يُمثل قطاع الصيرفة الإسلامية أحد مكونات المنظومة المصرفية الداعمة لتنويع الاقتصاد العُماني، ويحتل بنك نزوى، باعتباره أول بنك إسلامي متكامل في السلطنة، مكانة تجعل أداءه المالي وخياراته الاستراتيجية موضع اهتمام يتجاوز حدود مساهميه إلى القطاع المصرفي ككل.
وتكشف النتائج المالية للتسعة أشهر الأولى من عام 2026 عن تراجع لافت في أداء البنك؛ إذ انخفض صافي الربح إلى 7.05 مليون ريال عُماني، مقارنة بـ14.82 مليون ريال في الفترة المماثلة من العام السابق، بتراجع نسبته 52.5%. وفي المقابل، ارتفع صافي مخصصات الخسائر الائتمانية بنحو 120% ليبلغ 13.62 مليون ريال، وزادت المصروفات التشغيلية بنسبة 14.62% إلى 23.85 مليون ريال، في حين لم يتجاوز نمو دخل العمليات 2.8%، ليصل إلى 45.40 مليون ريال.
وتشير هذه المؤشرات إلى اجتماع 3 ضغوط على الربحية: النمو المحدود في الإيرادات، وارتفاع التكاليف التشغيلية، والقفزة الكبيرة في المخصصات. ويستدعي ذلك فحصًا دقيقًا لجودة المحفظة التمويلية، وأسباب ارتفاع المخصصات، ومدى كفاءة الإنفاق التشغيلي، دون افتراض أنَّ الأرقام وحدها تثبت وجود خلل هيكلي في إدارة المخاطر.
أولًا: التحولات في قرارات رأس المال
في يناير 2025، أعلن البنك مقترح إعادة شراء أسهم بقيمة تصل إلى 5 ملايين ريال عُماني، قبل أن يتجه في يوليو وسبتمبر من العام نفسه إلى تعزيز رأس المال، مع سحب برنامج إعادة الشراء وإعطاء الأولوية لإصدار رأس مال إضافي من الشريحة الأولى بقيمة تصل إلى 60 مليون ريال.
ويعكس هذا التحول تغيرًا في أولويات تخصيص رأس المال، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق التخطيط الاستراتيجي مع احتياجات البنك المستقبلية. صحيحٌ أن إعادة شراء الأسهم قد تعكس تقييمًا معينًا لاحتياجات رأس المال، لكنها لا تثبت وحدها وجود فائض نقدي، كما أن عدم تنفيذ خطة التعزيز الرأسمالي لا يعني تلقائيًا تراجع الملاءة أو نقص السيولة. ومع ذلك، فإن تعاقب هذه القرارات يستوجب توضيح الأسس المالية التي استندت إليها، ومدى ارتباطها بخطط التوسع ومتطلبات كفاية رأس المال وإدارة المخاطر.
ثانيًا: المخصصات والتكاليف وجودة النمو
يمثل ارتفاع صافي مخصصات الخسائر الائتمانية إلى 13.62 مليون ريال أحد أبرز مصادر الضغط على الأرباح. لكن تحديد دلالته يتطلب معرفة ما إذا كانت الزيادة ناجمة عن تعثرات لدى عدد محدود من العملاء، أم عن تدهور أوسع في جودة المحفظة التمويلية، أم عن تغيرات في تقدير المخاطر والمخصصات الاحترازية.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت المصروفات التشغيلية بوتيرة تفوق نمو دخل العمليات، وهو ما يستدعي مراجعة كفاءة التشغيل ومصادر الزيادة في التكاليف، والتمييز بين النفقات الاستثمارية الضرورية والمصروفات المتكررة التي قد تُثقل الربحية مستقبلًا. وتبلغ نسبة التكلفة إلى الدخل نحو 52.5% خلال الأشهر التسعة، مقابل قرابة 59.9% في الربع الثالث وحده، وهو تمييز مهم عند تقييم تطور الكفاءة التشغيلية.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس الاكتفاء برصد تراجع الأرباح، بل الإفصاح عن أسبابه، وتوزيع المخصصات بحسب القطاعات، وتطور التمويلات المتعثرة، ومؤشرات كفاية رأس المال وجودة الأصول. فهذه البيانات هي التي تسمح بالحكم على ما إذا كانت الضغوط مؤقتة أم تعكس تحديات أعمق في سياسات التمويل وإدارة المخاطر.
ثالثًا: الاندماج المقترح والحوكمة
في يوليو 2026، أعلن بنك نزوى تقديم خطاب نوايا غير ملزم للاستحواذ على كامل رأس المال المصدر لبنك العز الإسلامي، تمهيدًا لضمّه إلى بنك نزوى، بقيمة استرشادية تعادل 1.2 مرة القيمة الدفترية، مع خضوع الصفقة للفحص النافي للجهالة والاتفاق النهائي والموافقات اللازمة.
وقد يتيح الاندماج توسيع قاعدة العملاء والأصول، وتعزيز القدرة التنافسية، وتحقيق وفورات في التكاليف. غير أن نجاحه لا يُقاس بحجم الأصول المجمعة وحده، بل بقدرته على تحسين العائد على رأس المال، وجودة الأصول، وكفاءة التشغيل، واستدامة الأرباح، مع احتساب تكاليف الدمج ومخاطره.
ولا تتوافر، بمجرد تزامن الاندماج مع تراجع الأرباح، أدلة كافية للجزم بأنه جاء نتيجة مباشرة لتعثر الخيارات الرأسمالية السابقة أو لمعالجة أزمة مالية. لكن هذا التزامن يجعل من الضروري تقييم الصفقة في ضوء الوضع المالي الفعلي للبنك، والإفصاح عن مبرراتها الاقتصادية، ومصادر تمويلها، وأثرها المتوقع في المساهمين، ولا سيما مساهمي الأقلية.
كما أن دخول مجموعة "أومينفست" في المشهد الاستثماري يضاعف أهمية وضوح المسؤوليات، وفاعلية الرقابة، ومساءلة الإدارة التنفيذية، ووضع أهداف قابلة للقياس لجودة الأصول والتكاليف والعائد على رأس المال.
لا تثبت النتائج الأخيرة أن بنك نزوى يواجه أزمة ملاءة، لكنها تكشف عن تراجع حاد في الربحية، وارتفاع كبير في المخصصات، وضغوط على كفاءة التشغيل. وهي مؤشرات تستوجب تفسيرًا واضحًا من مجلس الإدارة، ومراجعة دقيقة للعلاقة بين التوسع ومتطلبات رأس المال وإدارة المخاطر.
إنَّ التحدي الحقيقي أمام البنك لا يتمثل في زيادة حجم أعماله فحسب، بل في تحويل خياراته الاستراتيجية إلى نمو مستدام وربحية أفضل ومخاطر منضبطة. ومن هنا، ينبغي أن يستند الاندماج المقترح إلى تقييم مستقل وجدوى اقتصادية واضحة، وأن تقترن المرحلة المقبلة بتخطيط رأسمالي متسق وشفافية تحمي حقوق جميع المساهمين وتعزز الثقة في القطاع المصرفي العُماني.