في زحمة الأعمال الأسبوعية، وبين ما نُظهره للآخرين وما نُخفيه عنهم، وبين محاولاتنا المستمرة للحاق بالتزامات الحياة وتفاصيلها التي لا تنتهي، تمُر أيامنا مُسرعة، حتى نكاد لا نلتفت إلى الأشياء الصغيرة التي ترافقنا خلالها. نركض خلف ما نريد امتلاكه، وننشغل بما ينبغي إنجازه، ونقيس كثيرًا من اختياراتنا بقيمتها المادية أو بما يمكن أن تضيفه إلى حياتنا، لكننا ننسى أن هناك أشياء لا تدخل في حسابات الربح والخسارة، ولا يمكن وضع ثمن لها مهما بلغت قيمتها.
أكادُ أجزمُ أن في أحد أدراج منازلنا تذكرة سفر انتهت صلاحيتها منذ سنوات، أو ورقة صغيرة كُتبت على عجل، أو صورة لم تعد تفاصيلها واضحة تمامًا، أو هدية بسيطة لم تعد تصلح للاستعمال. أشياء قد تبدو للآخرين بلا أهمية، وربما لا نفهم نحن أنفسنا سبب احتفاظنا بها، لكننا نتردد كثيرًا قبل أن نتخلص منها.
والحقيقة أننا لا نحتفظ دائمًا بالأشياء لذاتها، بل بما تركته فينا من أثر. فالتذكرة ليست مجرد ورقة، بل رحلة عشناها، والرسالة ليست حبرًا على ورق، بل صوت شخص نعرفه جيدًا، والصورة ليست مجرد لحظة مجمدة، بل زمن كامل نستطيع العودة إليه بمجرد النظر إليها. بعض الأشياء تفقد وظيفتها بمرور الوقت، لكنها تكتسب معنى آخر لا تستطيع الأيام انتزاعه منها.
المُثير في الأمر أننا نعيش في عالم يدفعنا باستمرار إلى الاستبدال؛ نستبدل هواتفنا، وأثاثنا، وملابسنا، وحتى كثيرًا من تفاصيل حياتنا، لأن هناك دائمًا نسخة أحدث وأكثر تطورًا. لكننا، في المقابل، نحتفظ بأشياء قديمة لا لشيء سوى أنها تحمل جزءًا منَّا. لا تهمنا قيمتها في أعين الآخرين، ولا يعنينا إن كانت تستحق مكانًا في خزانة أو صندوق، فهناك أشياء لا يُمكن تعويضها بشراء نسخة جديدة منها.
ولعلَّ أكثر ما يُثير التأمل أنَّ الأشياء الصغيرة تصبح أحيانًا شاهدًا على مراحل لم نكن نعرف، ونحن نعيشها، أنها ستصبح يومًا ما ذكريات عزيزة. لم نكن نحتفظ بتلك الورقة لأننا توقعنا أن نفتقد زمنها، ولم نلتقط الصورة ونحن نفكر في أننا سنعود إليها بعد سنوات، ولم نحتفظ بهدية بسيطة لأننا كنَّا نعرف أنها ستصبح ذات معنى مختلف في المستقبل. لقد فعلنا ذلك بعفوية، ثم اكتشفنا لاحقًا أن بعض التفاصيل كانت أكبر مما بدت عليه في لحظتها.
ومع ذلك، ليست قيمة هذه الأشياء في قدرتها على إعادتنا إلى الماضي بقدر ما تكمن في تذكيرنا بأننا عشنا، وتأثرنا، ومررنا بتجارب تركت فينا شيئًا يستحق الاحتفاظ به. فالذاكرة لا تحفظ الأحداث الكبرى وحدها، بل تختبئ أحيانًا في تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد سوانا.
ربما لهذا السبب لا نستطيع التعامل مع كل ما نملك بمنطق المنفعة، ولا يمكننا أن نضع لكل شيء تاريخ انتهاء أو قرارًا بالتخلص منه. فبعض المقتنيات لا تشغل مساحة في الأدراج بقدر ما تشغل مساحة في الوجدان.
وفي النهاية، قد نستطيع شراء أشياء كثيرة، وأن نستبدل كل ما يتقادم حولنا، لكننا لن نستطيع شراء اللحظة التي صنعت معنى قطعة صغيرة نحتفظ بها، ولا إعادة الزمن الذي ارتبطت به. فهناك أشياء لا تُباع، ليس لأنها نادرة أو باهظة الثمن، بل لأنها ببساطة تحمل حكاية لا يملك أحد سوانا حق روايتها.