يكرم مهرجان تورينو السينمائي الممثل الأمريكي جون ترافولتا بجائزة عن مجمل مسيرته، ضمن الدورة الـ44 التي تقام في المدينة الإيطالية بين 24 نوفمبر/تشرين الثاني و2 ديسمبر/كانون الأول 2026، بالتزامن مع عرض فيلمه الأول مخرجا "بروبلر: رحلة ليلية باتجاه واحد" (Propeller One-Way Night Coach).
ويمثل عرض تورينو الظهور الدولي الثاني للفيلم في مهرجان سينمائي، بعد تقديمه للمرة الأولى عالميا ضمن قسم "عروض كان الأولى" خلال الدورة الـ79 من مهرجان كان في مايو/أيار الماضي، قبل إتاحته عبر منصة "أبل تي في" في 29 من الشهر نفسه. ويستند الفيلم إلى كتاب أطفال أصدره ترافولتا عام 1997، ويجمع فيه بين شغفه بالطيران وخبرته السينمائية، إذ تولى كتابة العمل وإخراجه وروايته وإنتاجه، بعد مسيرة امتدت أكثر من نصف قرن أمام الكاميرا.
تدور أحداث "بروبلر: رحلة ليلية باتجاه واحد" خلال ما يصفه العمل بالعصر الذهبي للطيران، حول طفل يدعى جيف، يؤدي دوره الممثل الصاعد كلارك شوتويل، ويحلم منذ سنوات بركوب الطائرة.
ينطلق جيف مع والدته في رحلة طويلة باتجاه واحد عبر الولايات المتحدة إلى هوليوود، مستخدمين عدة رحلات جوية متصلة، بعدما ادخر الطفل المال وساعد في التخطيط للطريق بين نيوارك ولوس أنجلوس.
وتتحول الرحلة من وسيلة انتقال إلى مغامرة تشكل مستقبل الصبي، من خلال الوجبات المقدمة على الطائرات، والمضيفات، والتوقفات غير المتوقعة، والركاب ذوي الشخصيات الغريبة، ونظرته الأولى إلى مقاعد الدرجة الأولى.
وتؤدي كيلي إيفستون كوينيت دور والدة جيف، بينما تظهر إيلا بلو ترافولتا، ابنة المخرج، وأولغا هوفمان في دوري مضيفتين. ويشارك في العمل كذلك إدوار فيليبونا، ويتولى ترافولتا مهمة الراوي.
وتصف النسخة الأصلية من الكتاب الأم بأنها ممثلة تعمل في أفلام الدرجة الثانية، وتمتلك قدرة على جذب الرجال وتحويل المواقف اليومية إلى مغامرات، بينما يتابع ابنها الرحلة بفضول طفل يرى عالم الطيران للمرة الأولى.
ويتألف الكتاب، الذي نشرته "وارنر بوكس" تحت عنوان فرعي هو "حكاية خرافية لجميع الأعمار"، من 42 صفحة، وكتب ترافولتا نصه ورسومه مستندا إلى افتتانه المبكر بالطائرات والسفر.
لا يمثل اختيار الطيران موضوعا لأول أفلام ترافولتا الإخراجية مصادفة، إذ عرف الممثل بشغفه بالطائرات منذ طفولته، وحصل على تراخيص مهنية لقيادة عدد من الطرز.
ويجمع الفيلم بين السيرة المتخيلة والحكاية العائلية والحنين إلى زمن كانت فيه الرحلة الجوية حدثا استثنائيا، وليست مجرد وسيلة سريعة للانتقال. ويستعيد تفاصيل مثل ملابس المضيفات ووجبات الطائرات والتوقفات المتعددة، حين كانت الرحلات الداخلية الطويلة تمر عبر عدة مدن قبل الوصول إلى وجهتها النهائية.
ولا يقدم ترافولتا تجربته الأولى خلف الكاميرا من خلال فيلم حركة أو جريمة يشبه أشهر أدواره المتأخرة، بل عبر حكاية عائلية هادئة تستعيد طفولة مشبعة بحلم الطيران والوصول إلى هوليوود.
يأتي تكريم تورينو بعد أشهر من منح مهرجان كان ترافولتا سعفة ذهبية فخرية تقديرا لإسهامه في السينما، خلال العرض العالمي الأول لفيلمه الأول كمخرج.
وعاد ترافولتا بالفيلم إلى كان بعد نحو ثلاثة عقود من حضوره البارز في المهرجان، فقد شارك "بالب فيكشن" (Pulp Fiction) عام 1994 في المسابقة، وفاز العمل بالسعفة الذهبية، ثم حضر بفيلم "إنها جميلة جدا" (She s So Lovely) عام 1997، قبل عرض "ألوان أساسية" (Primary Colors) خارج المسابقة عام 1998.
واعتبر المدير الفني لمهرجان تورينو جوليو باسي أن الشخصيات التي قدمها ترافولتا تجاوزت الشاشة وأثرت في سلوك الجمهور وملابسه وتسريحات شعره وطريقة حركته، مضيفا أن الممثل عبر عن رغبات أجيال مختلفة وتنقل بين الأنواع السينمائية على مدى عقود.
ولا تعود هذه المكانة إلى عدد الأفلام وحده، بل إلى ارتباط ترافولتا بعدة تحولات في الثقافة الشعبية الأمريكية، بدءا من صعود موسيقى الديسكو في السبعينيات، مرورا بالأفلام الموسيقية والكوميديا، وحتى أفلام الجريمة والحركة.
ولد جون ترافولتا في نيوجيرسي عام 1954، وترك المدرسة في سن الـ16 ليتفرغ للتمثيل، قبل أن يلفت الأنظار بدور فيني باربارينو في المسلسل الكوميدي "مرحبا بعودتك يا كوتر" (Welcome Back, Kotter).
انتقل إلى النجومية السينمائية من خلال "حمى ليلة السبت" (Saturday Night Fever) عام 1977، مجسدا شخصية توني مانيرو، الشاب المنتمي إلى الطبقة العاملة الذي يعثر فوق حلبة الرقص على مساحة تمنحه الثقة والاعتراف اللذين يفتقدهما في حياته اليومية.
جعل الفيلم بذلاته البيضاء وطريقة رقصه وتسريحة شعره جزءا من صورة عصر الديسكو، ومنحه أول ترشيح لجائزة أوسكار أفضل ممثل. وعزز مكانته في العام التالي عبر الفيلم الموسيقي "غريس" (Grease)، أمام أوليفيا نيوتن جون، وهو العمل الذي تحول إلى أحد أشهر الأفلام الغنائية في تاريخ السينما الجماهيرية.
واصل ترافولتا تنقله بين الأنواع في "راعي البقر الحضري" (Urban Cowboy) و"انفجار" (Blow Out)، لكنه تعرض خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات لتراجع مهني، رغم النجاح التجاري لسلسلة "انظر من يتكلم" (Look Who s Talking).
استعاد حضوره بقوة عندما اختاره كوينتن تارانتينو لأداء شخصية رجل العصابات فنسنت فيغا في "بالب فيكشن"، وهو الدور الذي منحه ترشيحه الثاني للأوسكار وفتح أمامه مرحلة جديدة في أفلام الجريمة والكوميديا والحركة.
وقدم أعمالا بينها "احصل على شورتي" (Get Shorty) و"الوجه الآخر" (Face/Off) و"ألوان أساسية" و"دعوى مدنية" (A Civil Action)، قبل أن يعود إلى الأفلام الغنائية في "مثبت الشعر" (Hairspray) عام 2007، مؤديا شخصية إدنا تيرنبل.
اكتسب مهرجان تورينو، الذي ينظمه المتحف الوطني للسينما، مكانته كواحد من أبرز المهرجانات الإيطالية المهتمة بالأفلام المستقلة والمخرجين الجدد والأشكال السينمائية التجريبية، متميزا عن مهرجانات النجوم والعروض العالمية الكبرى.
وتقام الدورة الـ44 على مدى 9 أيام، ويفتتحها حفل في مسرح "ريجيو" بمدينة تورينو، بينما تتضمن برنامجا استعاديا لأفلام مارلين مونرو.