تخطّي إلى المحتوى
السبت، 7 نوفمبر 2026
عاجل
ناقلة نفط تشتعل بعد اصطدامها بلغم بحري شرق مضيق هرمز تحديد الطاقم التحكيمي لنهائي السوبر الإفريقي بين صن داونز واتحاد العاصمة معادلة اقتصادية: التوازن بين ترشيد الإنفاق وتمديد ساعات الدوام محافظ أسيوط: تحرير 251 محضرًا تموينيًا خلال حملات مكثفة على المخابز والأسواق البنك المركزي: ودائع البنوك بالعملات الأجنبية تصل إلى 3.521 تريليون جنيه بنهاية سبتمبر 2026 فيرمين لوبيز: لا يمكنني مقارنة نفسي بمارادونا.. والتفاهم مع لامين جمال قائم على صداقة قديمة الجامع الأزهر يختتم أسبوعاً حافلاً بالأنشطة الدعوية والعلمية إعادة إطلاق مركز التدريب المصرفي في سوريا لبنة أساسية لتحديث القطاع المالي بورزينغيس يعلن ابتعاده عن كرة السلة مؤقتا حفاظا على صحته إقليم بولمان: استثمار أزيد من 60 مليون درهم في مشاريع مائية وطرقية ناقلة نفط تشتعل بعد اصطدامها بلغم بحري شرق مضيق هرمز تحديد الطاقم التحكيمي لنهائي السوبر الإفريقي بين صن داونز واتحاد العاصمة معادلة اقتصادية: التوازن بين ترشيد الإنفاق وتمديد ساعات الدوام محافظ أسيوط: تحرير 251 محضرًا تموينيًا خلال حملات مكثفة على المخابز والأسواق البنك المركزي: ودائع البنوك بالعملات الأجنبية تصل إلى 3.521 تريليون جنيه بنهاية سبتمبر 2026 فيرمين لوبيز: لا يمكنني مقارنة نفسي بمارادونا.. والتفاهم مع لامين جمال قائم على صداقة قديمة الجامع الأزهر يختتم أسبوعاً حافلاً بالأنشطة الدعوية والعلمية إعادة إطلاق مركز التدريب المصرفي في سوريا لبنة أساسية لتحديث القطاع المالي بورزينغيس يعلن ابتعاده عن كرة السلة مؤقتا حفاظا على صحته إقليم بولمان: استثمار أزيد من 60 مليون درهم في مشاريع مائية وطرقية

عن مسرح بدر زكريا السرّي في سجن صيدنايا…

مسرح «MC93» في بوبيني قرب باريس، شهدت الخشبة عرض"بروفا"، الذي يحكي تجربة فرقة مسرحية تشكّلت سرّاً داخل "سجن صيدنايا" في أواخر الثمانينيات، ويحاول العرض إعادة بناء آخر عروضها في السجن "البيت الذي شيّده سويفت " لغريغوري غورين. يشارك بدر زكريا وحسّان عبد الرحمن، المعتقلان السياسيان...

7 نوفمبر 2026 45 د للقراءة 2
عن مسرح بدر زكريا السرّي في سجن صيدنايا…

لا تنظر إلى الشمس: (عين منين، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1993):

“صعب السؤال… ليه نفترق؟/ صعب السؤال… وين نلتقي؟/ إنتِ الجنوب وأنا الشمال/ وما بيننا بحر ورمال”.

صوت المطرب طلال مدّاح يصدح من مسجّلة السوني، وغطاء الكاسيت على الطاولة، مكتوب عليه: “تسجيلات إنتاج شركة فنون الجزيرة، النسخة الأصلية 1990”.

أنا هناك في ذاك المكان الواقع على علو جبل العين، الجبل الذي يقابل جبلي بَرتا ومار تقلا، هناك حيث تمتدّ جبال أخرى، كجبلي أوبعا والعَدس لتحيط بقرية عين منين في ريف دمشق. كنت ألهو على التراس، لم أكن أحبّ الذهاب إلى هناك كثيراً. لكن في تلك المرّة الأولى كان كل شيء مختلفاً، كنت فضولية حول المكان وما فيه. إذ كان لي في طفولتي المتأخّرة، صلة عائلية بتلك القرية البعيدة عن دمشق نحو أربعين دقيقة، بالسيّارة، كنت كلما ذهبت إلى هناك أذهب غاضبة ومتجهّمة، وكلما عدت، أعود مبتسمة ومهرولة إلى حياتي وأصدقائي في دمشق.

أمسكت منظاراً أسود، كان واحداً من الأشياء التي احتفظت بها، وأحضرتها معي عند العودة من السفر، عندما عدنا إلى سوريا في أواخر الثمانينيات، بعدما سافر والدي للعمل في الخليج. كنت أستطيع أن أرى عبر المنظار من شباك الصالون، الطريق الطويل الذي يخترق بتمهّل الجبل، وينتهي عند معلَم بعيد عن مرأى عيني، ولا أستطيع تمييزه بدقّة. إنه في نهاية الحدّ الفاصل بين قمّة العلو الأرضي وبداية أفق السماء. حين عجزت فتحت باب الصالون المؤدّي إلى التراس، ووقفت في زاويته، تلك التي يحجب حائطها المطلّ على بقيّة جبل العين، المشهد كاملاً، إذ لا يمكننا رؤية جبل مار تقلا المقابل للمبنى إلا من التراس الكبير. وقفت في الزاوية كي أستطيع أن أقترب أكثر من موضوع فضولي، تلك القلعة التي أتخيّلها. أتت أمّي ونهتني: “شو عم تعملي إنتي والناضور… هون؟”، أجبتها: “يا ماما… في قلعة بآخر الطريق، هونيك”، قالت: “هي مو قلعة!”. كان قد كُتب على المنظار الذي أحمله بين يديّ، جملة واحدة بالإنكليزية: “لا تنظر إلى الشمس: DON’T LOOK AT THE SUN”.

بعد ساعات وقفت مع إحداثيات جديدة، ومعي المنظار الذي لم يكن احترافياً، حذّرتني أمّي مجدّداً: “لساتك هون، رح إكسر الناضور”، حاولتُ إقناعها: “إمي، أنا متأكدة إنها قلعة، شفت ميكرو، وقف هونيك، وفيه ناس نزلت منو”، ردّت أمّي بصرامة: “هادا سجن”. اختلّت فرضيتي أمام كلمة “سجن”، صمتت أمّي، ثم تابعت: “عندهم ناضور أكبر، بيراقبو منه كل شي، رح يجو ياخدو ناضورك، ويمكن ياخدوكي”. صرت أرتجف، وبرد جسدي الهزيل أمام الكلمات التي بدت لي، كما لو أنها تجري في دمي، وتفسده.

فهمت بعدها أنه ليس عليّ مراقبة آخر نقطة في الجبل بعد الآن، فأنا أعلم أن هناك أشياء ممنوعة في سوريا، مثل: “المنظار، وحرّية الكلام السياسي، والأشياء المستوردة من الخارج”. إذ كان أخي ذات مرّة يلعب بمسدّس للأطفال أحضرناه أيضاً من الخليج، أمام بيتنا في دمشق، فجاء أحدهم وأخذ مسدّسه بحجّة أنه يشبه المسدّس الحقيقي إلى درجة كبيرة. أخذ عنصر الأمن الذي يرتدي ملابس مدنية “المسدّس اللعبة”، بعد أن دخل فجأة إلى حيّنا المطلّ على الشارع العامّ في دمشق.

عرفت لاحقاً أن هذه النقطة البعيدة في أعلى الجبل، في آخر قطعة أرض من قرية عين منين، هي “سجن صيدنايا العسكري”، السجن الذي يُسمّى اليوم (المسلخ)، والذي اعتقل فيه الأسدان، الأب والابن، معارضيهما، وعذّباهم حتى الموت، وأنه مشابه لسجن “تدمر العسكري”، الذي اعتُقل فيه أبي عندما عاد وحده من الخليج، قبيل عودتنا النهائية إلى سوريا. ذلك الاعتقال الذي لا أتذكّر منه سوى ذهابنا في هوب هوب، في طريق صحراوي، وأنني كنت من الشباك، في الذهاب والعودة، أرى غبار الرمال يرتفع مخرّباً مشهد الصحراء الذي أنظر إليه… عدنا خائبين دون رؤية أبي وقتها.

عدت إلى تأمّلاتي الاعتيادية البعيدة عن خطر الوقوف في زاوية التراس، لاستطلاع مساحة أكبر من الإطلالة التي تحيط بهذا السجن، وكان المنظار الصغير نسبياً، يمنعني في شكل واقعي من التمرّد على قمع أمّي، التي كانت لا تردّ على أسئلتي حول السجن: ومن فيه؟ وحول منطق الخير والشرّ الذي كنت أبنيه حول الأشياء. في الجبل المقابل، لا شيء مميّز غير كروم العنب، كروم جميلة، تتداخل مع صخور الجبال العديدة التي تحيط بقرية عين منين. القرية الملاصقة لصيدنايا من الشمال، ولمدينة التلّ من الجنوب، في ريف دمشق. القرية التي يقع على آخر أراضيها الجغرافية هذا السجن، أو على حدودها مع مدينة صيدنايا. ربما أراد الطاغية حافظ الأسد لسجنه رمزاً عالمياً، فسمّاه “سجن صيدنايا العسكري”، ليظلّ هذا السجن كالصليب المشوّه، دلالة على عذاب المسيح السوري.

كنت أتامّل زاوية الجبل اليسرى المقابلة للتراس، فصرخت مجدّداً: “ماما، في قلعة… بالجبل”، أجابتني أمّي بهدوء: “هادا معبد مار تقلا، متل الكهف، رح نطلع لهونيك بالأيام الجاي”.

بناءً على فضولي المستمرّ، ذهبنا إلى جبل مار تقلا، مشينا كثيراً لكن بسبب عدم معرفتنا بالمكان، أو بهذه القرية التي دخلت حياتنا فجأة، وأبعدتنا عن مركز مدينة دمشق. لم نصل إلى الآثار في الجبل، أو المكان التاريخي، ولم نسأل أحد لأننا شعرنا بأننا غرباء هناك، أمام نظرات أهالي القرية التي كان يبدو عليها الحذر والخوف أيضاً، من أي غريب. خوف يناظر خوفنا.

كنّا كلما حاولنا أن نعرف المكان أكثر، نشعر أن جغرافيا المكان الملاصقة لسجن سياسي، تُخضعنا في تأثيرها على مزاج الناس الصامتين والمتجهّمين أمام الغرباء. كانت هذه الفترات التي أبتعد فيها عن منزل دمشق، أشبه بالعقوبة، أشبه بالاحتجاز في مكان لا أنتمي إليه. لا شيء يربطني بعين منين، رغم أنني كنت أحبّ نبعها، ومتنزّهها الذي نذهب للغداء فيه أحياناً، ومتاجرها المزدحمة بالمنتجات المهرّبة، عبر جبال القلمون، من لبنان. أحاول أن أحبّ القرية ثم لا أحبّها، وفي قلبي ما يريد أن يثبت طيلة الوقت أنها تخرّب حياتنا؛ فكلما اشتدّت الخلافات العائلية ذهبنا إلى هناك، ولم تكن تنفع معي كل الإغراءات من أمّي بالمكافآت والهدايا لأوافق على الذهاب، كنت دائماً أذهب بصعوبة، أو أذهب من أجل إرضائها، أو تحت وطأة التوتّر إثر الخلافات العائلية.

تقاطع السجن مع البيت المؤقّت في حياتي، كان يجعلني أنكمش في قامتي، وأتكوّر في نومي، وأذعر من أي صوت، من حركة أي مخلوق، في الشارع الذي لا يمرّ فيه أحد. وجملة أمّي بأنهم سيأتون ليأخذوني بسبب فضولي، ترنّ كأجراس الكنائس البعيدة في رأسي. الجملة لم تنفع في قمعي، صرت أكثر فضولاً حول المكان. مرّة مشيت إلى الجهة الخلفية من جبل العين، فتفاجأت بالثكنات العسكرية البعيدة، التي تقع عند تقاطع الجبال والهضاب. كنت كل يوم أخرج، بمفردي ولو لنصف ساعة، لأكتشف أين أنا، ولماذا جعل القدر استراحتنا هنا، في هذا المكان الذي يشبه اللامكان، كما وصفه الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه بأنه “لا علائقي، لا هويّاتي، ولا تاريخي”، إذ إنه أيضاً ليس في مركز القرية؟

ربما… أن ما خرّبه المكان المحيط بالسجن، يتعلّق بمعنى المخيال، وفي كبت أي تفكير إنساني قبل أن يصير خراباً، فلو تحرّك المخيال مع صوره البهيّة وصعد إلى الوعي، صار خوفاً، صار دافعاً للعودة إلى دمشق، كي يعود الخيال طبيعياً قليلاً وغير مشوش في ذلك الشكل المريب.

في كتابه “جماليات المكان”، يتحدّث الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، عن بيت المولد Maison natale، ذاك البيت الذي لا نستطيع أن ننساه، مهما غيّرنا من بيوت. في الفصل الأول من الكتاب، يتأنّى باشلار في تأمّلاته وفهمه لهذا البيت، من القبو فيه… إلى العلية، حتى مفهوم الكوخ، يتحدّث عن السلّم المؤدّي إلى حجرة النوم، ذاك الذي نصعد ونهبط عليه، والذي نألفه كونه الأكثر استعمالاً، يقول: “الأطفال البالغون الثانية عشرة من أعمارهم يحبّون أن يصعدوه قفزاً، كل أربع درجات بقفزة واحدة. أية سعادة للقدمين عندما تصعدان أربع درجات بقفزة واحدة؟”، كان بيت حيّ الديوانية في دمشق، هو المنزل الذي أقفز بقدميّ أربع درجات على سلّمه المؤدّي إلى الغرف العلوية، ثم أقفز للهبوط إلى الغرف السفلية. كنت أعتبره كل شيء أملكه، من قبوه تحت الدرج، إلى سطحه المطلّ على سفح جبل قاسيون، الذي يلتمع ليلاً مع النسمات الباردة، فيكاد يقتل أثر مبنى حزب “البعث” الكبير، القابع أمام الحيّ في مركز العاصمة السورية دمشق. كان ذاك المنزل حيّزي لأكتشفه ركناً، ركناً. كان الخروج منه عقاباً، لأني كنت في ذلك العمر الباشلاري: الثانية عشرة.

أمّا عين منين، فكانت بعد تلك الحادثة، حادثة اكتشاف السجن، مكاناً يصعب على المرء تأمّل جماله عبر كرومه وصخوره، حتى لو نسي وجود السجن، أو صار السجن خلف ظهره. مكاناً بارداً في طقسه الصيفي وقارساً في الشتاء، لكنّه أيضاً مكان غامض ومحزن دائماً. تلك النظرة التي تعلو وجهي، فأعقد حاجبيّ، كلما لمحت وأنا داخل الصالون من النافذة المطلّة على الجبل، ما اعتقدت أنه قلعة، ذلك “المسلخ اللاحق”. هل كان ما ينغّصني هو سذاجتي، أم فضولي، أم ذكائي، في هذا الاكتشاف المبكر أن ذلك المكان كان فخّاً؟ وأن الحقول الممتدّة من كروم العنب، لن تجعلني أشعر بأن الطبيعة هي المهيمنة على بصري وعلى علاقتي مع المكان؟ لم يكن أثر أشجار الرمان والجوز والتين، أقوى من أثر السجن في ذهني، مهما اخضرّت سفوح جبال عين منين.

في أحد الأيّام، عندما انتهى فضولي في الاستطلاع بالمنظار من على التراس، وبعدما حفظت بيوت جبل مار تقلا وملامحه، ذهبت إلى تلك الغرفة التي فيها الكثير من الحقائب، فتحت حقيبة يد أعتقد أنها كانت لأمّي، وانتبهت إلى شيء في الحقيبة غير عادي، ربما يشكّل لغزاً آخر في هذا المكان الذي يخرّب حواسي: موضع في البطانة الداخلية فُتح وأُغلق باللاصق عدّة مرّات. لاحقاً اكتشفت أنه المكان الذي تخبّئ فيه أمّي الكثير من الأوراق الإدارية، وحينما كانت تفتحه لتراجعها، وكأنها شيء ثمين أو ماضٍ سرّي لمعارض سياسي، كنت ألمح كمدها بسبب هذا الأمر. كانت تخفي هناك أوراق محاكمتها ثم براءتها بسبب أخذها إجازة بلا أجر (استيداع) من أجل السفر. ورغم موافقة الجهة المعنيّة على سفرها إذ كانت تعمل في التدريس، فقد حُوكمت، بتهمة “التهرّب من خدمة الدولة السورية”، بناءً على قانون يجرّم التهرّب أو التسرّب الوظيفي، ومع أنها لم تسافر أو تختفي دون قرار رسمي يسمح لها بذلك، إذ سافرت بعد صدور صكّ رسمي بالموافقة على إجازتها، فقد تمّت محاكمتها. واستمرّت المداولات القضائية فترة غير قصيرة، بعدما وكّلت المحامي نجاة قصّاب حسن في قضيّتها. حصلت بعدها على البراءة.

بقيت أمّي بعدها تخاف من كل شيء، تخاف من اختيار الشقّة الواقعة في الجانب الشرقي من البناء حيث التراس تغمره الشمس، في الجهة البعيدة معمارياً عن هيئة السجن، الذي أصبح كالعلامة التي تخترق روحها. تخاف من تأخّر دفع أي فاتورة، من أي مخالفة. من أي مشكلة، من أي بلبلة، أو خلاف كلامي مع أحد. ظلّت خائفة، ومع حقدها العميق الذي كانت تُظهره على حكم حافظ الأسد، إلا أنها كانت تعلم أنه لا مهرب من الوجود في تلك الشقّة التي تمثّل تعب أيّامها وحياتها، تلك الشقّة التي تنفتح مساحتها الخضراء من التراس على سجن يذكرها بمحاكمتها، وباعتقال أبي من المطار. كنّا كمن يذهب للسكن أمام ضريح، وليس إلى مكان قابل للسكن. كنّا كمن يخاف على نفسه من نفسه، أن يكون نفسه. لم تتشكّل بيني وبين ذلك المكان المؤقّت أي علاقة. وما نكاد نرجع إلى دمشق، حتى أهرول إلى بيتنا أقفز، وأطير.

أنا أطير فوق تلك الجبال. أنظر إلى الكروم، تحرقني عيناي من شدّة الهمّ، إذ كان هناك إلى جانب الكروم قتل وظلم، لم تكن طيور السماء تعني شيئاً. لم يكن الثلج على الجبال في الشتاء يعني لي شيئاً، كان جلّ ما يمكنني فعله، أن أمسك كتاب طه حسين “الأيّام” وأسرح بخيالي، يا ليتني لا أرى، ليتني لا أعلم أنها قبلت بالجهة الغربية من المبنى تحت الضغوط المختلفة، كنوع من تثبيت العقاب. ليتني أنظر إلى الشمس عبر المنظار فلا أرى. كنت على وعي عميق بأن هذا القرار، سيكلّفها مرضها وشقاءها إلى لحظة موتها. ربما لأنني كنت أعلم كم هي خائفة، ولا تخدش إلا بسبب تعبها.

كنّا نستمع إلى تلك الخلافات، التي شكّلها استحواذ حكم “البعث” ورجاله على كل شيء، من عقارات سكنية وآبار وأراضٍ، ما أثار نزاعات في محيط هذه القرية أيضاً، التي يردّد أبناؤها جملاً، من مثل: “أهل منين بيقطعوا المي عن أهل التلّ، وأهل التلّ بيقطعوا الطريق عن عين منين”. كانت ميكروباصات صيدنايا، لا تقف إن أردنا ركوبها في الطريق العائد إلى دمشق، نظراً لحساسية موقع المكان. أمّا تلك التي تأتي من رنكوس أو تلفيتا، فكان توقّفها أيسر، واستجابتها لإشاراتنا بالتوقّف أسرع. نادراً ما كنّا نجد سيّارة تاكسي في تلك المنطقة أيضاً، وفي حال أوقفنا إحداها، كان السائق يرفض توصيلنا.

تذكّرت حين رأيت هذا الجيب السرّي في حقيبتها، أن رجال الأمن دقّوا باب منزلنا في دمشق قبل سنوات، ففتح لهم أحد ضيوفنا الباب. كانت أمّي في الطابق العلوي، وكنت معها. دخل رجلان إلى فناء أرض الدار، ونادى أحدهما عليها باسمها الثلاثي. أطلّت عليهما من شرفة المنزل الداخلية، ثم قال الآخر لها: “آمنة علي شعبان… لا ترمي حالك من البلكون، انزلي، بدنا نحكي معك”، نزلت أمّي الدرج مرتعبة، فلحقتُ بها. قالت لهما إنها ترتاح إلى الحديث خارج المنزل. وقفت أمام باب البيت العربي القديم، وتحدّثت إليهما طويلاً، ثم دخلت غاضبةً ممّن فتح الباب، قبل أن يخبرها بهويّة من يطلب رؤيتها، وانطوت في غرفة من الطابق العلوي. بدأ التهامس بين ضيوفنا حول كونهما من المخابرات. انطوت أمّي أكثر. لم أفهم الكثير، لكنّهما ربما كانا رجلين أتيا لتبليغها بموضوع المحكمة، التي سوف تخضع لها لاحقاً. أمّي طبعاً كانت تؤكّد أن كل أوراقها الإدارية نظامية، لكنّ اعتقال أبي فور عودته من السفر، ثم قضيّة أمّي التي أتت بعد بضع سنوات على عودتنا، جعلنا نشكّ في وجود واشٍ هناك بيننا، وفي وقوع أمّي في فخّ إداري قضائي، ربما بتحريض من تقرير أمني، لا سيّما وأنها حينما حاولت العودة إلى العمل، تمّ إخبارها بأن ملفّها ضائع وأنها ليست موظّفة حكومية مسجّلة في القوائم الرسمية. فما الذي جعلهم يتذكّرونها فجأة؟

كانت أمّي تتوه في عالم آخر، غير عالمنا، عالم من الشكوك حول براءتها، حول حياتها التي تبدو مستعصية على الهدوء. رغم أنها فعلت كل شيء إدارياً على نحو صحيح قبل سفرها، وأنها طلبت تسوية وضعها بعد عودتها. كانت أيضاً، كلما تذكّرت اعتقال أخيها أحمد في بداية الثمانينيات، ترتعب، وتستعيد كيف اعتُقل شابّاً من حديقة عامّة قريبة من مقرّ عمله في البنك المركزي. كان خالي أحمد يجلس على مقعد ويتأمّل الأشجار، فاشتبهت به الأجهزة الأمنية، وزاد من الشبهات حوله أنه كان يحمل كتاباً باللغة الإنكليزية، ويُطلق لحيته. اعتُقل لأنه كان يتأمّل أشجار دمشق، ثم وُضع في زنزانة انفرادية لا تصلح للعيش البشري، كما كانت تخبرنا. لم تكن قضيّة أمّي سياسية في ظاهرها، لكنّ ملابساتها جعلت من الصعب فصلها عن الجوّ الأمني والقمعي العامّ، إذ إن الخوف الذي تسرّب إليها، جعل ذلك ينعكس على كامل حياتها وحياتنا لاحقاً. الأمر الذي استمرّ وقتاً، حتى حصولها على البراءة.

ربّما أن نجاتها قضائياً بصعوبة من تلك المحاكمة، حملت معناها الضمني على كل سكننا المؤقّت والمتقطّع في عين منين، المكان المسمّى من قِبلها بـ “المصيف”، الذي يقع “سجن صيدنايا العسكري” في نهاية الطريق إليه. حمل ذاك الوجود توتّراً خفيّاً ورغبة في الانعتاق والحرّية المستحيلة، إذ لا يبعد السجن السياسي عن مكاننا المؤقّت أكثر من ثلاثة كيلومترات، أو ستّ دقائق بالسيّارة.

السقوط في فنجان الشاي: (باريس، تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2026):

أصل إلى محطّة سانت لازار في باريس. الطلاب الفرنسيون يتظاهرون أمام ثانوية كوندورسيه Lycée Condorcet، القريبة من محطّة القطار. أشعر أنني في سوريا، أو أنني مثلما كنت دائماً بين مكانين، بتلك الطريقة التي تحدّثت عنها الباحثة والمنظّرة النسوية الأميركية من أصول مكسيكية، غلوريا آنزالدوا Gloria Anzaldúa في مفهومها النيبانتلا Nepantla، أنا في حالة من الوجود البيني، فرضها عليّ العيش الدائم في الفضاء الحدودي من الأمكنة الأنثروبولوجية واللا أمكنة، حيث أجد نفسي ذهنياً في سوريا، بينما أنا في فرنسا جسدياً. أنا على الحدود اللا مرئية بين سوريا وفرنسا.

في اليوم الثاني، أتّجه إلى مسرح «MC93» في بوبيني قرب باريس. تردّدت كثيراً في المجيء إلى المسرح، رغم فضولي الكبير حول العرض، ربما لأن العرض عن هذا السجن بالذات “صيدنايا”، الذي كان شاهداً من علّوه المكاني، على بعضٍ من سيرة شتات أمّي الفلسطينية في سوريا. لكنّ ما قالته صديقتي الدمشقية بإلحاح لم يُثنِني عن القدوم: “المظاهرات شغّالة، يمكن لازم تسترخي، وبلا صيدنايا اليوم”. بعد لقاء صديقتي الفرنسية التي تتحدّث باللهجة السورية، في مقهى “سارة برنار” بساحة شاتليه، وجدت نفسي أركب المترو، ثم آخذ الترام T1 متّجهةً إلى المسرح، قبل موعد آخر للعشاء. ربما هذه هي النيبانتلا، التي أعيشها وتجعلني في فضاء حدودي دائم، لغوياً ومكانياً.

أعتقد أنني أيضاً، ورّطت نفسي في كتابة هذا النصّ،كانت من أصعب الأشياء التي فعلتها في حياتي وأبطئها، لا سيّما وأن رحيل عمّتي الكبرى في دمشق سيتخلّل كتابته. وليس الموضوع أنني أحبّ عمّتي كثيراً، لكنّنا حين نفقد أحداً من الأهل أو الأقرباء من الدرجة الأولى، دائماً ما نشعر في أننا اقتربنا من طفولتنا، ومن المغزى الذي يصعد كصوت من دواخلنا: لقد كبرنا جداً. كان هذا كلّه معقّداً جداً في تفكيكه ومن ثم إعادة تركيبه. وكان المخرج وائل علي قد دعاني إلى حضور بروفات عرضه “بروفا”، الذي يحكي تجربة فرقة مسرحية تشكّلت سرّاً داخل “سجن صيدنايا” في أواخر الثمانينيات، ويحاول العمل على إعادة بناء آخر عروضها “البيت الذي شيّده سويفت” لغريغوري غورين. يشارك بدر زكريا وحسّان عبد الرحمن، المعتقلان السياسيان السابقان في هذه التجربة، ليختبرا استعادة تاريخ الفرقة التي أسّسها بدر زكريا، بين الذاكرة والإخراج والتمثيل والموسيقى، في عمل ما زال يتطوّر أمام الجمهور. أعادت بيسان الشريف بناء المهجع سينوغرافياً وفق رواية بدر زكريا وبعض أعضاء الفرقة، وصوّر غازي فريني ذلك بالفيديو ليُعرض على الشاشة الخلفية للمسرح.

وعلى الخشبة، يجتمع الأربعة: بيسان الشريف، ووائل علي، وبدر زكريا، وحسّان عبد الرحمن، فيما يتولّى وائل وبيسان وصف تكوين المكان وهيئته، أي السجن، من فرش النوم والحمّام إلى مواقع الممثّلين والكواليس، ليبنيا المهجع في مخيّلة الجمهور من خلال الكلام، إلى جانب الفيديو المعروض في الخلفية؛ إذ إن إعادة بنائه فعلياً في كلّ عرض مكلفة جداً. اشترك المخرج وائل علي والباحث الفرنسي سيمون دوبوا في كتابة نصّ عرض “بروفا”، الذي ينتمي إلى المسرح المعاصر.

حين وصلت مع حذري، تفكّك تردّدي بعد جملة واحدة من المخرج والممثّل والمعتقل السياسي السابق بدر زكريا (خرج ونجا من سجون حافظ الأسد في العام 1994)، جملة تُعيد المخيال إلى طبعه، وتثبت أن المسرح، كما الفنّ، يمكنه أن يغيّر كلّ شيء حوله. فحين سألني عمّا سأكتبه، أجبت ببساطة أنني سأبدأ من ذاكرة تلك الطفلة التي تنظر بالمنظار إلى “سجن صيدنايا”، معتقدةً بسذاجة أنه قلعة.

لم يكن جواب بدر يحمل الاستخفاف الذي توقّعته، لأنني صرت منذ سنوات قليلة شديدة الواقعية، بل أجاب مندهشاً، بجمل ستكون من أكثر الجمل أثراً عليّ، في هذه الفترة: “يا إلهي… بتعرفي إني، كنت بالسجن دايماً، اتطلع ع هادا الشباك العالي، وقول لحالي معقول في حدا عم يشوفني وأنا وهون”، أجبته بتصنّع للمنطقية: “المنظار كان دقتو ضعيفة، وما كنت بقدر شوف طبعاً”. ضحكنا. ربّما ما أثّر فيّ ضمناً أن بدر شعر بأنه كان مرئيّاً في معتقله وفي نجاته منه، لكنّني عدت إلى السيطرة بعقلي على ذاك الأثر، وجلست لأشاهد، لأكثر من ساعة، بروفات مسرحية “بروفا” من إخراج وائل علي، التي قدّمت لجمهورها البروفا الجنرال على المسرح ذاته، بعد أيّام.

ما ألغى أي منطق في قراري حول بدء هذه الكتابة السردية المركّبة، هو ما جرى بعد هذا الحديث الذي يبدو بسيطاً، بيني وبين بدر زكريا، حين بدأ هو وحسّان استئناف البروفات. كان بدر يلتمع كما لو أنه حقيقي على نحو مخيف، كان حقيقياً، وهو يتحدّث عن ذاكرته وعمله مع فرقته المسرحية في “سجن صيدنايا”. كان حواره مع حسّان أيضاً صادقاً مندفعاً، في هذا الشكل الذي يجعل من تلك اللحظة، ومن المكان والحدث، شيئاً يعيد المعنى إلى كل هذه السنوات من الضياع والطغيان في سوريا، ولم يَشُب ما لاحظته أيّ خلل في الدقّة أو الانسجام، اللذين تمتّع بهما باقي الفريق المسرحي.

لكنّ هذه اللحظة التي أتذكّرها من أداء بدر زكريا كانت تمسك بمعنى السرد كلما أفلت من يدي، وكأنه يهزأ، دون أن يدري، من تسرّب شكّي حول أحقّية النصّ، وحول ما يمكن أن يفعله الأدب والمسرح والفنّ في خراب المجتمع السوري الحالي. كان ثبات بدر زكريا، في ذاك المشهد الأول، يذكّرني بالتماع الكثير من الممثّلين المسرحيين الذين حضرت عروضهم حول العالم وثباتهم، ما جعلنا نستفيض، أنا وهو، في حوارنا حول تجربته في المسرح في “سجن صيدنايا”، أثناء اتصال بالفيديو عبر واتساب. وحتى في لحظات تراجعه عن ثباته خلال أداء البروفات، لم يكن يذكّرني إلا بثباته الأول. ورغم أنني لم أحضر البروفا الجنرال من المسرحية، التي امتدّت خمساً وسبعين دقيقة، إلا أنني أردت سرد كل شيء، بهذه الطريقة النسبية.

أتابع في صالة المسرح بدراً وحسّان وهما يستعيدان مشهد “الليليبتانيون” من الفصل الأوّل من مسرحية “البيت الذي شيّده سويفت”، وأتذكّر أن الليليبتانيين هم أهل ليليبت، بلاد الأقزام المتخيّلة في “رحلات غوليفر” لجوناثان سويفت. يشرح بدر أنه يحبّ مشهد الأقزام هذا، وأنه أدّى داخل السجن دور (فليم)، فيما يتولّى حسّان الآن دور (ريلب)؛ يومها، كان حسّان يؤلّف الموسيقى ويعزفها مع أنور جعفر، ولم يكن يمثّل. يحمل فليم (بدر) قنّينة فارغة، ويتسلّق شرشف طاولة سويفت ليأخذ قليلاً من الشاي لبتي، زوجة ريلب المريضة، التي يحبّها أيضاً. لكنّ الفنجان أعلى منه بأكثر من ضعفي طوله، فيحتال على رفيقه حتى يصعد على كتفيه ويبلغ حافته.

ينتقل بدر من شرح المشهد إلى تمثيله، ويطلّ بصوت فليم على العالم من ذلك الارتفاع: “رائع! يمكنك أن ترى المائدة من هنا، يا ريلب. إنها ملأى بالأقداح المزخرفة. وها هي أشعّة القمر تسقط عليها، فتتوهّج بألوان قوس قزح حيّة… جميلة جداً! كم أتألّم لأنك لا تستطيع رؤيتها…”. ثم يتوقّف ليطلب من حسّان موسيقى رومانسية تناسب المنظر، مذكّراً إيّاه كيف كانا يتناقشان في السجن حول الموسيقى وتأليفها ومناسبتها للمشاهد المسرحية، ثم يعود إلى الدور: “إنها جميلة إلى حدّ الجنون، يا ريلب… هل تودّ أن أساعدك لتصعد؟”.

تتداخل البروفا مع الحكاية؛ يمثّلان قليلاً، ثم يتوقّف بدر ليشرح أو يصحّح جملة. يقول فليم إنهم سيأتون إلى هنا ثلاثتُهم حين تشفى بتي، فيسأله حسّان (ريلب)، إن كان يحبّ زوجته. يتحاشى فليم (بدر) الإجابة؛ فإن قال إنه يحبّها كثيراً جرح مشاعر صديقه، وإن قال إنه يحبّها قليلاً أهان بتي. يلحّ ريلب، ويحوّل السؤال إلى رغبة فليم في مضاجعتها، فينفي الأخير ذلك احتراماً له. تتصاعد الغيرة ويتحوّل الحديث إلى شجار. وبين العزف والحوار، يوجّه حسّان بدراً إلى اللحظة التي ينبغي أن تصبح فيها الموسيقى حزينة. فليم يسقط في فنجان الشاي ويغرق. يستنجد برفيقه.

ويردّ حسّان متوسّلاً إليه ألّا يرحل وأن يبقى معهما تماماً كما في نصّ غورين. ثم يذكّر وائل علي الممثّليْن بأن يقولا للجمهور (الذي سيقرأ الترجمة الفرنسية للحوار)، إن ما يشاهدونه يمثّل بروفا حقيقية من السجن. يعود بدر إلى شرح المشهد من بدايته، مستعيداً تسلّق الطاولة والفنجان الذي بلغ ارتفاعه في العرض داخل “سجن صيدنايا” نحو متر إلى متر وعشرين سنتيمتراً، ومذكّراً بأنه سقط عنه في إحدى المرّات.

خرج الحشد وهو يهدر: (عبر الواتساب، تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2026):

اعتُقل بدر زكريا (ولد في العام 1957)، في يوم 16 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1987، وخرج ونجا من سجون حافظ الأسد، في يوم 14 نيسان/أبريل من العام 1994. التهمة: قراءة جريدة لحزب “العمل الشيوعي”.

كان الحوار مع بدر زكريا طريقةً في استحضار المعتقل، وما حصل له فيه. إذ كان زكريا مهندساً زراعياً، لكنّه حلم بأن يكون ممثّلاً. شكّل المهندس الشابّ حينها فرقته المسرحية في “سجن صيدنايا” وأخرج عروضها، ودرّب معتقلين لم تكن لدى معظمهم خبرة مسرحية. بدأت التجربة بمسرحية “اللجنة”، التي أعدّها علي الكردي عن رواية لصنع الله إبراهيم. وشارك في تمثيلها زكريا والكردي ومازن ربيع وعبد درويش ووائل السواح، ثم أعاد زكريا المخرج والمعتقل السابق، تقديمها بممثّلين آخرين، بعد أن فصلت إدارة السجن المعتقلين الجدد عن القدامى.

استقرّت الفرقة في الجناح “ألف يسار” من الطابق الثالث، وتدرّبت في فسحة نهاية الكوريدور وداخل مهاجع يُخليها المعتقلون الموجودون فيها، من أجل أن تُجري الفرقة تمارين الجسد وفصل الحواس وحفظ الأدوار، مستعينةً بمكتبة راكمها السجناء من كتب دخلت عبر زيارات الأهالي. رافق حسّان عبد الرحمن على العود، وأنور جعفر على الغيتار العروض بموسيقى أُلّفت لها، وصُنعت احتياجات المسرح من الموادّ المتاحة، بحيث يسهل إخفاؤها عند التفتيش. صار المسرح السرّي مخيالاً جمعياً ينتظره المعتقلون، قبل أن تتوقّف التجربة تحت وطأة شائعات الإفراج عن المعتقلين، ومن ثم انتظار التنفيذ، الأمر الذي تأخّر سنوات.

– رنا: هل يمكن لكَ تخيّل تلك النافذة في المعتقل، التي كنت تتمنّى أن يراك أحد من خلالها؟

– بدر: أريد أن أرسم لك: هنا الشباك، وهذا الجدار، وهذا المعتقل. سأريك هذا الرسم التخطيطي (الكروكي) العجيب الغريب. إذا كان الشخص أو المعتقل هنا، يكون الشبّاك بهذا الارتفاع فوق رأسه. لذلك كنّا نرفع أيدينا ونتعلّق بحافّته السفلية أو قضبانه ونطلّ، أو نقف على شيء حتى نتمكّن من رؤية الخارج. أنتم ترون شبابيك سجن صيدنايا، أمّا نحن، حين نمشي أو نقف، فلا نستطيع أن نرى الخارج؛ نرى السماء، ولا نستطيع رؤية الطبيعة.

– رنا: لأن النافذة عالية؟

– بدر: نعم، فوق رؤوسنا. ولكي نرى الطبيعة، كنّا نتعلّق بما يسمّونه العتبة السفلية للشباك. لذلك كنت أتعلّق بها. وكان هناك معتقل آخر، كبير في السنّ وقصير القامة، أمضى نحو خمس عشرة سنة في السجن، وصارت له يومها حكاية نتندّر بها. حين وقف على ما يشبه الكرسي من “كراتين البيض”، وأطلّ من الشبّاك فرأى كلباً يركض، وكانت الدنيا كلّها مغطّاة بالثلج.

– رنا: نعم، أتذكّر أنه كان هناك الكثير من الكلاب البرّية في محيط قرية عين منين.

– بدر: كانت الدنيا مغطّاة بالبياض، وكان واقفاً عند الشبّاك، فقال: يا الله، كم أتمنّى لو كنت كلباً الآن!

– رنا: وكان هناك ثلج يغطّي السفح؟

– بدر: كانت الدنيا في الخارج مغطّاة بالثلج.

– رنا: إنه نوع من التقزيم الذي يفرضه السجن أيضاً، ويذكّر بفكرة الأقزام في كتاب “البيت الذي شيّده سويفت” لغريغوري غورين. لكن هل كنت تؤدّي دور فليم في السجن أيضاً، كما تستحضره في عرض “بروفا” لوائل علي؟

– بدر: أنا أخرجت المسرحية، وأدّيت فيها دور فليم في هذا النصّ تحديداً.

بدر: أخرجت ستّ مسرحيات داخل سجن صيدنايا؛ وهي على الترتيب: “اللجنة”، إعداداً عن رواية صنع الله إبراهيم، و”الزيادة” لدينو بوزاتي، و”الأوراق”، إعداداً عن قصة لعزيز نسين، و”النضّارة”، وهو نصّ كتبه محمّد إبراهيم داخل السجن، و”انسوا هيروسترات” لغريغوري غورين، ثم “البيت الذي شيّده سويفت” للكاتب نفسه.

– سرد: يخبرني بدر أن عرض “بروفا” للمخرج وائل علي في مرحلة البروفات، ويُقدَّم للجمهور عبر بروفا جنرال، عند ختام الإقامات الفنّية للاطّلاع على المرحلة التي وصل إليها، ثم يتطوّر مع البروفات اللاحقة، حتى يصبح عرضاً مكتملاً.

رنا: إذاً، في “بروفا” تستعيدون فقط عرضك “البيت الذي شيّده سويفت” لغريغوري غورين، الذي قدّمته في صيدنايا؟

بدر: سأحدّثك عن هذا النصّ، الذي كان، للأسف، عرضنا الأخير، مع أنني ومعظم أعضاء الفرقة بقينا في سجن صيدنايا نحو ثلاث سنوات ونصف بعد توقّف المسرح، ولم نتمكّن من تقديم أيّ عرض خلال تلك الفترة. أمّا في السنتين الأوليين وبضعة أشهر، فقد قدّمنا ستّ مسرحيات، كنّا نعرض كلّاً منها ثلاث أو أربع مرّات لمعتقلي الجناح، بالطبع.

بدر: أقصد أننا لم نتمكّن من مواصلة العمل المسرحي لأسباب حالت دون ذلك.

بدر: باختصار شديد، لأنها قصّة طويلة بعض الشيء. بدأت في عام 1990 شائعات بأنه سيُفرَج عنّا قريباً. كانت تصلنا أخبار من الأهالي خلال الزيارات بأنه لم يبقَ لنا وقت طويل، كما كان ينقلها إلينا بعض الحراس أو عناصر الشرطة أو السجّانين. ومعظم هؤلاء كانوا من الذين يؤدّون الخدمة العسكرية الإلزامية؛ لقد تخطّوا حدود الجرأة، أقول ذلك لتوضيح كيف كان بعضهم يساعدنا، وهم قلّة قليلة جداً، رغم ما تنطوي عليه مساعدتهم من خطر علينا وعليهم.

رنا: أنكم ستخرجون من المعتقل؟

بدر: وبعدها بدأ بالفعل خروج دفعات كبيرة من سجناء “الإخوان المسلمين” الذين أمضوا سنوات طويلة في السجن؛ كانوا ينقلونهم من تدمر إلى صيدنايا، ويستكملون إجراءاتهم ثم يفرجون عنهم. وبعد ذلك أفرجوا عن دفعة من السجناء اليساريين القدامى. وأقول اليساريين لأنهم لم يكونوا من حزب واحد؛ كان بينهم من ينتمي إلى “الحزب الشيوعي – المكتب السياسي”، ومن ينتمي إلى حزب “العمل الشيوعي”، ممّن أمضوا عشر سنوات أو اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة في السجن.

في هذا الجو، استولى علينا هوس الخروج إلى “الحرّية”، بين قوسين، فلم يعد أحد قادراً حتى على قراءة كتاب أو عزف بعض من موسيقا كما ينبغي.

رنا: نشوة مثل نشوة سقوط النظام!

بدر: تماماً، لكنّها كانت تحمل انهيارنا من الداخل، على نحو أعمق وأشدّ. وصلنا إلى الانهيار بسبب هذه النشوة.

رنا: لأنكم كنتم تقاومون المعتقل، وحين قيل لكم إنكم قد تخرجون، لم تعودوا قادرين على المقاومة؛ كأن أحداً قال لكم: الآن ستصبحون أحراراً.

بدر: هذا ما حدث. لم يعد أحد قادراً على فعل شيء، حتى الذين كانوا يصنعون هدايا لأهاليهم من الخشب أو العظم توقّفوا. لم نعد نرى سوى ذلك الباب الذي سينفتح ونخرج منه. لم تبقَ لدى أحد طاقة من أجل العمل في المسرح، أو حفظ دور، أو إجراء البروفات، لا طاقة لمن يخيط الثياب ولا لمن يتولّى سائر الأعمال.

بدر: خرجت بعد ذلك بثلاث سنوات ونصف السنة، في عام 1994. دخلت في عام 1987.

رنا: كانت التهمة قراءة منشور لحزب “العمل الشيوعي”؟

بدر: قراءة جريدة لحزب “العمل الشيوعي”. مجرّد قراءة جريدة، لم أكن عضواً في الحزب.

رنا: هل ضبطوك وأنت تقرأ؟ أم أخبرهم أحد؟

بدر: نعم، لقد أخبرهم بذلك أحد الشبّان، بعد تلك الواقعة بستّ سنوات، حينما كاد يسقط صريعاً من شدّة التعذيب. كنت أساساً من هذه الأوساط؛ كانوا أصدقائي، بالمعنى الشخصي والاجتماعي، معارف وأصدقاء. وبناءً على ذلك، اعتُقلت أكثر من مرّة قبل عام 1987، لنحو أسبوعين أو أكثر قليلاً في كلّ مرّة. وحين يكتشفون أني لا أنتمي لأي حزب، كانوا يفرجون عنّي، بعدما أتعرّض، طبعاً، للضرب والإهانة وما إلى ذلك.

رنا: ما مهنتك الأساسية؟ وكيف بدأت علاقتك بالمسرح؟

بدر: تخرّجت من كليّة الزراعة، لكنّني عملت في التصنيع الغذائي، من الألبان والأجبان إلى المعلّبات، ثم أنشأتُ مشروعاً آخر للزيوت العطرية والأعشاب الطبّية والأغذية الصحّية. كان عملي خاصاً، ولم أتوظّف. أمّا رغبتي في التمثيل فقد بدأت منذ طفولتي، وبعد حصولي على البكالوريا في عام 1975، فشلت كل محاولاتي لتحقيق ذلك الحلم.

رنا: لنعد إلى بدر المخرج داخل المعتقل، في تلك الظروف المكانية الصعبة.

بدر: لكن قبل ذلك، أودّ توضيح أمر صغير: لم أدرس الإخراج، ولم تتح لي فرصة دخول هذا المجال. درست الزراعة وأسّست مشروعي، وحين استقرّت أموري، استيقظت تلك الرغبة مجدّداً، فاتّبعتها بوصفها هواية.

رنا: وكيف مارستها؟ هل بدأت تعمل في المسرح؟

بدر: بدأت العمل في المسرح، وأسّست نادياً للسينما، وشكّلت فرقة مسرحية في جبلة. لقد نظّمت هذه الأنشطة من خلال جمعية “العاديات” في جبلة، التي كنت عضواً فيها، وما ساعدنا استضافة المركز الثقافي لنشاطاتنا. هذا هو الجوّ باختصار شديد؛ قلت لك إن قصّتي طويلة بعض الشيء.

رنا: نحن نركّب حكايات داخل حكايات. لنعد إلى المخرج الذي أخرج ستّة عروض داخل المعتقل، ويبني وائل علي على تجربته عمل “بروفا”. خذ نفساً يا بدر، فأنا أُعيدك إلى الوراء وأتنقّل معك بين تلك الأزمنة.

بدر: قدّمنا العرض الأوّل في السجن في عام 1988، بعد نقلي إلى صيدنايا بنحو ثلاثة أشهر وبضعة أيّام. كان إعداداً مسرحياً لرواية “اللجنة” لصنع الله إبراهيم. هذا المشروع كنت أنوي تنفيذه خارج السجن، في عام 1987، لكنّني اعتُقلت قبل أن أتمكّن من ذلك، بعدما اتّخذت القرار ووجدت أحد كبار الممثّلين ليساعدني، ولا أريد ذكر اسمه.

رنا: ليساعدك في الإخراج؟ هل كانت تلك ستكون تجربتك الأولى؟

بدر: تماماً، ليساعدني في الإخراج.

رنا: وكأن أحداً قال لك: تعالَ لأُخرج لك حياتك.

بدر:كان ممثّلاً شهيراً جداً في سوريا، وهو دمشقي. جلسنا في بيتي باللاذقية، نشرب كأساً ونغنّي ونرقص، ووعدني بالمساعدة. بعد تلك الجلسة بأسبوع، اعتقلني فرع الأمن العسكري باللاذقية، في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، ثم نقلوني إلى فرع فلسطين في دمشق، ثم إلى فرع التحقيق العسكري، وأخيراً إلى سجن صيدنايا. كان الجميع يقولون إنني لن أُحال إلى السجن، لأنّني غير مرتبط بالحزب، وإنهم سيفرجون عنّي، وجاءني أحد أعضاء قيادة الحزب وقال: لن تبقى أكثر من ثلاثة أشهر.

بدر: قلت له: ثلاثة أشهر؟ سأموت، نعم، سأموت.

بعد نحو ثلاثة أشهر، نُقلت إلى سجن صيدنايا. حين وضعونا في السيّارة، شعرت بأن قلبي سيتوقّف. فهمت ما يعنيه سجن صيدنايا. كان شقيق زوجتي قد أمضى آنذاك ثماني سنوات في السجن، وهو يساري أيضاً، وكنت أعرف كثيراً من الشبّان المعتقلين منذ سنوات، أعرف الحكاية بتفاصيلها، وأدرك أن التحويل إلى صيدنايا يعني ما كنّا نسمّيه “التخزين”: أي أن تبقى سنوات لا تعرف عددها ولا متى تنتهي، وربّما حتى نهاية حياتك. شعرت في تلك اللحظات بأنني على وشك الانهيار، في طريق لا يستغرق أكثر من ساعة، من فرع التحقيق العسكري إلى سجن صيدنايا.

رنا: أعرف الطريق من دمشق إلى السجن تماماً. كانت أمّي مدرّسة، وقد سجّلت للحصول على شقّة في جمعية سكنية، واختارت يومها شقّة في الجهة الغربية، من جبل العين. هناك في الحيّز المكاني لسجن صيدنايا.

بدر: في الطريق، تذكّرت ما يقال عن اللحظات التي تسبق الموت، حين يرى الإنسان شريط حياته كلّه يمرّ أمامه، في النزع الأخير.

بدر: شعرت بشيء يشبه ذلك داخل السيّارة. وفي نقطة من الطريق، ربما في منتصفه، لا أعرف أين تحديداً، حضرتني فكرة رواية “اللجنة”. حين دخلنا سجن صيدنايا، تعرّضنا للضرب المبرّح فيما يسمّونه “الاستقبال”. كانت مجموعتنا من أوائل دفعات “حملة 1987 ” التي نُقلت إلى السجن.

– سرد: اعتُقل بدر بعد أسبوع من الاتّفاق على تحويل رواية “اللجنة” لصنع الله إبراهيم إلى عمل مسرحي. أمضى نحو خمسة وعشرين يوماً في فرع اللاذقية، ثم قرابة شهرين وبضعة أيّام في فرع فلسطين، قبل نقله إلى فرع التحقيق العسكري 248، حيث مكث أيّاماً قليلة. وكان الفرع الأخير نقطة العبور عند الدخول إلى السجن والخروج منه.

رنا: إذاً، صار هذا الطريق مَخرجاً رمزياً، وطريقة لتتذكّر من أنت…

بدر: جاءني ذلك الضوء الصغير وأنا أشعر بأنني انتهيت. حضرتني رواية “اللجنة”. كنت أعرف أن هناك كتباً كثيرة في السجن، لأنني كنت أرسل بعضها إلى أصدقائي وأقاربي المعتقلين، فقرّرت أنني إذا وجدتها هناك، فسأبدأ العمل عليها.

وصلنا إلى السجن، وخضعنا لما يسمّونه “التشريفة” أو “الاستقبال”: ضرب وإهانات، ثم قالوا لنا: ارتدوا ثيابكم وخذوا أغراضكم، ثم ساقونا إلى جناح طويل. ما إن دخلت حتى وجدت أن معظم الشبّان، إن لم يكن جميعهم، يعرفونني من خلال شقيق زوجتي، من الصور، ومن الأخبار التي كانت تنقلها إليه أخته لسنوات طويلة خلال الزيارات، هم يعرفونني، وأنا لا أعرف منهم إلا القلّة.

لم أقل مرحباً، ولم أسأل عن أحوالهم. كانوا يستقبلون القادم من الفرع بعبارة “الحمد لله على السلامة”، لأن ما يجري هناك جنون. أمّا أوّل ما خرج من فمي فكان: هل لديكم رواية “اللجنة”؟ وكان أمين المكتبة، بالمصادفة، إبراهيم أسعد شقيق زوجتي كلاديس.

رنا: هذه مصادفة درامية، أن تلتقي أحد أقربائك في المعتقل؟

بدر: نعم، كان لقائي الأوّل مع إبراهيم بعد ثماني سنوات. هناك تعرّفت إلى علي الكردي، الكاتب والروائي والصحافي الفلسطيني السوري، من سكّان دمشق. كان سجيناً سياسياً قديماً أمضى نحو عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة. اتّفقت معه على إعداد نصّ مسرحي عن الرواية، فعمل عليه نحو شهرين. وشارك في التمثيل وائل السواح ومازن ربيع وعبد درويش وعلي الكردي، وأنا أيضاً. لم تكن لدينا وقتها آلات موسيقية، فكان يؤدّي الموسيقى المرافقة بصوته سمير عبدو (أبو الندى).

نُقلت إلى سجن صيدنايا، في أوائل شباط/ فبراير 1988، ثمّ بدأنا التدريبات المسرحية اليومية في نيسان/ أبريل وأيّار/ مايو. قدّمنا عرضنا الأوّل في أواخر أيّار، مايو أو أوائل حزيران/ يونيو، بعنوان “اللجنة”، كما الرواية.

بدر: نعم، أتذكّر بدقّة، كان ساعة.

رنا: هل كان الفنّ والمسرح طريقتك لمقاومة السجن؟

رنا: كان المسرح كضوء في نهاية النفق؟

بدر: نعم، كان بديلاً عن الموت. في السيّارة، شعرت حقّاً بأنّ قلبي سيتوقّف، وأنني سأصاب بسكتة قلبية وأموت. راودتني أفكار كثيرة، لكنّ فكرة “اللجنة” كانت الأساس، شعرت بالغبطة حين حضرتني.

رنا: وبعدها قدّمت خمسة عروض أخرى؟

بدر: نعم، لكنّني أعدت تقديم مسرحية “اللجنة” أوّلاً. في البداية، أي في الأشهر الستّة الأولى، كنت وبعض معتقلي حملة 1987 مع قسم من السجناء القدامى، من معتقلي حملات 1980 و1982 و1984 و1986، في الطابق الأوّل جناح “أ، يمين”.

رنا: ماذا تقصد بالحملة؟ اعتقال مجموعة من المعتقلين السياسيين؟

بدر: صحيح، حين يقرّر النظام عبر أجهزته الأمنية، ضرب حزب ما أو مجموعة سياسية، يشنّ عليهم حملة اعتقالات قد تستمرّ أسابيع أو أشهراً أو ربّما سنة. كانت حملة 1980 صغيرة نسبياً، أمّا حملة 1982 فكانت كبيرة واعتُقل فيها كثيرون. استهدفت حملة 1984 حزب “العمل الشيوعي”، فيما اعتُقل معهم في حملة 1986 شبّان فلسطينيون كانوا يُعرفون باسم “اللجان الشعبية”، ويعملون مع حزب “العمل”، كان من بينهم عبد درويش.

بدر: نعم، بعد العرض الأوّل، حيث بقينا نحو ستّة أشهر مع السجناء القدامى، الذين كانت لديهم زيارات، بما تحمله الزيارة من دفء التواصل والأخبار والذكريات، غير الطعام والشراب، والملابس والهدايا. أمّا نحن معتقلو حملة 1987، فقد كنّا جميعاً معاقَبين بمنع الزيارات، وبقينا كذلك حتى عام 1990.

بعد أن جاءت الأوامر بفصلنا عن السجناء القدامى، كي يقطعوا كل تواصل لنا مع الخارج، قسّمونا إلى مجموعات، وعزلوا كلّ مجموعة في جناح مستقلّ. ثم عادوا، بعد فترة أشهر قليلة، وجمعونا في جناح واحد لغير المزارين، المعاقَبين، كان ذلك في الطابق الثالث جناح “أ، يسار”. هناك أعدت تقديم “اللجنة” مع جمهور جديد وممثّلين جدد، غير علي ووائل ومازن وعبد. بدأت بتدريب الممثّلين، فأقمت ما يشبه ورشة عمل مسرحية، تشمل تدريب الجسد والتنفّس والنطق وفصل الحواس وغيرها من التدريبات. واستمرّت التجربة حتى فتحت زياراتنا وانهالت الشائعات عن قرب خروجنا من السجن.

رنا: أي أنك لم تقدّم أيّ عرض مسرحي خلال السنوات التي تلت شائعات الخروج؟

بدر: نعم، في السنوات الثلاث والنصف الأولى من اعتقالي، كانت تجربتنا المسرحية. ثم فُتحت الزيارات، وبدأ الحديث عن قرب الإفراج عنّا. كان العرض الثاني بعنوان “الزيادة” للكاتب المسرحي الإيطالي دينو بوزاتي، والثالث إعداداً عن قصّة للكاتب التركي الساخر عزيز نسين، عنوانها “رجل عاش في روما القديمة قبل ألفي عام”، وقد غيّرت عنوانها إلى “الأوراق”.

رنا: حدّثتني عن مكتبة وأمين مكتبة…

بدر: كانت الكتب تصل إلى السجن عبر الأهالي خلال الزيارات، واستطاع السجناء على مدى عشر سنوات، جمع مكتبة هائلة ومذهلة. وفي سجن صيدنايا، زمن الأسد الأب، كان هناك ما يُسمّى “فاتورة كتب”: حين يُقام معرض الكتاب في مكتبة الأسد، كانوا يأتون لنا بلائحة الكتب المتوفّرة، ننتقي العناوين التي نريدها ويشترونها لنا من حسابنا.

رنا: هل كانت المكتبة داخل سجن صيدنايا نفسه؟

رنا: ما ترويه مدهش، أمام صورة السجن المحصّن والمخيف والمميت. كنتم تتشبّثون بالمسرح كمن يتشبّث بحبل نجاة، وإلى أيّ حدّ كان ما تفعلونه يستفزّهم إن أدركوا وجوده؟

بدر: من حسن حظّنا أنهم لم يعرفوا بأننا نعمل في المسرح. لو عرفوا لحصلت كارثة. أمّا في الموسيقى فكانوا كلّما ضبطوا أحداً يعزف على عوده (نصنعه من خشب السحاحير)، كانوا يكسرون العود أمام أعيننا ويأخذون صاحبه إلى الزنزانة الانفرادية تحت الأرض. بالمناسبة، وبحسب ما أعرف، لم تكن هناك ثلاثة طوابق تحت الأرض؛ كان هناك طابق للخدمات، أي الحمّامات والمطبخ، وتحته طابق الزنازين الانفرادية، ولا شيء غير ذلك، ثلاثة طوابق فوق الأرض، وطابق آخر تحت الأرض.

– سرد: يتوقّف بدر عند فرضية وجود طوابق أخرى تحت الأرض، التي تداولها البعض عند سقوط نظام الأسد. وبحسب ما يصف لي، كان هناك طابق للخدمات يضمّ المطبخ وحمّاماً جماعياً، وتحته الزنازين. يوضّح أنه يقصد حمّاماً عامّاً يُساق إليه السجناء للاستحمام، كما نرى في الأفلام. استخدموه بضعة أشهر فقط، ثم مُنعوا من النزول إليه، وصار عليهم الاستحمام بالماء البارد في مهاجعهم.

بدر: بعد عرض مسرحية “الأوراق”، التي أعددناها عن قصّة قصيرة، وإن كانت طويلة نسبياً، قدّمنا عرض “النضّارة”، وهو نصّ كتبه محمّد إبراهيم، شابّ فلسطيني سوري كان معنا في السجن. كما كتب نصّاً آخر بعنوان “الباب”، لكنّنا لم نتمكّن من تحقيقه على المنصّة.

كانت الخبرة المسرحية قد بدأت تتراكم، عندي وعند الشبّان أيضاً. ساعدنا في ذلك آراء بعض الشبّان من روّاد المسرح ومحبّيه، الذين كان لهم بعض الخبرة في المسرح والنقد المسرحي.

لقد استطعنا تنفيذ الديكور والمكياج والإضاءة وسائر احتياجات العرض بالأدوات المتاحة، من الكرتون وخشب صناديق الخضار وألوان الرسم وغيرها.

رنا: كم شخصاً كنتم في المهجع؟ وما مساحته؟

بدر: كانت مساحة المهجع، مع مرافقه الصحّية، ثمانية وأربعين متراً مربعاً، ويضعون فيه نحو عشرين إلى خمسة وعشرين شخصاً. وكان لكلّ مهجع مرحاض، لأنهم يغلقون علينا الأبواب ليلاً، وفي فترات العقوبات التي قد تمتدّ شهراً أو أشهراً، لا تُفتح الأبواب خلالها إلا لإدخال الطعام. لكنّ هذه الفترات كانت قليلة مقارنة بمجمل مدّة اعتقالنا. في العادة، كانت أبواب المهاجع العشرة تُفتح في السابعة صباحاً وتُغلق في الخامسة مساءً، فنخرج وندخل ونتحرّك ونتمشّى في الكوريدور الممتدّ أمامها.

بدر: نعم، لكن حين نكون معاقَبين، أو تحدث مشكلة، يغلقون علينا الأبواب. خلال حرب الخليج، مثلاً، أغلقوا الأبواب مدّة طويلة، خوفاً من الاحتجاجات، إذ كان بين السجناء من ينتمون إلى “بعث العراق”، كما كنّا نعرفهم، واسمه الرسمي “حزب البعث – القيادة القومية”. حينها يتحوّل الكوريدور إلى حلم.

بعد عرض “النضّارة” تكوّنت لدينا معرفة وخبرة جيّدة بالمسرح وبكيفية العمل ضمن ظروفنا، ساعدنا في ذلك آراء بعض الشبّان من روّاد المسرح ومحبّيه، الذين كان لهم بعض الخبرة في المسرح والنقد المسرحي. وشرعنا بمشروع المسرحية الخامسة، وهي “انسوا هيروسترات” لغريغوري غورين، مؤلّف “البيت الذي شيّده سويفت”. هيروسترات شخصيّة رمزية شهيرة كتب عنها جان بول سارتر أيضاً؛ شخصيّة وضيعة تطمح إلى بلوغ الشهرة والمكانة بين عليّة القوم بطرق ملتوية وغير مشروعة.

استمرّ العرض ساعتين إلا ربعاً، وأحدث ضجّة كبيرة بين الجمهور (السجناء). ثم استطعنا أن نقدّم العرض لرفاقنا القدامى في الطابق الثاني.

– سرد: أسأل بدر كيف استطاع نقل الفرقة إلى جناح آخر، والأبواب لا تُفتح إلا بيد السجّان. فيسمّيها “عملية احتيال”، إذ اغتنم أعضاء الفرقة والموسيقيون وجودهم مع معتقلي الجناح الآخر في ساحة التنفّس، وتبادلوا الأماكن مع عدد مماثل منهم، وفق ترتيب مسبق يحفظ عدد الموجودين في كلّ جناح. هكذا عبرت الفرقة الأبواب وقدّمت “انسوا هيروسترات” لرفاقها المعتقلين، ثم عاودت بعد أيّام تكرار الحيلة في الاتجاه المعاكس، من دون أن تكتشف الإدارة ما جرى.

بدر: كان عرضنا الخامس “انسوا هيروسترات” هائلاً، وجعل الجميع يطالبون بالمسرح. بعد كلّ مسرحية، كانوا يسألونني: متى المسرحية المقبلة؟ كان العمل مدهشاً، ولم يكن أحد يتخيّل أن ننجز شيئاً كهذا. طبعاً، كنّا نعمل في سرّية شديدة، لا نرفع أصواتنا، ونُبقي أحدنا عند الباب يراقب وينبّهنا إذا اقترب سجّان. أنشأنا شبكة للمراقبة، وتدرّبنا على إخفاء مظاهر المسرح بالجدّية نفسها التي تدرّبنا بها على المسرح ذاته.

رنا: كنتم ممثّلين في الحالتين؟

بدر: تماماً، فكرة جميلة. بعدها انتقلنا إلى مسرحية “البيت الذي شيّده سويفت”. كانت المسرحية من أولى أعمال ثائر ديب في الترجمة. أرسل النصّ إلى سلسلة “المسرح العالمي” في الكويت، لكنّ النشر توقّف إثر الغزو العراقي. وكانت فراشه بجوار فراشي في السجن، فقال لي: ما رأيك؟ لديّ هذا النصّ لغورين. تفاصيل التجربة التي أرويها لك منشورة بدقّة في العدد السابع عشر من مجلة “قلمون”، المخصّص للمسرح السوري.

– سرد: يروي بدر خيبة أمله حين قرأ الترجمة المطبوعة لـ”البيت الذي شيّده سويفت”، بعدما عمل في المعتقل على نسخة استحضرها المترجم من ذاكرته ودوّنها في أربعين صفحة. كان قد قرأ تلك الصفحات وعدّلها معه قبل بدء البروفات، ثم وصلته النسخة المنشورة من الخارج، تحمل إهداءً إلى “أعضاء الفرقة التي أدّت المسرحية على خشبة مستحيلة”. وجد بدر النصّ المستعاد في السجن أجمل لغةً وأكثر انسياباً وتماسكاً، من دون أن ينقصه شيء من الأحداث، وقدّمته الفرقة كاملاً، بلا حذف، في عرض استمرّ ساعتين وربعاً. أمّا عن الموسيقى، فقد صنع حسّان عبد الرحمن داخل السجن عوداً من الكرتون المقوّى بعصيدة الخبز، وعزف عليه سبع سنوات، بعدما لم يمنحهم العود المصنوع من عجينة الخبز رنيناً جيداً: (يعجنه بالماء وقليل من السكر حتى يصبح صلباً)، وكانت الأوتار تُجدل من خيوط الجوارب بسماكات مختلفة، إلى أن تمكّنوا، بعد ثلاث سنوات، من إدخال أوتار حقيقية عبر زيارات الأهل، وكان بدر زكريا يطلب منه تأليف الموسيقى للعروض المسرحية التي تقدّمها فرقة السجن.

رنا: ما الظروف التي التقيت فيها حسّان عبد الرحمن؟

بدر: التقيت حسّان في سجن صيدنايا. لم أكن أعرف أحداً من معتقلي حملة 1987؛ كنت أعرف بعض السجناء القدامى، الأقرب إلى عمري، فأنا أكبر سنّاً. حين وجد حسّان أعواداً في السجن، بدأ يعزف، وأحببت عزفه. كانت ريشته مختلفة عن ريشة الشبّان الآخرين، وأنا أريد للمسرح تقاسيم خفيفة ورشيقة. وكان أنور جعفر يعزف الغيتار، وقد علّمني العزف عليه. اجتمع الغيتار والعود، وكان عزف حسّان أقرب إلى الجاز، إلا حين يعزف مقطوعات شرقية بعينها. طلبت منه ومن أنور تأليف الموسيقى، وكنّا نعمل عليها سماعيّاً خلال البروفات.

رنا: كيف كنتم تحاولون منع وصول الموسيقى إلى السجّان؟ هل كانت لديكم ترتيبات خاصّة؟

بدر: أوّلاً، كنّا نعزف بعيداً عن الباب الحديدي عند مدخل الجناح. لم يكن السجّان يدخل إلا لإدخال الطعام أو إجراء التفقّد، أو لأخذ أحدنا إلى العقوبة. وحتى في هذه الحالة، كانوا ينادونه من عند الباب، فيخرج إليهم، ثم يغلقون الباب علينا.

رنا: كم مهجعاً كان في كلّ طابق؟

بدر: يوجد في كلّ طابق ثلاثة أجنحة، وفي كلّ جناح هناك عشرة مهاجع من جهة اليمين، وعشرة من الجهة اليسرى.

– سرد: أحاول أن أرتّب المكان في ذهني، فأجدني أتنقّل بين معنيين لكلمة “الجناح”: الذراع كاملاً، وقسمه الأيمن أو الأيسر. ما أفهمه من وصف بدر أن في كلّ طابق ثلاثة أذرع أو أجنحة، ينقسم كلّ منها إلى قسمين، يضمّ كلّ قسم عشرة مهاجع. بذلك نصل إلى ستّين مهجعاً في الطابق، ومئة وثمانين في الطوابق الثلاثة؛ حساب أستخلصه من حديث بدر، لا عدد أجزم به.

بدر: لم تكن فيه مهاجع، بل زنازين انفرادية.

رنا: وقلت لي إن هناك حمّاماً جماعيّاً مُنعتم لاحقاً من النزول إليه.

بدر: كانت هناك ثلاثة طوابق فوق الأرض، ومن الطابق الأرضي درج صغير ينزل إلى الحمّامات الجماعية والمطبخ الكبير. نزلت إلى المطبخ مرّات عدّة لمراقبة الطعام. وكانت هناك زنازين انفرادية كثيرة، لكنّني لا أعرف عددها، لم يكن بإمكاني التجوّل هناك. غالباً ما كانوا يقتادوننا معصوبي الأعين إلى الزنزانة.

– سرد: يتابع بدر الكلام… إذ كان المعتقلون يُخلون أحد المهاجع لتتدرّب فيه الفرقة ليلاً ونهاراً طوال أسبوع، ثم يتحوّل المهجع إلى مسرح تُقدَّم فيه العروض على مدى ثلاثة أيّام.

بدر: رافقني حسّان بالموسيقى في خمس مسرحيات: “الزيادة”، و”الأوراق”، و”النضّارة”، و”انسوا هيروسترات”، و”البيت الذي شيّده سويفت”. في “الأوراق”، أدّيت أحد عشر دوراً لإحدى عشرة شخصيّة، لكلّ منها جمل قليلة، فيما أدّى شابّ آخر الشخصيّة الرئيسية. كنت ألغي البروفات كلّها إذا لم تكن لدى أحد المشاركين رغبة في التدرّب، احتراماً له وصوناً لكرامته. ولكتم صوت العزف، كنّا نضع بطّانية على نافذة الحمّام، لأن الصوت كان يتسرّب منها، فقد كنّا قريبين من السطح.

رنا: أي إنكم وجدتم حلّاً سينوغرافيّاً أيضاً؟

بدر: نعم، لأن الحارس كان يتمشّى على السطح، ونحن في الطابق الثالث؛ لو كنّا في الثاني لما احتجنا إلى ذلك. كان الصوت يتسرّب من المهجع عبر الحمّام، لأن جدرانه لا تصل إلى السقف، بل ترتفع بما يكفي لستر من بداخله، وقد يظهر رأس الشخص الطويل فوقها. ومن الفراغ بين الجدران والسقف، يصل الصوت إلى النافذة، فيسمعه السجّان ويعرف أن هناك عزفاً. حدث ذلك فعلاً؛ كُسرت أعواد، وأُودع أصحابها الزنازين بسبب ارتفاع صوت العزف قليلاً. لذلك كنّا نطوي البطّانيات طبقتين ونضعها على النافذة.

رنا: دعني أرتب الأحداث، هل أمضيت معظم اعتقالك في الجناح الممنوع من الزيارات؟

بدر: لا، فقط ثلاث سنوات ونصف.

رنا: ثم بدأت شائعات الإفراج، وسُمح لكم بالزيارات؟

بدر: بعد الشائعات توقّف المسرح، ثم فُتحت الزيارات، وبقي المسرح متوقّفاً.

رنا: وبعدها انتقلت إلى الطابق الأول؟

بدر: عدت إلى الطابق الأوّل عند إبراهيم، بعد غياب نحو ثلاث سنوات. لكن بعد ستّة أشهر تقريباً، عدت إلى الشبّان الذين كنت معهم.

– سرد: أتتبّع مخطّط السجن الذي رسمه لي بدر بيده: ثلاثة أذرع – أجنحة: “ألف” و”باء” و”جيم”، تتفرّع من ساحة وسطى، ويتكرّر توزيعها في ثلاثة طوابق. ولكي أفهم تسميات أقسامها، أتخيّل نفسي عند الباب الكبير لكلّ جناح، ظهري إلى الساحة ووجهي نحو الداخل؛ عن يميني القسم الأيمن، وعن يساري القسم الأيسر. ومع انتقالي من مدخل إلى آخر، يدور اتجاه النظر، فلا يعود يمين المكان ويساره مطابقين ليمين الورقة ويسارها. هكذا يصبح “ألف يسار” موضعاً أستطيع تخيّله: القسم الواقع إلى يسار الداخل من الساحة إلى الجناح “ألف”. أكاد أتوه وأنا أتخيل داخل المعتقل، عبر ما يصفه بدر زكريا. وفي كل مرّة، كان عليَّ أن أنظر إلى مخطط “سجن صيدنايا” الذي رسمه لي بيده.

رنا: كنت قد حُرمت من المسرح، ما حرمك شيئاً من الراحة، عندما فتحت الزيارات وتوقّف المسرح.

بدر: حين سُمح لنا بالزيارات، أصبحت أوضاعنا مماثلة لأوضاع السجناء القدامى الذين كانت زياراتهم مفتوحة، فجمعونا معهم في جناح واحد.

بدر: الجناح “جيم” في الطابق الثاني. كنّا في الجناح “ألف” بالطابق الثالث، ثم جمعوا معتقلي حملة 1987 مع السجناء القدامى في الجناح “جيم”، بالطابق الثاني.

– سرد: أحاول التأكّد ممّا فهمته، فيعود بدر إلى رسم المكان بالكلمات.

بدر: لحظة، لنأخذ الطابق الأوّل. فيه ثلاثة أجنحة، على شكل شارة مرسيدس.

بدر: نعم، ويتكرّر الشكل في الطوابق الثلاثة. يمتدّ “ألف” من الأعلى إلى الأسفل: “ألف” في الطابق الأوّل، و”ألف” في الثاني، و”ألف” في الثالث.

رنا: أي إن كلّ طابق يأخذ شكل الشارة؟

بدر: كلّ طابق، حتى القبو.

رنا: وأنا كنت أتخيّله قلعة، وأسرح بخيالي متسائلةً لماذا لا تأخذني أمّي إليها.

بدر: في كلّ جناح قسم أيمن وقسم أيسر، وفي كلّ قسم عشرة مهاجع، وبينهما كوريدور يصل أحدهما بالآخر. لكنّ مدير السجن بنى بعد فترة قصيرة، جداراً في وسطه، ليفصل اليمين عن اليسار ويمنع التواصل بين السجناء. أقصد يمين الجناح ويساره، لا اليمين السياسي.

رنا: ما فعلتموه كان فعل مقاومة.

بدر: لا أريد أن أتفلسف أو أحمّل الحكاية ما لم يكن في ذهني وقتها. حين خطرت لي الفكرة في “سيّارة اللحمة” التي تنقل السجناء، لم أكن أفكّر إن كانت فعلاً مقاوماً أم لا. لم أكن قادراً على شيء.

رنا: أتحدّث عن المقاومة الثقافية بمعنى العيش، بعيداً عن المعنى الذي عُمّم في عهد الأسد. أن نمنع الطاغية من تحويلنا إلى شيء يشبهه، أن نمنع إعادة إنتاج عنفه. مقاومة تُبقي على الإنسانية، هذا ما أقصده، لا مقاومة الشعارات.

بدر: أريد فقط توضيح أمر صغير: لم أقرّر أن أعمل في المسرح كي أصنع فعلاً مقاوماً. عملت في المسرح، فصار ما فعلته مقاومة. لم أجلس وأفكّر بهذه الطريقة، لكنّ هذه الأنشطة كانت تتيح لنا الاستمرار في الحياة، ولولاها لربّما انهار بعضنا وفقد عقله. لا أحبّ أن أُفلسف الأمر، لأن الحكايات تُبنى دائماً بهذه الطريقة. لم تكن المقاومة أو الفعل المقاوم في ذهني. كنت رجلاً شغوفاً بالمسرح، وأردت أن أعمل فيه، هذه كلّ الحكاية. خصوصاً أنني كنت في السجن، وكان الوقت الطويل متاحاً لي.

رنا: لكنّك أنقذت الآخرين أيضاً يا بدر، ساعدهم هذا المسرح على الاحتمال معك. المعتقل “لامكان”، يمحو الهويّة والتاريخ والعلاقات. حين تبني علاقة مع الآخر، وتصنع حدثاً وذاكرة مشتركة، وتستعيد هويّتك بوصفك إنساناً يحلم بالمسرح، فأنت تقاوم اختزالك إلى رقم.

بدر: تماماً، أحيّيك. السجن كان “لامكان”، لكنّنا عملنا على أنسنته، لا على تحويله إلى مكان، فهذا غير ممكن.

رنا: لا يمكن تحويله إلى مكان أنثروبولوجي، فهو يفتقد سماته.

بدر: كنّا نُقيم هناك أيضاً أمسيات شعرية. وأصدرنا هناك أيضاً مجلة “الفراشة”، التي استمرّت فترة قصيرة. كانت نحو مئتي صفحة تُكتب باليد، ويجمعها الشبّان في ملازم ويصنعون لها غلافاً. كنّا نُعدّ نسخة أو نسختين تتنقّلان بين المعتقلين على مدار الساعة. لكلّ قارئ دوره؛ حتى لو كان نائماً، يوقظونه ليقرأ، من الثانية إلى الرابعة فجراً مثلاً. كان جهدنا كلّه محاولة لأنسنة اللامكان، لا تحويله إلى مكان؛ ففي كلّ يوم شكل آخر من الرعب. أذكر أني كتبت نصّاً عن حالنا في السجن، في يوم 21 كانون الثاني/ يناير 1994، يوم مات باسل الأسد. لا أقصد الكتابة عن الحدث، بل عن حالنا نحن يومها. استعدت ما عشناه في تلك اللحظات، مع شيء من الخيال، هو ليس نصّاً توثيقياً.

– سرد: في مشهد آخر من عرض وائل علي “بروفا”، أتابع بدراً وحسّاناً وهما يستعيدان نهاية “البيت الذي شيّده سويفت”. يدقّ الناقوس، ويُعلَن أن الوقت قد حان. يتولّى حسّان دور (باتريك) في هذه البروفا، وهو دور لم يؤدّه في السجن. يقف سويفت ويسأل الطبيب عن حزنه، فيما يشرح بدر حركة المشاركين في العرض القديم، وكانوا نحو عشرين شخصاً، منهم: أستير جونسون، وفانيسا نومري، وباتريك، والطبيب ريتشارد سيمسون، والقزم فليم، والقزم ريلب، إلى جانب مواطنين، وممثّلين، وأعضاء مجلس الأوصياء، وموسيقيين، يلتفّون حول العميد ويتبعونه، وهو يمشي ناظراً إلى الأفق. وفي النصّ، يتّجه سويفت إلى الباب، وتتبعه المرأتان والممثّلون والمواطنون بصمت، بينما يراقبهم الطبيب وهم يغادرون.

بين الشرح والتمثيل، يعود حسّان إلى الموسيقى التكرارية المصاحبة للمشهد، ويستعيد كلام باتريك عن الجنّاز الذي رتّب العميد تفاصيله، ثم يدعوه إلى صعود الدرج ليرى المشهد كما لو كان في مسرح حقيقي. وفي النصّ، يوجّه باتريك هذه الدعوة إلى الطبيب، الذي يفضّل البقاء عند مكتبه، ويغمس ريشته في الحبر. يصف بدر ترنّح سويفت وسقوطه (يمثّله أمامنا)، ثم انتقال المشهد إلى الطبيب وورقته. أسمع المقطع من بدر زكريا بصياغة تختلف عن النصّ الأصلي، محتفظاً بالمفارقة نفسها بين الموت والتمثيل:

خرج الحشد وهو يهدرهنا رأيت سويفت ممدّداً على الأرض دون حراكلما وضعت إصبعي على معصمه الباردوأذني على صدره الصامتولمّا هممت بإعلان موتهعاجلني بغمزة لعوبأدركت حينها أنه ممثّل بارعولم أتمكن من أن أعلن أنه ميت أم حيّ!

ترتفع الموسيقى، وينطفئ الضوء، وتظلّ النغمات مستمرّة في العتمة. وحين يعود الضوء، تتوقّف الموسيقى، ويشرح بدر زكريا للجمهور، كيف كان أعضاء الفرقة يقتربون من جمال، مؤدّي دور سويفت، ويرفعونه عن الأرض شيئاً فشيئاً، ثم يحتفلون مع الجمهور.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن
قيس عبد الفتاح يعلن عن زواجه.. شاهد ثقافة وفنون

قيس عبد الفتاح يعلن عن زواجه.. شاهد

نشر الفنان قيس عبد الفتاح تعليقا عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك يعلن فيه عن عقد قرانه. صدى البلد : المصدر قيس عبد الفتاح يعلن عن زواجه.. شاهد

منذ 52 دقيقة
«شعور غريب وجديد»... أحمد حلمي يحتفي بتمثاله الشمعي في «مدام توسو» ثقافة وفنون

«شعور غريب وجديد»... أحمد حلمي يحتفي بتمثاله الشمعي في «مدام توسو»

كشف متحف «مدام توسو دبي» عن تمثال شمعي للفنان المصري أحمد حلمي. فكيف كانت الكواليس؟ ومن أبرز المشاهير في المتحف؟

منذ ساعة
أكاديميون يناقشون تثمين التراث المغربي ثقافة وفنون

أكاديميون يناقشون تثمين التراث المغربي

احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية والمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، يومي الأربعاء والخميس 4 و5 نونبر الجاري، أشغال ندوة وطنية حول موضوع «الرأسمال الثقافي والتنمية الترابية بالمغرب»، بمبادرة من شعبة التاريخ والحضارة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، بشراكة مع المعهد ال...

منذ ساعة
بوعياش تؤكد على الإعمال الفعلي لحقوق الإنسان في الممارسات التربوية ثقافة وفنون

بوعياش تؤكد على الإعمال الفعلي لحقوق الإنسان في الممارسات التربوية

أكدت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر فقط على ترسيخ المرجعيات الدولية المؤطرة للتربية على حقوق الإنسان، بل يمتد إلى ضمان إعمالها الفعلي في الممارسات التربوية، بما يجعل مبادئ الكرامة والمساواة والحرية والمشاركة حاضرة في الحياة اليومية لل...

منذ ساعة