عمّان – مع تصاعد المخاوف من اتساع المواجهات العسكرية في المنطقة وتأثر إمدادات النفط والغاز، تبرز تساؤلات بشأن قدرة الأردن على تأمين احتياجاته من الطاقة، وحجم المخزونات المتاحة لديه، والمواقع التي يحتفظ فيها باحتياطياته الإستراتيجية.
وتؤكد وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية، في تصريحات للجزيرة نت، أن الأردن يمتلك منظومة لتخزين المشتقات النفطية والغاز البترولي المسال، إلى جانب خطط طوارئ تتيح لمحطات توليد الكهرباء الانتقال إلى أنواع بديلة من الوقود عند تعطل إمدادات الغاز الطبيعي.
تتوزع مرافق تخزين المشتقات النفطية في الأردن بين منشآت الماضونة شرقي العاصمة عمّان، ومرافق العقبة، وخزانات شركة مصفاة البترول الأردنية في الزرقاء والعقبة، فضلا عن المستودعات التابعة لشركات تسويق المشتقات النفطية.
وتُعد منشآت الماضونة المركز الرئيسي للاحتياطي الإستراتيجي الحكومي، وتتولى الشركة اللوجستية الأردنية للمرافق النفطية "جوتك" إدارتها، وتضم خزانات للبنزين والديزل والكاز ووقود الطائرات والغاز البترولي المسال.
وحسب وزارة الطاقة، تبلغ السعة الإجمالية للمرافق النفطية المخصصة للمخزون الإستراتيجي في الماضونة نحو 312 ألف طن، في حين تبلغ سعة مرافق تخزين ومناولة المشتقات النفطية في العقبة 106 آلاف طن، منها 6 آلاف طن للغاز البترولي المسال.
وتؤدي مرافق العقبة جنوبي الأردن دورا محوريا في استقبال المشتقات النفطية المستوردة وتخزينها ومناولتها، قبل توزيعها على الأسواق، بينما تحتفظ مصفاة البترول الأردنية بخزانات للنفط الخام والمشتقات النفطية والغاز المسال في منشآتها المختلفة.
وإلى جانب المخزون الحكومي، تتوافر سعات تخزينية لدى القطاع الخاص، تستخدمها شركات التسويق والتوزيع لتلبية الطلب اليومي. ويختلف هذا المخزون التشغيلي عن الاحتياطي الإستراتيجي المخصص لمواجهة الطوارئ واضطرابات الإمدادات.
توضح وزارة الطاقة أن المخزون الإستراتيجي من المشتقات النفطية يغطي احتياجات الأردن لفترة تتراوح بين 30 و60 يوما، تبعا لنوع المشتق، فيما يكفي الوقود المخصص لتوليد الكهرباء نحو شهر إذا توقفت الإمدادات.
وتشير الوزارة إلى أن المخزون الإستراتيجي لم يُستخدم حتى الآن، وأن عمليات التزويد مستمرة وفق عقود طويلة الأمد وخطط تشغيلية تراعي احتمالات تعطل سلاسل التوريد.
غير أن كفاية المخزون لا ترتبط بالكميات المتوفرة وحدها، بل تتأثر أيضا بمستويات الاستهلاك، واستمرار النقل والتوزيع، وقدرة المنشآت الحيوية على العمل في الظروف الاستثنائية.
تقول وزارة الطاقة للجزيرة نت إن إستراتيجية قطاع الطاقة للأعوام 2020-2030 تقوم على تنويع مصادر التزويد، لتقليل الاعتماد على مصدر واحد وتعزيز قدرة الأردن على مواجهة الانقطاعات.
وتعتمد إمدادات الغاز الطبيعي على 4 مصادر، تشمل الغاز المصري المنقول عبر الأنابيب، والغاز الوارد عبر الأنابيب من البحر المتوسط، والغاز الطبيعي المسال المستورد عبر مرافق العقبة في باخرة عائمة، والإنتاج المحلي من حقل الريشة.
وتوضح الوزارة أن اثنين من مصادر الغاز يخضعان لاتفاقيات طويلة الأمد، بما يدعم استقرار التوريد ويمنح قطاع الكهرباء خيارات متعددة.
ووفق البيانات التي قدمتها الوزارة، يسهم الغاز الطبيعي بنسبة 66% في مزيج توليد الكهرباء، مقابل 20% للطاقة المتجددة، و14% لمشروع العطارات الذي يستخدم الصخر الزيتي.
وتؤكد أن شركة الكهرباء الوطنية أعدت خططا للطوارئ إذا انقطع الغاز، وأن معظم محطات التوليد التقليدية تستطيع استخدام الديزل أو زيت الوقود بديلا، مع تجهيزها بخزانات لتوفير احتياجاتها التشغيلية.
لكن اضطرابات أسواق الطاقة تفرض أعباء مالية إضافية. وبحسب الوزارة، ارتفعت تكلفة الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 28 دولارا للمليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بنحو 7 دولارات قبل حرب إيران.
,دفعت هذه التطورات إلى استخدام زيت الوقود في بعض المحطات، ومنها محطة العقبة الحرارية، والاستعانة بالديزل عند ارتفاع الطلب، مما رفع الكلفة اليومية الإضافية لقطاع الطاقة إلى ما بين 2.5 و3 ملايين دينار (نحو 4 ملايين دولار).
تُعد باخرة تخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه في العقبة أحد أبرز البدائل التي يعتمد عليها الأردن لضمان استمرار إمدادات الغاز، خصوصا لمحطات توليد الكهرباء، إذا تعطلت مصادر التزويد الأخرى.
وفي أحدث التطورات، وقّعت شركة الكهرباء الوطنية في 5 مايو/أيار 2026 اتفاقية مع شركة "إكسيليريت إنرجي" الأمريكية لاستئجار وحدة عائمة جديدة، لتحل محل الباخرة "إنيرجوس فورس" التي كان مقررا انتهاء عقدها بنهاية يونيو/حزيران الماضي.
وتتيح هذه الوحدات استقبال شحنات الغاز المسال من الأسواق العالمية، وتحويلها إلى حالتها الغازية وضخها في شبكة الغاز الوطنية.
وبالتوازي، ينفذ الأردن مشروعا لتطوير ميناء الغاز في العقبة، يتضمن إنشاء وحدة برية لإعادة التغييز بطاقة تصل إلى 700 مليون قدم مكعب يوميا، بدلا من الاعتماد الدائم على وحدات التغييز العائمة، بهدف خفض الكلفة وتعزيز أمن الطاقة.
يرى الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي، أن امتلاك مخزونات إستراتيجية يمثل عنصرا مهما في أمن الطاقة، لكنه لا يغني عن الاستعداد لاحتمالات اتساع الحرب وتزامن ارتفاع الأسعار مع صعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية.
ويدعو الشوبكي في تصريحات للجزيرة نت إلى تعزيز الاحتياطيات الحكومية والتجارية من الوقود والغاز والغذاء، وتوزيعها جغرافيا، وحصر الكميات الموجودة في المستودعات ومحطات المحروقات ومراكز تعبئة الغاز ووكالات التوزيع المرخصة.
ويشدد على أهمية جاهزية وسائل النقل ومسارات التوريد البديلة والطاقة الاحتياطية، موضحا أن وجود الوقود داخل المستودعات لا يضمن الاستفادة منه إذا تعطلت القدرة على نقله إلى المستشفيات والمرافق الحيوية.
كما يطالب بإعطاء الأولوية لاستمرار تشغيل مرافق المياه والاتصالات والخدمات الصحية، واختبار خطط الطوارئ عمليا، وتوفير قطع الغيار والمعدات الضرورية.
ويعتبر الشوبكي أن الاستعداد الاقتصادي يستدعي موازنة طوارئ واضحة، تتضمن حماية الأسر الأضعف ودعما مؤقتا للمنشآت والقطاعات المتضررة، إلى جانب تقديم معلومات رسمية منتظمة تحد من الشائعات والقلق.
ويحذر الشوبكي من التهافت على شراء الوقود وتخزينه داخل المنازل، داعيا الأسر إلى الاحتفاظ باحتياجات معقولة من المياه والغذاء والأدوية ومستلزمات الطوارئ، دون الإضرار بسلامتها أو زيادة الضغط على الأسواق.
وفي إطار تقليل الاعتماد على الاستيراد، تعمل الحكومة على تطوير حقل غاز الريشة، عبر خطة تستهدف رفع الإنتاج إلى أكثر من 400 مليون قدم مكعب يوميا بحلول عام 2029.
وتشير وزارة الطاقة إلى إحالة عطاء لحفر 80 بئرا، بالتوازي مع التحضير لإنشاء خط لنقل الغاز من الحقل إلى مراكز الاستهلاك.
ويبلغ متوسط استهلاك الأردن اليومي من الغاز نحو 340 مليون قدم مكعب، ما يجعل تحقيق مستويات الإنتاج المستهدفة خطوة مهمة نحو تغطية الطلب المحلي.