طرابلس– تتحمل ليبيا فاتورة متزايدة لاستيراد المحروقات، بينما تتسرب كميات من الوقود المدعوم إلى أسواق خارجية، في وقت تكشف فيه مراجعات رقابية عن اختلالات في التوريد والقياس وتقدير الاحتياجات، مما يثير تساؤلات بشأن كفاءة إدارة المال العام وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.
وقالت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، في إحاطتها أمام مجلس الأمن يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إن البلاد استوردت وقودا بنحو 8.9 مليارات دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وإن ما بين 30% و40% من الوقود المدعوم يُحوّل إلى التهريب، بخسائر تتجاوز 4.4 مليارات دولار.
وتعكس هذه الأرقام حجم الضغوط التي تواجه الاقتصاد الليبي، لكنها لا تعني أن كامل فاتورة الاستيراد أو الإنفاق على الدعم يمثل خسائر ناجمة عن التهريب.
وقال عبد المنعم زيد، عضو اللجنة العليا المشتركة لتنفيذ خطة التعاون الإستراتيجية لمكافحة الفساد بين ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، إن فحص منظومة دعم المحروقات كشف اختلالات تمتد من التخطيط والتعاقد إلى التوريد والتوزيع والرقابة على الكميات والإيرادات.
وأوضح أن عدد الشركات الموردة تراجع من 17 شركة عام 2022 إلى 6 شركات في عامي 2023 و2024، واستحوذت إحدى الشركات على نحو 43% من قيمة العقود خلال 2024، بما يثير تساؤلات بشأن المنافسة وتركيز التوريدات.
وأضاف -في حديث للجزيرة نت- أن التقرير الرقابي احتسب فروقا مالية بنحو 596.6 مليون دولار في علاوات توريد المنتجات النفطية لعام 2024، وفق منهجيته في المقارنة، وهذه تقديرات رقابية تستلزم التحقق، وليست حكما قضائيا نهائيا بثبوت المسؤولية أو أموالا ثبت استردادها.
ورصد التقرير، بحسب زيد، قصورا في تقدير الاحتياجات، وتعطل بعض أجهزة قياس الكميات، وضعف الربط بين بيانات الاستيراد والمخزون والتوزيع والاستهلاك، كما سجل ارتفاع استهلاك الديزل في قطاع الكهرباء بنسبة 203% مقارنة بعام 2021، وهي زيادة تستدعي التفسير والتحقق، لكنها لا تثبت وحدها وقوع التهريب.
وفي تصريح خاص للجزيرة نت، أوضح مصدر في مصرف ليبيا المركزي أن تمويل واردات الوقود يجري عبر سلفة يقدمها المصرف الليبي الخارجي بناء على مطالبة من المؤسسة الوطنية للنفط، ثم تُخصم قيمتها من إيرادات مبيعات النفط عند ورودها، ويُحال الفرق إلى المصرف المركزي.
وأوضح المصدر أن الآلية جاءت ضمن اتفاق لإلغاء نظام المبادلة المباشرة بين النفط الخام والوقود، الذي قال إنه افتقر إلى الشفافية الكافية في تتبع العمليات، مشيرا إلى أن مسؤولية الكميات والأسعار والتوزيع تقع على المؤسسة الوطنية للنفط، وأن ديوان المحاسبة يتابع الآلية الجديدة.
وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلن ديوان المحاسبة أن الإيرادات النفطية المحصلة في حسابات المؤسسة لدى المصرف الليبي الخارجي بلغت نحو 1.448 مليار دولار خلال الفترة من الأول إلى 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بينما بلغت المخصصات المحالة لتغطية احتياجات المحروقات نحو 864.6 مليون دولار، في حين حُوّلت 577.4 مليون دولار إلى حساب المصرف المركزي خلال الفترة نفسها.
وفي اليوم التالي، أوضح المصرف المركزي، في بيان بتاريخ 18 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أن الإيرادات النفطية الموردة فعليا إلى حساباته منذ بداية الشهر بلغت 934 مليون دولار حتى نهاية دوام ذلك اليوم، مؤكدا أن بياناته لا تشمل الأموال التي لم تُحوّل إليه بعد.
وتبرز هذه البيانات أهمية التمييز بين الإيرادات المحصلة لدى الجهات المختلفة والمبالغ التي وصلت فعليا إلى المصرف المركزي.
من جهته، قال أحمد المسلاتي، الناطق باسم شركة البريقة لتسويق النفط، للجزيرة نت، إن الشركة توثق الكميات المستلمة والمخزنة والمسلمة لشركات التوزيع، وتراجع الاختلافات التي تظهر ضمن عملياتها، لكنه شدد على أن تتبع الوقود بعد تسليمه يتطلب تكامل أدوار الجهات المعنية.
وأضاف أن الازدحام في بعض المناطق لا يعني بالضرورة وجود نقص عام في الإمدادات، إذ تتأثر عملية التوزيع بمواعيد وصول الناقلات والتخزين والنقل البري والبرامج التشغيلية.
وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بحثت المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة تطوير البنية التحتية للإمدادات وزيادة السعات التخزينية ومعالجة اختناقات النقل والضخ.
ويرى الخبير الاقتصادي النفطي منصف الشلوي، في تصريح للجزيرة نت، أن المعالجة تتطلب ميزانا وطنيا يطابق الإنتاج والواردات والمخزون والتوزيع بالاستهلاك الفعلي، إلى جانب تحديث أجهزة القياس وتعزيز تتبع الشحنات وإصلاح الدعم تدريجيا مع حماية محدودي الدخل.
وتأتي هذه الاختلالات في بلد يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على النفط، بينما تظل الرقابة على إدارة الموارد العامة ومكافحة الفساد من أبرز تحديات الحوكمة، وصنفت منظمة الشفافية الدولية ليبيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 في المرتبة 177 من أصل 182 دولة، بدرجة 13 من 100، وفق بياناتها المنشورة في فبراير/شباط 2026.
ولا تتوقف معالجة الملف عند رصد الفروق المالية أو إعلان إجراءات تطوير الإمدادات، بل تتطلب نشر بيانات قابلة للمطابقة، وتحديد المسؤوليات عن كل مرحلة، والتحقق من تنفيذ التوصيات الرقابية وإحالة ما تثبت مخالفته للقانون إلى الجهات المختصة.
فالتحدي -وفق مراقبين- لا يتمثل في تمويل الوقود وحده، بل في ضمان أن تتحول الموارد النفطية إلى إمدادات منتظمة ومنفعة فعلية للمواطن، بدلا من أن تتبدد بين الهدر والاختلالات وشبكات التهريب.