تشكل الزراعة حالياً أكثر من خُمس الإيرادات الناتجة عن أنشطة مراقبة الأرض.
تحوّل الفضاء من مجرد ساحة للتنافس بين الحكومات ووكالات الاستكشاف العلمي إلى صناعة اقتصادية متكاملة، حيث تقترب إيراداتها العالمية من 600 مليار دولار سنوياً. ويعود هذا النمو إلى التوسع في خدمات الاتصالات والملاحة ومراقبة الأرض، فضلاً عن زيادة الاستثمارات الخاصة في تصنيع الأقمار الصناعية وإطلاقها وتطوير التطبيقات التجارية المعتمدة على بياناتها.
وفي تقريرها المعنون بـ"اقتصاد الفضاء بالأرقام 2026"، قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الإيرادات المرتبطة بالأنشطة الفضائية عالمياً بنحو 550 إلى 600 مليار دولار خلال عام 2025، مع اختلاف النطاق والمنهجيات المستخدمة في احتساب حجم السوق. وبذلك تقترب هذه الأرقام من حجم صناعة أشباه الموصلات العالمية، التي قُدرت بنحو 620 مليار دولار في عام 2024.
يُظهر هذا النمو تحول الفضاء من نشاط تقني محدود إلى بنية تحتية حيوية تعتمد عليها قطاعات اقتصادية متزايدة. فقد أصبحت الأقمار الصناعية عنصراً أساسياً في تشغيل شبكات الاتصالات، وتحديد المواقع، ومراقبة حركة السفن والطائرات، وإدارة سلاسل الإمداد، والتنبؤ بالطقس، ومتابعة المحاصيل الزراعية ومخاطر الكوارث الطبيعية.
ولا تقتصر القيمة الاقتصادية لهذه الصناعة على تصنيع الصواريخ والأقمار الصناعية وإرسالها إلى المدار فحسب، بل يمتد الجزء الأكبر من النشاط التجاري إلى الخدمات والتطبيقات التي تستخدم البيانات والإشارات الفضائية في الأنشطة اليومية للشركات والحكومات.
23 مليار دولار استثمارات خاصة خلال عام
يزداد اهتمام المستثمرين بالقطاع تدريجياً، مع انتقاله من مرحلة الرهانات على التكنولوجيا المستقبلية إلى تمويل الشركات التي أثبتت قدرتها على تحقيق إيرادات تجارية فعلية.
وارتفعت الاستثمارات الخاصة في شركات الفضاء عالمياً إلى 23 مليار دولار خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يونيو 2026، مسجلة زيادة بأكثر من الضعف مقارنة بالفترة السابقة، وفقاً لتقرير أصدرتاه شركتا "سيرافيم" و"ريلم إنشورانس" ونقلتة وكالة رويترز في سبتمبر الماضي.
وأوضح التقرير أن إدراج شركة "سبيس إكس" في البورصة خلال يونيو ساهم في جذب مستثمرين جدد إلى القطاع، وشجع صناديق رأس المال المخاطر على البحث عن شركات فضاء أخرى قادرة على تحقيق عوائد مماثلة.
وتتجه الاستثمارات بشكل متزايد نحو الشركات العاملة في مراقبة الأرض وتحليل بيانات الأقمار الصناعية، وتصنيع المكونات وسلاسل توريد الأقمار، إلى جانب مشروعات التصنيع داخل المدار، رغم أن الأخيرة لا تزال تواجه تحديات تتعلق بتكلفة الإطلاق وإعادة المنتجات إلى الأرض.
وقال أندرو بونيك، نائب رئيس تطوير المنتجات في "ريلم إنشورانس"، لرويترز، إن القيمة الحقيقية في أنشطة مراقبة الأرض تكمن في تحليل البيانات، مشيراً إلى أن العملاء لا يشترون خدمات فضائية بحد ذاتها، بل يشترون إجابات عن احتياجات عملية مثل تحديد مواقع السفن، واختيار مواعيد الزراعة، ومراقبة المنشآت الصناعية، ورصد المناطق المعرضة لحرائق الغابات.
الأقمار الصناعية تقود التوسع التجاري
يكشف نمو البنية التحتية الفضائية عن حجم التحول الذي تشهده الصناعة، إذ تجاوز عدد الأقمار الصناعية العاملة حول الأرض 14 ألف قمر بنهاية عام 2025، قبل أن يقترب من 15 ألفاً بحلول منتصف عام 2026، وفق ما أعلنته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وشهد عام 2025 تنفيذ 296 عملية إطلاق فضائية حملت رقماً قياسياً بلغ 4434 قمراً صناعياً إلى المدار، وفقاً لتقرير جمعية صناعة الأقمار الصناعية الأمريكية الصادر في مايو 2026.
وتستحوذ الشركات الخاصة على النصيب الأكبر من النشاط الجديد؛ إذ شكل المشغلون من القطاع الخاص 88% من الأقمار التي أُطلقت خلال عام 2025، مقارنة بنحو 23% فقط في عام 2010، وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وتركز المنافسة بشكل رئيسي في خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، التي تتيح توفير الاتصال في المناطق النائية والبحرية والجوية، وتفتح أسواقاً جديدة أمام شركات الاتصالات، خاصة مع توسع شبكات الأقمار ذات المدار الأرضي المنخفض التي توفر زمناً أقل لوصول الإشارة مقارنة بالأنظمة التقليدية.
وتتصدر خدمة "ستارلينك"، التابعة لشركة "سبيس إكس"، هذا النشاط من خلال شبكتها الواسعة، حيث تشير تقديرات المنظمة إلى أن إيرادات الخدمة اقتربت من 11.4 مليار دولار خلال عام 2025، مع توسع قاعدة المشتركين وتنوع الخدمات المقدمة للأفراد والشركات.
ولا يقتصر التوسع على خدمات الإنترنت فحسب، إذ زاد عدد مشتركى الإنترنت عبر الأقمار الصناعية عالمياً بنسبة 62% خلال عام 2025، ليتجاوز 10 ملايين مشترك، فيما ارتفعت إيرادات خدمات الاتصالات الفضائية عريضة النطاق بنحو 16%، وفق جمعية صناعة الأقمار الصناعية.
خدمات البيانات تفتح أسواقاً بمليارات الدولارات
تتزايد أهمية الأنشطة التي تحول الصور والإشارات الفضائية إلى معلومات قابلة للاستخدام التجاري، لا سيما في قطاعات الزراعة والطاقة والتأمين والنقل.
وتتوقع وكالة الاتحاد الأوروبي لبرنامج الفضاء أن تتجاوز إيرادات خدمات مراقبة الأرض 7.9 مليار يورو بحلول عام 2034، مقابل 3.5 مليار يورو في عام 2024، مع اتساع استخدام الصور الفضائية في متابعة المحاصيل، وإدارة الموارد الطبيعية، ومراقبة البنية التحتية والمنشآت الصناعية.
وتشير الوكالة إلى أن الزراعة وحدها تمثل أكثر من خُمس إيرادات أنشطة مراقبة الأرض حالياً، بينما أصبحت خدمات تحليل البيانات الفضائية جزءاً متزايد الأهمية من قرارات الشركات، سواء في تحديد مواقع الاستثمار أو قياس المخاطر التشغيلية والبيئية.
كما تتوقع الوكالة أن تتجاوز الإيرادات المرتبطة بخدمات الملاحة عبر الأقمار الصناعية 580 مليار يورو خلال الفترة حتى عام 2034، مع نمو التطبيقات التي تعتمد على تحديد المواقع في الخدمات اللوجستية والنقل والتمويل والزراعة.
وتعني هذه الأرقام أن العائد الاقتصادي من الفضاء لم يعد مرتبطاً فقط بالشركات التي تمتلك الصواريخ أو الأقمار الصناعية، بل يمتد إلى شركات البرمجيات وتحليل البيانات والاتصالات والتأمين، التي تستخدم البنية التحتية الفضائية لتقديم خدماتها.
الحكومات لاتزال الممول الأكبر للبنية الأساسية
ورغم تصاعد دور القطاع الخاص، تظل الحكومات لاعباً رئيسياً في تمويل الصناعة وتشكيل الطلب على خدماتها، سواء عبر برامج الاستكشاف العلمي أو عقود الدفاع والأمن والاتصالات.
وارتفعت الموازنات المدنية للفضاء في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى 46.4 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 40.5 مليار دولار في عام 2022، بزيادة تقارب 15%.
كما أظهر التقرير أن البرامج العسكرية مثلت 46.3% من الإنفاق الحكومي الأمريكي على الفضاء خلال عام 2025، مقابل 25% في فرنسا و14.8% في اليابان، في انعكاس لتزايد أهمية الأقمار الصناعية في الاتصالات الآمنة والمراقبة والاستطلاع والإنذار المبكر.
وتسعى الحكومات إلى تعزيز قدراتها المستقلة في هذا المجال، مع زيادة الاعتماد على الأقمار الصناعية في تشغيل البنية التحتية الحيوية، وتقليل مخاطر انقطاع الاتصالات أو خدمات الملاحة، خصوصاً في أوقات الأزمات.
احتكار المدار ومخاطر الحطام الفضائي
لكن التوسع السريع في النشاط الفضائي يثير تحديات تتعلق بتركز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات والدول، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بازدحام المدارات وتراكم الحطام الفضائي.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الولايات المتحدة استحوذت على نحو 76% من الأقمار الصناعية العاملة بنهاية عام 2025، بينما تتركز نسبة كبيرة من النشاط التجاري في عدد محدود من المشغلين، وهو ما يثير تساؤلات حول المنافسة وإمكانية وصول الشركات والدول الأصغر إلى البنية التحتية والخدمات الفضائية.
كما يتجاوز عدد الأجسام الفضائية التي يمكن تتبعها بانتظام 45 ألف جسم، في حين تقدر المنظمة وجود أكثر من 140 مليون جسم أصغر حجماً يصعب تتبعها، لكنها قد تشكل خطراً على الأقمار الصناعية والمركبات العاملة في المدار.
وتحذر المنظمة من أن الاعتماد المتزايد على الخدمات الفضائية يجعل أي تعطل أو هجوم إلكتروني أو تشويش على إشارات الملاحة والاتصالات قادراً على إحداث تأثيرات تمتد إلى قطاعات النقل والطاقة والاتصالات وسلاسل الإمداد.
وبذلك يقف اقتصاد الفضاء أمام معادلة مزدوجة؛ فكلما انخفضت تكلفة الوصول إلى المدار واتسعت التطبيقات التجارية، زادت فرص الاستثمار والنمو، لكن الحفاظ على استدامة البنية التحتية الفضائية وضمان المنافسة سيصبحان شرطين أساسيين لاستمرار توسع الصناعة.