تخطّي إلى المحتوى
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
عاجل
لقجع يكشف تفاصيل مشروع قانون المالية 2027: 62 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية والقطاعات الاجتماعية إيطاليا: توقيف أم أوكرانية بتهمة قتل طفلتها طعنا بعد نزاع قضائي مع والدها الصندوق الوطني للتقاعد يطلق مشروع "تقاعدي ALL IN ONE" لتسهيل الخدمات الرقمية حسام موافي: الطب رسالة إنسانية لا يجوز اختزالها في مصدر رزق رئيس هيئة المستشفيات التعليمية يتفقد مستشفى بنها التعليمي بالقليوبية أصالة نصري تستعد لإطلاق أغنيات باللهجات السودانية والليبية والجزائرية داليا مصطفى تنضم للتحكيم وتُكرَّم في مهرجان جربة لسينما المرأة والشباب انعكاسات أحداث الشغب الأوروبية على نظرة الغرب للأزمات فلسطين تنتقل للتوقيت الشتوي منتصف الليلة أزهر والأوقاف يطلقان 4 قوافل دعوية إلى 4 محافظات لقجع يكشف تفاصيل مشروع قانون المالية 2027: 62 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية والقطاعات الاجتماعية إيطاليا: توقيف أم أوكرانية بتهمة قتل طفلتها طعنا بعد نزاع قضائي مع والدها الصندوق الوطني للتقاعد يطلق مشروع "تقاعدي ALL IN ONE" لتسهيل الخدمات الرقمية حسام موافي: الطب رسالة إنسانية لا يجوز اختزالها في مصدر رزق رئيس هيئة المستشفيات التعليمية يتفقد مستشفى بنها التعليمي بالقليوبية أصالة نصري تستعد لإطلاق أغنيات باللهجات السودانية والليبية والجزائرية داليا مصطفى تنضم للتحكيم وتُكرَّم في مهرجان جربة لسينما المرأة والشباب انعكاسات أحداث الشغب الأوروبية على نظرة الغرب للأزمات فلسطين تنتقل للتوقيت الشتوي منتصف الليلة أزهر والأوقاف يطلقان 4 قوافل دعوية إلى 4 محافظات

قانون كَامْبِل: لا تصدّقوا الأرقام قبل التّحَرّي!

  عالم اليوم عالم تهيمن عليه لغة الأرقام والمؤشرات والتصنيفات؛ فبها تُقيَّم الجامعات ومدارس التعليم، وتُقاس الكفاءات العلمية، ويُحكم على مدى نجاح السياسات العمومية في مجال التعليم وغيره. ولا شك أن هذه الأرقام تساعدنا على فهم الواقع ومقارنة النتائج. لكن ماذا يحدث عندما يصبح ت...

23 أكتوبر 2026 6 د للقراءة 25
قانون كَامْبِل: لا تصدّقوا الأرقام قبل التّحَرّي!

عالم اليوم عالم تهيمن عليه لغة الأرقام والمؤشرات والتصنيفات؛ فبها تُقيَّم الجامعات ومدارس التعليم، وتُقاس الكفاءات العلمية، ويُحكم على مدى نجاح السياسات العمومية في مجال التعليم وغيره. ولا شك أن هذه الأرقام تساعدنا على فهم الواقع ومقارنة النتائج. لكن ماذا يحدث عندما يصبح تحسين الرقم عند المسؤول أهمّ من تحسين واقع مؤسسته أو وزارته؟ هذه المفارقة هي ما سلّط عليه قانون كامبل (Campbell) وغودهارت (Goodhart) الضوء. إنها دراسات تحذّرنا من هذا السلوك المضلّل لوصف واقع مؤسساتنا، وتكشف كيف يمكن للمؤشرات، حين تتحوّل إلى أهداف، أن تأتي بنتائج عكسية.

لم نكن نسمع بهذا القانون قبل أن تنبّهنا إليه الزميلة ليلى زيتوني، مديرة تحرير مجلة بشائر العلوم، وأستاذة الرياضيات بالمدرسة العليا للأساتذة-القبة. يشرح القانون كيف يمكن لسياسة تهدف إلى تحسين وضع معيّن في مؤسسة أن تؤدي في نهاية المطاف إلى عكس ما أرادت تحقيقه؟ وكيف يمكن لمدرسة مثلا أن تعلن عن نتائج أفضل، من دون أن يعني ذلك أن تلاميذها أصبحوا أحسن مستوى؟ وكيف يمكن لإدارة عمومية أن تؤكد ارتفاع مستوى أدائها بينما لا يلاحظ المواطنون تحسّنا في خدماتها؟ لفهم هذه التناقضات، ينبغي التعرّف على قانون كامبل، وكذلك قانون غودهارت اللذين يعبّران عن فكرة أساسية مفادها أن الأرقام تَفقد قيمتها عندما تتحوّل إلى أهداف ينبغي بلوغها.

صاغ العالم النفسي الأمريكي دونالد كامبل (1916-1996)، المتخصص في مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، سنة 1976 ملاحظة مهمة تتعلق بتقييم السياسات العمومية تقول إنه كلما ازداد الاعتماد على مؤشر كمّي لاتخاذ قرارات مهمة، ازدادت احتمالات التلاعب بهذا المؤشر وتشويه العمليات التي يفترض أن يقيسها: بمعنى أنه عندما تعلم مؤسسة أنها ستُكافَأ أو تُعاقَب بناءً على رقم (مؤشر) معيّن، فالغالب أن الأمر سينتهي بها إلى إعطاء الأولوية لذلك الرقم على حساب الهدف المنشود الذي يفترض أن تحققه.

وهذه الفكرة ليست خاصة بكامبل. فهذا رجل الاقتصاد البريطاني تشارلز غودهارت قد صاغ أيضا فكرة مشابهة، منذ سنة 1975، في مجال اختصاصه. وكان يرى أن أي انتظام إحصائي سيميل إلى الاختفاء عندما يتم الضغط عليه بغرض التحكم فيه. فالمؤشر الذي كان مفيدًا في السابق قد يفقد مصداقيته حين يحاول المسؤولون فرضه على العاملين، فيتجه هؤلاء إلى تلميع الرقم بدل تحسين الواقع الذي كان الرقم يعبّر عنه.

أما عالمة الأنثروبولوجيا البريطانية مارلين ستريذرن (Strathern)، الأستادة الفخرية بجامعة كمبردج، فقد لخّصت هذه المشكلة في عبارة شهيرة مفادها: “عندما يصبح القياس هدفًا فإنه يفقد صلاحيته بوصفه مقياسًا جيدًا”. وقد وردت هذه الفكرة في أعمالها المنشورة سنة 1997 حول أنظمة التقييم في الجامعات البريطانية، وأصبحت من أشهر العبارات تداولا في النقاش حول مؤشرات الأداء.

نلاحظ أن إسهامات هؤلاء الباحثين الثلاثة، متقاربة رغم انطلاقها من سياقات مختلفة: فقد ركّز كامبل على تقييم السياسات الاجتماعية، واهتم غودهارت أساسًا بالمسائل الاقتصادية (النقدية)، بينما تناولت ستريذرن بوجه خاص ممارسات تقييم الجامعات. وفي كل الحالات، المشكلة لا تكمن في الأرقام في حدّ ذاتها، بل في غياب التحرّي بشأنها، والتغاضي عن حدودها، والخلط بين المؤشر والواقع الذي يُفترض أنه يمثله.

2. المدرسة والجامعة: خطر المؤشرات حين تصبح أهدافًا

يوفّر مجال التربية والتعليم أمثلة واضحة حول هذه المشكلة. فعند تقييم منظومة تربوية، تُستخدم مؤشرات عديدة، منها نسب النجاح في الامتحانات، ومعدلات إعادة السنة، والنتائج المحققة في الاختبارات الدولية، ونسبة المتخرجين. وهذه البيانات مفيدة، لكن لا يكفي أي منها لقياس جودة التعليم: هل تعني نسبة النجاح المرتفعة أن التلاميذ أصبحوا مثلا أكثر فهمًا للرياضيات، أو أفضل إتقانًا للغات، أو أكثر كفاءة في التفكير المستقل؟ لا أبدا.

لنفترض أن وزارة التربية حددت هدفًا ذا أولوية يتمثل في تقليص إعادة السنة. يمكن أن تكون هذه السياسة مفيدة إذا اقترنت بدعم بيداغوجي فعّال. لكن إذا جرى تقييم المؤسسات التعليمية على أساس انخفاض معدّل إعادة السنة وحده، فقد تلجأ بعضها إلى نقل عدد أكبر من التلاميذ إلى المستوى الأعلى من دون معالجة صعوباتهم الحقيقية. وهكذا يتحسن المؤشر، بينما تؤجل معالجة النقائص إلى السنوات الدراسية اللاحقة.

والمشكلة ذاتها تظهر في التعليم العالي: تعتمد التصنيفات الدولية للجامعات على معايير، من بينها السمعة الأكاديمية، والمنشورات العلمية، والاستشهادات بها، والانفتاح الدولي، ومؤشرات مؤسسية مختلفة. وهنا نكرّر أن هذه المعايير توفّر معلومات مفيدة، لكنها لا تقيس جودة الدروس، أو مستوى تأطير الطلبة، أو المعارف التي اكتسبوها خلال مشوارهم الدراسي. فقد تُحقق جامعة أداءً متميزًا في البحث العلمي، من دون أن تقدم مستوى مقبولا في موضوع جودة التدريس في جميع تخصصاتها.

وإذا ما أصبح الهدف الأساسي لمسؤولي الجامعات هو تحسين ترتيبها ضمن التصنيفات العالمية، فجهودهم ستركز على المعايير التي تمنحها نقاطا إضافية، وذلك على حساب أنشطة أقل ظهورًا أو أصعب قياسًا. وهكذا تتحوّل المنشورات العلمية مثلا إلى غاية في حدّ ذاتها، مع أنها مطالبة بأن تسهم في تطوير المعرفة وتكوين الطلبة. وهذا ما يحذّر منه قانون كامبل. ويظهر الخطر أيضًا عند تقييم الباحثين: عندما تتوقف ترقية الأستاذ أو الباحث ومساره المهني بصفة أساسية على عدد المنشورات أو الاستشهادات العلمية فإن الضغوط تشجع على نشر مقالات كثيرة محدودة علميًا، أو تقسيم النتائج البحثية بصورة مصطنعة إلى عدة مقالات، أو اختيار موضوعات يُتوقع أن تحظى باستشهادات أكثر. وهذا ما يحذّر منه مرة أخرى قانون كامبل.

وهكذا نرى أن قواعد التقييم تؤدي إلى ظهور حوافز تؤثر في سلوك الراعي والرعية. فالناس يتكيّفون مع المعايير التي يعلمون أنهم سيُحاسبون على أساسها: نجد هذه الفكرة في ما تناوله أيضا الكاتب والمؤرخ الأمريكي جيري مولر (Muller) في كتابه “استبداد المؤشرات” (The Tyranny of Metrics)، الصادر سنة 2018.

هل ينبغي التخلي عن الإحصاء والتقييم الكمّي؟ لا. فمن دون المؤشرات، سيصعب مقارنة الأوضاع في مختلف القطاعات، والكشف عن أوجه تفاوتها، ومتابعة سيرورة التقدم، ومساءلة المسؤولين. ولذا فالحل يكمن في الجمع بين عدة مؤشرات بدل الاكتفاء بمؤشر واحد، وإبراز الجوانب الإيجابية والسلبية معًا: في مجال التعليم، مثلًا، ينبغي مقارنة نسبة النجاح في الامتحانات بتقييمات مستقلة للكفاءات، وبمدى تطوّر المكتسبات، وبظروف التعلم. وفي الجامعات، ينبغي استكمال مؤشرات البحث العلمي بمعلومات عن التأطير وجودة التكوين. كما يُوصَى بمراجعة آثار المعايير المعتمدة بانتظام في كل الميادين. فقد يفقد مؤشر كان مفيدًا بالأمس جزءًا من صلاحيته عندما تتكيف سلوكيات المتعاملين مع متطلباته. هذا إذا ما أردنا أن يظل التقييم أداة للاطلاع على واقع الأمور وليس آلية عمياء للجزاء والعقاب.

وهكذا يدعونا كامبل، ومعه غودهارت وستريذرن ومولر، إلى التحرّي وتوخي الحذر: المؤشر ليس هو الواقع برمته، بل هو تمثيل جزئي له. وكلما ازدادت أهمية القرارات المبنية عليه، ازدادت ضرورة التحقق من أنه لا يزال يقيس ما نريد تحسينه فعلا حتى لا نغالط أنفسنا.

خلاصة القول: حسب هؤلاء العلماء، فالأرقام ليست في حد ذاتها متهمة، وإنما الاتهام يقع على الاكتفاء بها. فحين تعلن وزارة أو مؤسسة عن تقدّم معيّن، لا يكفي أن نسأل: “بكم ارتفع الرقم؟”، بل يجب أن نحلل ونتساءل أيضًا: “ما الذي تحسّن فعلًا؟ ومن المستفيد؟ وبأي ثمن تم بلوغ ذلك؟”. ولذا يؤكد قانون كامبل على أنه حين تصبح غاية التسيير الحصول على مؤشرات سارّة، فإن الأمر ينتهى بالتضحية بما وُضعت المؤشرات لخدمته.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن