✍️إسلام زوين
إذا ارتفع سعر الديزل أسرع من النفط الخام، فمن يحصل على الفارق؟ تبدو الإجابة واضحة: المصافي التي تشتري الخام وتحوله إلى وقود أعلى قيمة. لكن الأزمة التي ترفع هامش المنتج قد تجعل الوصول إلى مشتريه أكثر تكلفة وصعوبة. فكم من المكسب يبقى بعد الرحلة؟
أرامكو تنتج الخام وتمتلك مصافي داخل المملكة وخارجها، ولذلك تستطيع الاستفادة من أكثر من موضع في سلسلة القيمة. وقد قاربت الأرباح المعدلة لقطاع التكرير والكيميائيات قبل الفوائد والضرائب الضعف في الربع الثاني مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. هذا تحسن مهم، لكنه يفتح سؤالاً عن مقدار ما أضافته الأسعار، وما أتاحته القدرة على استمرار التشغيل والإمداد.
المصفاة لا تحول كل برميل خام إلى ديزل. إنها تنتج سلة تشمل البنزين والنافثا ووقود الطائرات وزيت الوقود، ولكل منها سعر وسوق. ثم إن الهامش يحتاج كميات تستطيع المصفاة معالجتها، وخاماً يصل إليها، ومنتجات يمكن بيعها ونقلها.
بترو رابغ مثال على ضرورة قراءة هذه العناصر معاً، فتحولها من الخسارة إلى الربح جاء مقارنة بربع شهد توقفاً للصيانة نحو ستين يوماً، بينما ارتفاع ربحها التشغيلي بنحو 69% عن الربع السابق يدعم قوة التحسن أيضاً، والمقارنة السنوية تحمل أثر عودة التشغيل، والفصلية تساعدنا على قراءة تحسن الأداء؛ ولا تكفي أي منهما لعزل مكاسب الديزل وحده، وهذا يربط مكاسب التكرير بقيمة الأصول التي تتيح استمرار تحقيقها عندما تتعطل الإمدادات. فالهامش المرتفع لا يفيد كثيراً إذا تعذر وصول الخام أو تسليم المنتجات.
لكن ما أخذني إلى سؤال أوسع هو حديث أمين الناصر في لندن ثم الرياض عن توسيع التخزين خارج المملكة ودراسة مسارات إضافية لتصدير الخام، فالمخزون الذي وصل بالفعل إلى خارج المسار المتعطل يمكن أن يواصل خدمة العملاء خلال الانقطاع القصير، وهذه قدرة لها تكلفة اليوم، بينما قد يظهر عائدها في مبيعات نحافظ عليها غداً.
هنا تقع المفارقة: نستطيع أن نرى تكلفة الخزانات والمخزون والمسارات الإضافية، لكننا لا نرى بسهولة الخسارة التي كان يمكن أن تقع دونها، وقد تخدم هذه الأصول التشغيل وتوجيه المبيعات في الظروف الطبيعية، ثم تتسع قيمتها عندما يتعطل الطريق المعتاد، فنحن نقيس الكفاءة كثيراً بخفض المخزون وزيادة استخدام الأصول وتقليل التكلفة، وهي أهداف لها وجاهتها، لكن الاعتماد على طريق واحد قد يخفض التكلفة المعتادة، وفي الوقت نفسه يرفع تكلفة الانقطاع المحتمل. لذلك يحتاج تقييم الاستثمار إلى حساب ما يحدث عندما يتوقف النظام، إلى جانب ما يحققه عندما يعمل.
وفي المقابل، لا يكفي وصف الإنفاق بأنه يعزز المرونة لتبريره. عدد البدائل لا يخبرنا وحده عن جودة الحماية. قد نضيف خزانات دون معالجة طريق إعادة تغذيتها، أو ننوع المنافذ بينما تبقى معرضة لمصدر التعطل نفسه.
الأسئلة العملية هي: ما احتمال الانقطاع، وكم قد يستمر، وما الخسارة التي قد يسببها؟ ثم كم يوماً من الإمداد يحمي المخزون، وهل يمكن إعادة تغذيته إذا طال التعطل؟ وهل المسار البديل مستقل فعلاً عن مخاطر المسار الأصلي؟ بهذه المقارنة نستطيع تقدير ما يحميه الإنفاق، والحكم على مدى تناسب تكلفته مع الحماية التي يوفرها.
وهناك حساب آخر يتجاوز الشركة، فاستمرار إمدادات الوقود ومدخلات الصناعة يحمي نشاط النقل والتصنيع والخدمات الأساسية؛ لذلك قد تكون المنفعة الاقتصادية من تجنب الانقطاع أكبر من العائد الذي يظهر في حسابات أرامكو وحدها، وهذا يجعل التمييز بين عائد الشركة وقيمة أمن الطاقة ضرورياً عند تقييم الاستثمار وتحديد من يتحمل تكلفته.
بالنسبة للمستثمر، هذه القدرات تستحق الفحص، لكنها لا تمنح الشركة تلقائياً تقييماً أعلى، المطلوب معرفة مدى قدرتها على حماية التدفقات النقدية، وما تدفعه مقابل تلك الحماية، وبالنسبة لصانع القرار، المطلوب تقدير أثر الانقطاع على الاقتصاد، ثم المفاضلة بين وسائل الحد منه.
من هذه الزاوية، تصبح نتائج أرامكو مدخلاً لقراءة أوسع،فارتفاع الأسعار أتاح مكاسب، لكن الحفاظ عليها يرتبط بقرارات تشغيل ونقل وتخزين، بعضها اتخذ قبل الأزمة بسنوات. والحكم على هذه القرارات من أرباح فصل واحد قد يخفي قيمتها، مثلما قد يخفي تكلفتها على المدى الطويل. فحين نقيم استثماراً في مخزون إضافي أو مسار بديل، هل نقارن تكلفته بعائد استخدامه فقط، أم ندخل في الحساب الخسارة التي يمكن أن يمنعها؟
أرامكو بين التكرير وتصدير الخام: الأرقام تفسّر الاختيار
اضغط هنا للحصول على النسخة الكاملة من الورقة البحثية لأرقام إنتلجينس
اقرأ: تحليل الأسبوع
برميل أرامكو بين صعود الديزل وتراجع النافثا: السوق يُفاضل والفجوة تتسع
حتى العاشر من سبتمبر، كان خط أنابيب (شرق - غرب) يتدفق بأقصى طاقته؛ شريان استراتيجي ينقل 7 ملايين برميل يومياً من المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر لتجاوز مضيق هرمز. وعلى الساحل، يغذي هذا التدفق مسارين: مبيعات الخام المباشرة عبر ناقلات ينبع، ومصافٍ ساحلية بطاقة مليوني برميل يومياً تحوّل النفط إلى ديزل وبنزين.
اقرأ أيضاً: تحليلات سابقة ذات صلة
صادرات نفطية تتراجع وإيرادات ترتفع
على عكس الرواية السائدة التي يرددها بعض المحللين باختزال مطمئن، تكشف أرقام النصف الأول من عام 2026 أن ارتفاع أسعار النفط لم يعوض تراجع الصادرات السعودية إلا بالكاد.
فاستقرار الإيرادات يعود حصراً لآلية احتساب حصة الدولة من البرميل، وهي آلية دقيقة قد تضغط على الميزانية وبسرعة قياسية إذا انخفضت الأسعار.
هُرمز وينبع: حساب رحلة التكاليف
يجمع هذا التحليل من أرقـــــام إنتليجنس بين المؤشرات الاقتصادية الظاهرة والسياق الأشمل لسلاسل الإمداد، بهدف تجاوز القراءة الحرفية للأرقام.
وتحتفظ أرقــــام بتفاصيل منهجية البحث والتحليل المتعمق باعتبارهما جزءاً من ملكيتها الفكرية.
هرمز وينبع: ما الذي لا تقوله وسائل الإعلام عن شحن وقود الطائرات في المتوسط
في مارس 2026، وبعد أن أُغلق مضيق هرمز فعلياً أمام حركة الملاحة، لجأت المملكة العربية السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر كطريق بديل لتصدير منتجاتها النفطية المُكررة، ولا سيما وقود الطائرات إلى الدول التي تعاني من عجز كبير في الاحتياطات، وارتفعت كميات الشحنات المُصدَّرة حتى اقتربت من أعلى مستوياتها المسجّلة على الإطلاق في غضون شهر واحد فقط.