في شتاء 1971–1972، تحوّل الخبز، أكثر مفردات الحياة اليومية ألفةً وارتباطاً بمعنى العيش، إلى مصدر للموت في قرى عراقية عديدة. لم تكن البلاد تواجه مجاعة أو وباءً عابراً للحدود، بل كارثة نشأت من استخدام حبوب مخصصة للزراعة، عولجت بمركّبات الزئبق السامة لحمايتها من الفطريات، ثم طُحنت وخُبزت وأكلتها عائلات لم تدرك حقيقة الخطر الكامن فيها. وخلال أشهر قليلة، أُدخل 6530 مصاباً إلى المستشفيات، توفي منهم 459 شخصاً، وفق الإحصاءات التي وثقتها الدراسات الطبية المعاصرة. غير أن هذه الأرقام، على فداحتها، لم تكن بالضرورة الحصيلة الكاملة للكارثة. وقعت المأساة في مرحلة مفصلية من التاريخ العراقي الحديث. فقد عاد حزب البعث إلى السلطة بانقلاب 17 يوليو 1968، وبدأت محاولة القيادة الجديدة، ترسيخ سلطتها وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، متبنية خطاباً يقوم على التنمية والتحديث وتعزيز السيطرة الوطنية على الموارد. وفي هذا المناخ، تكشف كارثة الحبوب الزئبقية جانباً آخر من تاريخ تلك المرحلة، يتمثل في التناقض بين طموحات الدولة التنموية وقدرتها الفعلية على حماية المواطنين من المخاطر الناجمة عن سياساتها وإجراءاتها الإدارية.
كانت الحبوب التي تسببت في الكارثة جزءاً من برنامج لاستيراد بذور معالجة بمبيدات فطرية. وحسب دراسة نشرها الدكتور كاظم التكريتي والدكتور عبد الوهاب المفتي في نشرة منظمة الصحة العالمية سنة 1976، وُزعت خلال خريف 1971 كميات من القمح والشعير المعالجين بلغت نحو 95 ألف طن. وكان الغرض من المعالجة حماية البذور من الأمراض الفطرية، وليس إعدادها للاستهلاك البشري. غير أن قسماً منها خرج من مساره الزراعي المفترض، وانتهى إلى المطاحن ومن ثم إلى الاستعمال المنزلي. هنا تبدأ الأسئلة التاريخية التي تتجاوز التفسير الطبي. فقد وصلت بعض البذور إلى المزارعين بعد بدء موسم الزراعة، الأمر الذي قلل الحاجة إلى استخدامها في الحقول. وكانت الأكياس تحمل تحذيرات بلغات أجنبية لم يفهمها كثير من المستفيدين، بينما أمكن غسل الصبغة التحذيرية عن الحبوب من دون إزالة المادة السامة. وهذه العوامل، التي سجلتها دراسة الدكتور فرحان باقر وزملائه المنشورة في مجلة «ساينس» الأمريكية سنة 1973، توضح كيف اجتمعت اختلالات التوزيع والتوعية والرقابة لتجعل مادة زراعية خطرة جزءاً من الغذاء اليومي. ولم يكن أثر التسمم فورياً؛ فقد امتدت الفترة الفاصلة بين التعرض للزئبق وظهور الأعراض إلى أسابيع، ووصلت في بعض الحالات إلى نحو ستين يوماً. وهكذا واصلت عائلات تناول الخبز الملوث، من دون أن تربط بين غذائها اليومي والاضطرابات العصبية التي بدأت تظهر تدريجياً. وكان تأخر الأعراض أحد الأسباب الرئيسية لاتساع الكارثة. في 26 ديسمبر 1971، تلقت وزارة الصحة العراقية بلاغاً عن حالات تسمم أُدخلت مستشفى كركوك. وتوجه أطباء عراقيون لفحص المصابين، وبينهم سكان من الحويجة. وسرعان ما تكشفت أعراض خطيرة، شملت اضطراب التوازن وصعوبة الكلام وتدهور البصر والسمع، وصولاً إلى الغيبوبة والوفاة في الحالات الشديدة. ولم تقتصر الإصابة على البالغين، إذ تعرض أطفال للزئبق في أرحام أمهاتهم أو عبر الرضاعة، بما حمله ذلك من آثار عصبية ونمائية طويلة الأمد. ولم تكن تلك الحادثة الأولى من نوعها في العراق؛ فقد شهدت البلاد حالات تسمم بحبوب معالجة بمركّبات زئبقية في عامي 1956 و1960، وإن كانت أقل اتساعاً. وتمنح هذه السابقة الحدث بُعداً تاريخياً إضافياً، إذ لم تكن مخاطر استخدام تلك المركّبات مجهولة تماماً عند وقوع كارثة 1971. ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق بكيفية وصول الحبوب السامة إلى موائد الفلاحين فحسب، بل بمدى استفادة المؤسسات المعنية من الخبرات والتحذيرات السابقة. ومن منظور التاريخ الاجتماعي، تكشف المأساة هشاشة العلاقة بين الريف والدولة المركزية، فقد كان الفلاحون الطرف الأخير في سلسلة قرارات تبدأ بالاستيراد والتعاقد والمعالجة والتوزيع، وتنتهي في القرية، حيث تتحدد الاستخدامات الفعلية للحبوب، وفق الظروف الاقتصادية والمعرفة المتاحة والحاجات اليومية. وبينما امتلكت الدولة سلطة إدخال التكنولوجيا الزراعية وتوزيع مستلزماتها، لم تكن إجراءات الوقاية كافية لضمان عدم تحولها إلى خطر على المستفيدين منها. ولا يعني ذلك تجاهل القرارات الفردية لمن استخدموا الحبوب، وإنما وضعها في سياقها الاجتماعي. فالتحذير المكتوب لا يؤدي وظيفته إذا تعذر فهمه، والمادة السامة لا تصبح آمنة بمجرد غسل لونها، وتوزيع البذور بعد انقضاء الحاجة إليها يخلق احتمالات لاستخدامها خارج الغرض المخصص لها. وهكذا تصبح الكارثة نتيجة تفاعل بين سلوك الأفراد وقصور منظومة الحماية، لا مجرد خطأ ارتكبه فلاحون يجهلون طبيعة المادة التي يتعاملون معها. أما سياسياً، فقد وقعت الحادثة بينما كانت السلطة البعثية تعيد بناء أجهزة الدولة وتوسع حضورها في المجتمع. وكانت السنوات الأولى بعد انقلاب 1968 مرحلة تأسيس لنظام سياسي سيزداد تركيزاً للسلطة لاحقاً. وفي هذا السياق، تكتسب الكارثة دلالة تتصل بمسؤولية المؤسسات العامة عن نتائج قراراتها، وبقدرة المجتمع على مساءلتها. لكن ينبغي التمييز بين هذا التحليل وبين اتهام القيادة السياسية بالتسبب المباشر في التسمم، أو تعمد إخفاء ضحاياه؛ فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى وثائق حكومية وشهادات مستقلة لا توفرها الدراسات الطبية وحدها. وفي المقابل، تستحق الاستجابة العلمية العراقية قراءة منصفة. فقد شارك أطباء وباحثون عراقيون، بينهم الدكتور فرحان باقر والدكتور سالم الدملوجي والدكتورة لمعان أمين زكي، في دراسة الإصابات وتوثيقها، بالتعاون مع خبراء دوليين. كما استعانت الحكومة العراقية بخبرات دولية للتحقيق في الكارثة، واستضافت بغداد مؤتمراً علمياً متخصصاً في نوفمبر 1974. وأسهمت نتائج هذه الجهود في تطوير المعرفة العالمية بأخطار ميثيل الزئبق وتأثيراته العصبية، ولا سيما على الأجنة والأطفال. غير أن الأبحاث اللاحقة كشفت حدود الإحصاءات الأولية، ففي دراسة وبائية نشرها الباحث م. ر. غرينوود سنة 1985، استناداً إلى مسوحات ريفية وسجلات وفيات، ظهرت مؤشرات إلى أن نطاق التعرض كان أوسع بكثير من الحالات التي دخلت المستشفيات. وقدّرت الدراسة أن نحو 40 في المئة ممن تسلموا الحبوب المعالجة ربما استهلكوها، كما رصدت ارتفاعاً في الوفيات في مناطق شملها البحث، خارج الحصيلة المسجلة في المستشفيات. ولا تسمح هذه النتائج بتحديد رقم وطني نهائي للضحايا، لكنها تجعل اختزال المأساة في 459 وفاة أمراً غير دقيق تاريخياً. تكمن أهمية استعادة هذه الحادثة، بعد أكثر من نصف قرن، في أنها تكشف وجهاً من تاريخ العراق قلما يحضر في السرديات السياسية الكبرى. فبين الانقلابات والصراعات الحزبية وتأميم النفط والتحولات الإقليمية، تبقى تجارب الناس اليومية، ولا سيما سكان الريف، أقل حضوراً في كتابة التاريخ. ومع ذلك، تتيح كارثة الحنطة المعفرة بمركبات الزئبق قراءة مختلفة لبدايات السبعينيات، تنطلق من صحة المواطنين وغذائهم وعلاقتهم بمؤسسات الدولة، بدلاً من الاقتصار على قرارات السلطة وموازين القوى. لقد دخلت كارثة العراق الأدبيات الطبية العالمية بوصفها واحدة من أكبر حوادث التسمم الجماعي بميثيل الزئبق، لكنها تستحق أيضاً مكاناً واضحاً في التاريخ الاجتماعي والسياسي العراقي. فهي تذكّر بأن التحديث لا يُقاس بحجم ما تستورده الدولة من تقنيات وموارد فحسب، بل بقدرتها على إدارتها بأمان، وإيصال المعرفة إلى مستخدميها، وإخضاع مؤسساتها للمساءلة عندما تتحول أدوات التنمية إلى مصادر للأذى. وفي شتاء 1971–1972، دفع آلاف العراقيين ثمناً باهظاً لاختلال هذه العلاقة، حين أصبح الخبز، الذي يفترض أن يحفظ الحياة، سبباً في فقدانها.