ستار كاووش
وصل القطار القادم من هولندا الى مدينة فرانكفورت الألمانية في الساعة الرابعة مساءً، وقفتُ أمام بوابة المحطة بواجهتها الزجاجية المقوسة، ورفعتُ رأسي نحو تمثال أطلس الذي إنتصبَ فوق هامة المحطة حاملاً على كتفيه كرته السماوية وتحيط به شخصيتان ترمزان للبخار والكهرباء، والتمثال إستعادة لهذا البطل الأغريقي واستخدامه كرمزٍ لعصر التكنولوجيا حيث قرَّبَت القطارات هذا العالم وجعلته بين أيدي الجميع. لم يكفِ ما تبقى من اليوم لزيارة معرض الكتاب، فأكملت طريقي في شارع كايسر حيث الفندق الذي يبعد خمس دقائق مشياً عن المحطة. وضعتُ حقيبتي هناك وتجولتُ قليلاً في المدينة، ثم عدتُ بعد أن تبضعتُ بعض الاشياء الصغيرة. وما أن أشرقت شمس اليوم التالي، خرجتُ مبكراً نحو معرض الكتاب الذي يبعد مسافة قصيرة عن يسار المحطة.
اقتربت من البنايات العملاقة التي ضمت معرض الكتاب، حيث بدا الناس القادمين للمعرض كأنهم أمواج بحر عاتية، يجرون خطاهم نحو البوابة الرئيسية. إنتظرتُ بعض الوقت في طابور قطع التذاكر الذي يقع في الطابق الأول، وأخذت بطاقتي ومضيت الى الداخل لا ألوي على شيء، حيث ينتظرني عالم الكتاب ودور النشر والثقافة الورقية التي مازالت مزدهرة وحاضرة. ها أنا إذن في أكبر معرض للكتاب في العالم، بدورته الثامنة والسبعين، فمن أين أبدأ وسط هذه الجموع وكيف سأنهي الساعات القادمة من هذا اليوم؟ ُفتحت خريطة المعرض وتعرفت على أماكن دور النشر، ثم بدأتُ بالدور العربية التي اخذت اماكنها بشكل احتفالي وسط فناجين القهوة، وأكملتُ طريقي نحو الدور الهولندية التي تميزت باللون البرتقالي الذي يجذبك من بعيد.
أماكن مفتوحة على بعضها ودور نشر تتداخل في الحوار وانفتاح الثقافة، وقد تركز الاهتمام الكبير في هذه الدورة على دور النشر التي جاءت من جمهورية التشيك التي تعتبر ضيف المعرض لهذه السنة. إنتبابني الفضول فدخلتُ وسط مجموعة الزائرين في أحد الأجنحة التشيكية، وهناك اقتربت مني فتاة نشيطة تمسك مجموعة من الاوراق والكتلوكات وسألتني إن كنت أتكلم التشيكية قبل أن تمد لي بعض الاستمارات، فقلتُ لها مبتسماً بأني لا أتحدث لغتها، فضحكتْ ومضت بين الجمع الذي أزدحم بانتظار إحدى الندوات.
الكتب وعالمها هنا تقول لك كل شيء، فيما عشرات الحوارات والمقابلات التي ملأت كل الزوايا والمنعطفات، حيث الكتّاب المشاهير وممثلي دور النشر والمؤسسات التي تُعنى بصناعة الكتاب. التلفزيونات تصور احتفالات في صالات مفتوحة، والبرامج التسجيلية تنصب كامراتها في زوايا مختلفة لتسجيل حوارات مع كُتاب سبقتهم شهرتهم لهذا المكان. كل اللغات تسمعها هنا وكل السحنات تشاهدها وتتعرف عليها. ألوان وابتسامات وأفواج من الناس والكتب والحكايات التي لا تنتهي عند بلد ولا تتوقف بحدود مدينة.
أنت في عالم الكتب الذي لا يضاهيه عالم آخر، تقف وسط آلاف الأجنحة الصغيرة والكبيرة لدور النشر التي إنزرعت في هذا المكان مثل غابة ساحرة، وفوق هذا توزعت عشرات المقاهي التابعة للمعرض، والتي امتلأت ايضاً بلقاءات وحوارات حولَ آخر مستجدات الكتب. وبين ربوع هذا المعرض الذي امتلأ بالناس الذين جاءوا من كل العالم، كان إسم غزة حاضراً في الكثير من الأحاديث والحوارارات وبمختلف اللغات، وهذا مؤشر واضح على تغير عقلية الناس وخاصة في بلد مثل ألمانيا.
أتجول بين زحام الناس هنا وكأني في عالم خيالي بعيد، حيث الكتاب مازال حياً، وهذه هي البهجة الحقيقية وسط تبادل المعلومات وطرح الكثير من القضايا التي تتعلق بحقوق النشر والذكاء الاصطناعي والانفتاح على الآخر، هكذا شعرت بأني أعيش وسط هذا التنوع الفريد. أكملت طريقي بين زحام الناس حتى وصلتُ الى بعض دور النشر التي تهتم بالكتب الفنية، التي تطاير منها الجمال بشكله اللافت والمختلف. يثم جاءت القصص المصورة التي أخذت دورها ايضاً واثبتت بـأن حضورها لم يخفت حتى مع الاجيال الجديدة. بعد بضع ساعات من التجول بين هذه الجنة الواسعة من الكتب، فكرت أن استريح لبعض الوقت، وما أن توجهت الى واحدة من المقاهي، حتى توقفتُ من جديد قربَ صالة مفتوحة هي (الصالة العالمية) التي امتلأت بالناس، الذي جاءوا للاستماع للكاتب الفلسطيني محمود منى الذي تحدث باللغة الإنجليزية عن كتابة (فجر غزة) حيث كان الحضور رائعاً، واستمع الجميع اليه بجدية وتفاعل وهو يخبرهم عن أحلام الفلسطينيين وثقافتهم وروح الأمل لديهم.
لا يكفي الوقت للتوقف عند كل التفاصيل، مع هذا شعرتُ بأني وأنا أتجول هنا، كأني أتنقل بين لوحات المتاحف، أتطلع الى ألوان اغلفة الكتب والرسومات التي طبعت عليها، كذلك العناوين التي تقول الكثير، والتصاميم التي تحكي جانباً من روعة هذا العالم. بين هذه الكتب إستعدتُ ضاحكاً مقولة يرددها البعض(لا تُقَدِّر قيمة الكتاب من غلافه) لكني افعل عكس ذلك في الغالب، لأن عنوان الكتاب واختيار لوحة الغلاف وحتى توزيع الحروف هي شيء أساسي للتعرف على محتواه، وهي البريق الخاص الذي يجذبك للامساك به دون غيره، انه السر الغريب الذي يقربك من كتاب ما، قبل ان تفتحه.
يبقى الكتاب هو عالم المعرفة والجمال والابداع المتفرع مثل شجرة متشابكة الأغصان، كل ورقة منها هي عالم خاص. ووسط كل ذلك تنبعث رائحة الطباعة المذهلة والحبر الذي تشعر بأنه لم يجف بعد. هذه الرائحة التي يعرفها محبي الكتب، انها الخطوة الاولى في العلاقة مع الكتاب، وهي دليل حي على ولادته، هكذا يُخلق الكتاب، وتصير له أجنحة يطير بها نحو هذه المكتبة أو تلك الفترينة، فتتلقفه الأيدي مثل رغيف خبز ساخن، يفعل فعله العظيم أزاء الجوع المعرفي.
ها أنا قد أنهيتُ جولتي في معرض الكتاب، لكن هل ستنتهي جولة حياتي مع الكتب؟ خرجت منتشياً نحو مركز المدينة، وهناك بين الفندق والمعرض كانت مقهى هوفننغ تفتح أبوابها، كأنها تنتظرني. دلفتُ الى الداخل وطلبت فنجان قهوة مع قطعة كيك (فرانكفورت كرانز) الذي تشتهر به المدينة، واخذت افكر بفرانكفورت وأهلها الذين لم يكتفوا بانجاز معرض عظيم للكتاب، بل أكبر معرض للكتاب في العالم.
The post باليت المدى: معرض فرانكفورت للكتاب appeared first on جريدة المدى.