها لم تكن بحاجة إلى أن تكون ملاكاً حتى تستحق الإنصاف، ولم تكن بحاجة إلى أن تكون ضعيفة حتى نستطيع التعاطف معها، ولم تكن بحاجة إلى أن تتخلى عن نفسها حتى تصبح محبوبة.
أحب أحلام بكل تفاصيلها: عفويتها، ضحكاتها، حضورها، أغانيها، وحتى تلك الأشياء التي جعلت منها شخصية لا تشبه أحداً بسهولة. وأحب أن أحكي لماذا أحب أحلام، لا أن أكتفي بالدفاع عنها.
أعتذر، باسم جمهور اختزلكِ في صورة.
هذا اعتذار جماعي أراه ضرورياً.