تتصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي بشأن المسار المالي للاقتصاد الأمريكي، في ظل تنامي المخاوف من استمرار ارتفاع الدين العام وتزايد أعباء خدمته، مقابل تمسك واشنطن برهانها على قوة الاقتصاد وقدرته على تحقيق نمو يدعم الإيرادات الحكومية ويحد من الضغوط المالية على المدى الطويل.
ويأتي هذا الخلاف في وقت تجاوز فيه الدين الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار، بالتزامن مع ارتفاع عائدات سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى أكثر من 5%، وهو ما يعيد تسليط الضوء على تكلفة الاقتراض الحكومي، ومدى قدرة الاقتصاد الأكبر في العالم على التعامل مع تراكم الالتزامات المالية دون التأثير سلبا في الإنفاق العام والاستقرار الاقتصادي، بحسب تقرير قناة "القاهرة الإخبارية".
برزت ملامح الخلاف بعدما قلل مسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية من أهمية التحذيرات التي أطلقها صندوق النقد الدولي بشأن تفاقم الدين العام، داعيا المؤسسة الدولية إلى مراجعة سجلها في التوقعات الاقتصادية.
ويعكس هذا الموقف اختلافا في تقدير المخاطر المرتبطة بمستقبل المالية العامة الأمريكية؛ فبينما يركز الجانب الأمريكي على قدرة الاقتصاد على النمو وزيادة الإنتاجية وتوسيع النشاط الاقتصادي، يرى صندوق النقد أن الاعتماد على النمو وحده لا يكفي لضمان استدامة الدين، وأن معالجة الاختلالات المالية تتطلب تحركات مباشرة تتعلق بالإيرادات والنفقات الحكومية.
في تقييمه للاقتصاد الأمريكي الصادر في أبريل الماضي، توقع صندوق النقد الدولي أن يتجاوز إجمالي الدين العام 140% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031، مع استمرار ارتفاع العجز الحكومي خلال السنوات المقبلة.
وتشير هذه التوقعات إلى أن الضغوط المالية قد تستمر إذا لم تتخذ إجراءات تحد من اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات. كما تطرح تساؤلات بشأن قدرة الحكومة الأمريكية على الحفاظ على مستويات الإنفاق الحالية، في ظل تزايد الالتزامات المالية وارتفاع تكلفة الاقتراض.
ولا تتوقف أهمية هذه النسبة عند حجم الدين وحده، إذ إن مقارنته بالناتج المحلي الإجمالي تساعد على تقييم مدى قدرة الاقتصاد على تحمل أعباء الالتزامات المتراكمة. وكلما ارتفعت نسبة الدين إلى حجم الاقتصاد، ازدادت أهمية قدرة الحكومة على إدارة التمويل وخدمة الدين والحفاظ على ثقة المستثمرين.
يمثل ارتفاع مدفوعات الفائدة أحد أبرز التحديات التي تواجه المالية العامة الأمريكية، إذ يمكن أن يؤدي إلى تقليص المساحة المتاحة أمام الحكومة للإنفاق على البنية التحتية والخدمات العامة.
فمع زيادة تكلفة خدمة الدين، يتعين تخصيص موارد أكبر لسداد الفوائد المستحقة على الاقتراض السابق، وهو ما قد يحد من الأموال المتاحة لتمويل مشروعات جديدة أو تعزيز الخدمات الحكومية. كما يمكن أن يقلل ذلك من قدرة الحكومة على التحرك بسرعة عند مواجهة أزمات اقتصادية تتطلب تدخلا ماليا واسعا.
وتزداد حساسية هذا الملف مع ارتفاع عائدات سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى أكثر من 5%، وفقا للأرقام الواردة في النص. فالعائدات المرتفعة تعكس تكلفة أكبر للاقتراض في الأسواق، وقد تزيد الأعباء المالية مع إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الالتزامات القائمة.
في المقابل، تستند الرؤية الأمريكية إلى أن تعزيز النمو والإنتاجية وتوسيع النشاط الاقتصادي يمكن أن يرفع الإيرادات الحكومية تدريجيا، ويخفف عبء الدين مقارنة بحجم الاقتصاد.
ويقوم هذا التصور على أن الاقتصاد الأكثر نشاطا وإنتاجية يمكن أن يوسع القاعدة التي تعتمد عليها الإيرادات العامة، بما يمنح الحكومة مساحة أكبر للتعامل مع التزاماتها المالية. كما تراهن واشنطن على قوة اقتصادها وعمق أسواقها المالية، باعتبارهما عنصرين يدعمان قدرتها على الاقتراض وتوفير التمويل.
لكن هذا الرهان يواجه اختبارا أساسيا يتمثل في مدى قدرة النمو على مواكبة الزيادة المستمرة في الدين وتكاليف خدمته. فارتفاع الناتج المحلي الإجمالي قد يساعد على تحسين نسبة الدين إلى حجم الاقتصاد، إلا أن استمرار العجز بمعدلات مرتفعة قد يحد من أثر هذا التحسن.
قال الدكتور كامل وزنة، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة نيويورك سابقا، إن الإنفاق العسكري يمثل أحد مكونات الإنفاق الحكومي الأمريكي، لكنه ليس العامل الأساسي وراء الارتفاع الكبير في الدين العام، مشيرا إلى أن الإنفاق على برامج الضمان الاجتماعي وخدمة الدين أصبح من أبرز مصادر الضغط على الموازنة الأمريكية.
وأضاف وزنة، أن المديونية الأمريكية شهدت ارتفاعا كبيرا خلال العقود الماضية، إذ بلغت نحو 5.7 تريليون دولار عام 2000، بينما تجاوزت حاليا 40 تريليون دولار، نتيجة أزمات متلاحقة وزيادة الالتزامات المالية للحكومة.
وأوضح أن خدمة الدين الأمريكي باتت تمثل عبئا متزايدا، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتراكم الالتزامات، لافتا إلى أن هذه الأعباء مرشحة لمزيد من التفاقم خلال السنوات المقبلة.