لم تكن القاهرة في كتابات الروائي والصحفي جمال الغيطاني مجرد مكان تدور فيه الأحداث، بل تحولت إلى كائن حي يحتفظ بذاكرة العصور، ويختزن بين أزقته وحاراته وجدرانه حكايات البشر وتحولات السلطة والمجتمع.
فمن خلال استعادة التاريخ واستنطاق العمارة، منح الغيطاني القاهرة صوتًا سرديًا يكشف ما تخفيه الأماكن من طبقات الزمن.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في كتابه «ملامح القاهرة في ألف سنة»، الذي قدم فيه قراءة للمكان القاهري بوصفه سجلًا مفتوحًا للتاريخ، تتجاور فيه الشواهد المعمارية مع الحكايات الشعبية والوقائع السياسية والاجتماعية.
فالمباني والمساجد والأسوار والأزقة ليست مجرد آثار صامتة، وإنما شواهد على حياة أجيال متعاقبة تركت بصمتها في ذاكرة المدينة.
وفي روايته «الزيني بركات»، يستلهم الغيطاني أجواء العصر المملوكي، مستعيدًا عالمًا تتشابك فيه السلطة والرقابة والخوف، في قراءة روائية تتجاوز الماضي لتلامس أسئلة الحاضر.
أما في «حكايات المؤسسة»، فيواصل تفكيك العلاقة بين الفرد والسلطة، مستعينًا ببناء سردي يكشف آليات الهيمنة والتحكم في المصائر.
ولم ينفصل هذا الانشغال بالقاهرة عن اهتمام الغيطاني بالتراث المعماري والتاريخي، فقد رأى في الحارات والأحياء القديمة مستودعًا للذاكرة المصرية، تتجسد فيه ملامح الهوية وتحولات الحياة اليومية.
ومن هنا، أصبحت المدينة في مشروعه الأدبي مساحة للحوار بين الماضي والحاضر، وبين ما تحفظه الجدران وما ينساه الناس.
إن قراءة القاهرة في كتابات جمال الغيطاني تتيح اكتشاف مدينة لا تتوقف عن رواية تاريخها؛ فكل حجر يحمل أثرًا، وكل حارة تختزن حكاية، وكل مبنى يفتح نافذة على زمن مضى، لكنه يظل حاضرًا في وجدان المكان والإنسان.