أعادت التساقطات المطرية الأخيرة الأمل إلى العالم القروي بالمغرب، بعد سنوات من الجفاف التي أثقلت كاهل الفلاحين والكسابة، وأثرت بشكل مباشر على الإنتاج الفلاحي والموارد المائية والقدرة المعيشية لعدد كبير من الأسر، وبينما تبشر هذه الأمطار بموسم فلاحي أفضل وإمكانية تحريك عجلة الاقتصاد القروي، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة الفلاح الصغير على الاستفادة من هذا التحسن المناخي، في ظل تراكم الديون وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القطيع.
وفي هذا السياق، سلط الخبير البيئي مصطفى بنرامل الضوء على الآثار الاقتصادية والاجتماعية المحتملة للتساقطات المطرية الأخيرة بالمغرب، معتبرا أنها تشكل بارقة أمل للعالم القروي بعد سنوات متتالية من الجفاف، وما خلفته من تراجع في الإنتاج الفلاحي واستنزاف للموارد المائية وتضرر للقطعان، فضلاً عن انخفاض مداخيل الأسر التي تعتمد على الأنشطة الفلاحية والرعوية.
وأوضح بنرامل، في تصريح لموقع “برلمان.كوم”، أن أهمية هذه التساقطات لا ينبغي اختزالها في حجم الأمطار المسجلة أو تحسن الغطاء النباتي، بل يتعين قياسها بمدى قدرتها على إحداث دينامية اقتصادية واجتماعية حقيقية داخل القرى، من خلال خلق فرص الشغل وتحسين مداخيل الفلاحين وإنعاش تربية المواشي وتحريك الأنشطة التجارية المرتبطة بالإنتاج والتسويق الزراعي.
وأضاف الخبير البيئي أن الموسم المطري الجيد يمكن أن يشكل فرصة لاستعادة جزء من التوازن الاقتصادي بالعالم القروي، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على فرص الشغل الفلاحي، خاصة في أنشطة الحرث والزرع وجني المحاصيل، فضلاً عن مساهمته في تحسين دخل الأسر القروية وتوفير سيولة مالية تساعدها على الوفاء بالتزاماتها وتحريك الاستهلاك داخل الأسواق المحلية.
وفي السياق ذاته، أبرز بنرامل أن انتعاش المراعي وتوفر الأعشاب الطبيعية من شأنهما تخفيف تكاليف تربية المواشي، عبر تقليص اعتماد الكسابة على الأعلاف المشتراة، مشيراً إلى أن تحسن الإنتاج الفلاحي يمكن أن ينعكس إيجابا على حركة الأسواق الأسبوعية وأنشطة النقل والتخزين والتجارة المحلية، بما يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد القروي.
غير أن الخبير البيئي نبه إلى أن تحسن الظروف المناخية لا يعني بالضرورة تعافي الفلاح الصغير بشكل تلقائي، موضحا أن سنوات الجفاف المتتالية خلفت تراكمات مالية وإنتاجية يصعب تجاوزها في موسم واحد، من بينها المديونية لدى المؤسسات المالية ومزودي المدخلات الفلاحية، وارتفاع أسعار البذور والأسمدة والمحروقات، فضلا عن فقدان جزء من القطيع وتراجع المدخرات والإمكانيات المالية للأسر القروية.
واعتبر المتحدث أن الإشكال الأساسي يكمن في قدرة الفلاح الصغير على استغلال التحسن المناخي واستئناف نشاطه الإنتاجي، إذ قد تتوفر المياه والأراضي الصالحة للزراعة، لكن تغيب الإمكانيات المالية اللازمة لاقتناء مستلزمات الموسم واستئجار الآلات الفلاحية، وهو ما يجعل الاستفادة من التساقطات متفاوتة بين الفلاحين، بحسب حجم الخسائر التي تكبدوها خلال السنوات الماضية وقدرتهم على استعادة نشاطهم.
ولتحويل هذه التساقطات إلى انتعاش اقتصادي مستدام، دعا بنرامل إلى مواكبة التحسن المناخي بإجراءات اقتصادية واجتماعية، تشمل توفير تمويلات ميسرة للفلاحين الصغار، وتسهيل حصولهم على البذور والأسمدة بأسعار مناسبة، ومواصلة برامج إعادة تكوين القطيع الوطني ودعم الأعلاف، إلى جانب تشجيع التعاونيات الفلاحية وتعزيز التأمين الفلاحي والاستثمار في تجميع مياه الأمطار والري الموضعي وحماية الفرشات المائية.
وخلص الخبير البيئي مصطفى بنرامل، في تصريحه لـ“برلمان.كوم”، إلى أن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في تسجيل موسم فلاحي جيد، وإنما في ضمان وصول ثماره إلى الفلاح الصغير والأسرة القروية، وتحويل التحسن المناخي إلى مداخيل وفرص عمل واستقرار اجتماعي، مؤكداً أن الأمطار قادرة على إنعاش الأرض، لكن إنعاش اقتصاد العالم القروي يظل رهيناً باستعادة الفلاح الصغير لقدرته الإنتاجية وتوفير شروط الاستدامة والمواكبة اللازمة.
The post هل تنقذ الأمطار الفلاح الصغير من شبح الإفلاس وتنعش اقتصاد القرى؟ appeared first on برلمان.كوم.