لا يعرف طفلك كم أنفقت على مجموعة المكعبات الحسّية التي استثمرت فيها الكثير من المال والبحث، فما إن يجد أمامه ملعقة طبخ خشبية أو ميدالية مفاتيحك، حتى ينهمك في اللعب بتلك المقتنيات لساعات طويلة وكأنه قد وجد كنزا.
الحقيقة أن طفلك ليس حالة خاصة، فوراء انجذابه لتلك "الأشياء العادية" في نظر البالغين، تكمن طريقة مختلفة في فهم العالم، ورغبات استكشاف لا تلبيها حتى أكثر الألعاب تطورا.
لا يهتم الطفل بقيمة الشيء أو الغرض الذي صُنع من أجله، بقدر اهتمامه بما يستطيع فعله به. فالوعاء يمكن قلبه والطرق عليه، أو إدخال أشياء فيه، وتختلف نتائجه مع كل محاولة. بينما قد لا تقدم بعض الألعاب الإلكترونية سوى استجابات محدودة ومتكررة.
هذا التنوع ليس مجرد وسيلة للتسلية؛ فحين يختبر الطفل الأصوات والأوزان والأحجام وحتى الملمس، ويتتبع ما يحدث عندما يدفع شيئا أو يرميه على الأرض, فإنه يجمع معلومات عن خصائص العالم المادي والعلاقات بين الأشياء.
وفي دراسة نشرتها مجلة "كوميونيكيشنز سايكولوجي" (Communications Psychology) العلمية في عام 2025، قارن باحثون طريقة لعب 60 طفلاً، بلغ متوسط أعمارهم نحو خمس سنوات، بنوعين من الأدوات؛ الأول ألعاب موسيقية مخصصة للأطفال، والثاني مواد بسيطة متعددة الاستخدامات، من قبيل الكرتون والأقمشة والأنابيب.
ووجد الباحثون أن الأطفال أمضوا وقتا أطول في اللعب بالمواد البسيطة، وأظهروا خلالها سلوكيات استكشافية أكثر تنوعا؛ فحاولوا بناء أشكال وتركيبات، وشرح كيفية عمل الأشياء، واستكشاف أفكار مرتبطة بالأحجام والكميات والأوزان.
وتأتي هذه النتائج لتؤكد الفارق المهم بين الأدوات التي تتيح احتمالات متعددة، وتلك التي تحدد للطفل طريقة استخدامها؛ فكلما اتسعت فرص التجريب، أصبح بإمكانه ابتكار طرق مختلفة للعب، واختبار أفكاره بدلا من الاكتفاء بتكرار فعل واحد.
قد يملك طفلك هاتفا بلاستيكيا، ومطبخا ملونا صغيرا بأوانٍ ومعالق بكل الأحجام والأشكال؛ ومع ذلك، عادة ما يترك الصغار تلك الألعاب ويفضّلون الأدوات الحقيقية عليها.
ولفهم هذا الميل، أجرى باحثون من جامعة فرجينيا الأمريكية دراسة شملت 100 طفل تتراوح أعمارهم بين 3 و6 سنوات، وقدموا لهم تسعة أنشطة، مع الاختيار بين أدائها حقيقة أو التظاهر بممارستها.
وبحسب مجلة "ساينس نيوز (Science News)" الأمريكية للأبحاث والاكتشافات العلمية، اختار الأطفال الأنشطة الحقيقية في نحو ثلثي الاختيارات، وفضّل 48 طفلا أداء النشاط الحقيقي في سبعة مواقف على الأقل من أصل تسعة، مقابل 14 طفلاً اختاروا اللعب التخيلي بالمعدل نفسه.
لم تكن الأسباب التي قدمها الأطفال أقل أهمية من اختياراتهم؛ فقد أبدى كثيرون رغبتهم في تعلم مهارات جديدة أو إنجاز شيء مفيد، بينما ارتبط تفضيل التظاهر باللعب بالخوف من النشاط الحقيقي أو القلق من عدم القدرة عليه.
وتوضح أستاذة علم النفس المشاركة في الدراسة، أنجلين ليلارد، أن أداء المهام الحقيقية يمنح الأطفال شعورا بالكفاءة، ويساعدهم على إدراك أن بإمكانهم القيام بدور مؤثر في العالم المحيط بهم.
وهنا يظهر الفارق بين أن يتظاهر الطفل بأنه يغسل صحنا بلاستيكيا، وبين أن يغسل صحن طعامه فعلا؛ ففي الحالة الثانية هو لا يكرر ما يشاهده فحسب، بل يرى نتيجة ملموسة وواقعية لأفعاله.
لا تكمن جاذبية الأدوات الحقيقية في ملمسها أو وزنها فحسب، بل يأتي عامل الجذب الأكبر لها بارتباطها في نظر طفل بأنشطة يقوم بها الأب أو الأم.
توضح اختصاصية علم نفس الأطفال إيلينا ميكالسن، في تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" (The Washington Post)، أن الأطفال بين 18 شهرا وثلاث سنوات يميلون إلى تتبع الوالدين وتقليد تصرفاتهما، وهو ما يجعل هذه المرحلة مناسبة لتعليمهم أنشطة الحياة اليومية.
فالطفل الذي يحاول مسح طاولة أو تمشيط شعره لا يقلد حركة فقط، بل يتعلم وظيفة الأداة، وفي تلك الحالة ستكون ممسحة قماشية أو فرشاة للشعر، وهو يختبر بذلك قدرته على أداء مهمة كان يشاهد الآخرين يقومون بها.
وقد يفسر هذا أيضا إصراره على استخدام بعض الأشياء بنفسه، ورفضه المساعدة أحيانا؛ فهو لا يريد دائما النتيجة النهائية، وإنما فرصة القيام بالفعل نفسه.
رغم جاذبية ميدالية المفاتيح أو جهاز "ريموت" التحكم، فإن تلك الأدوات ليست بالضرورة آمنة أو ملائمة لكي يلعب الأطفال بها. فبعضها قد يحتوي على أطراف حادة أو أجزاء صغيرة قابلة للفك وخطيرة إذا ما ابتلعها الطفل.
لكن حماية الطفل لا تستلزم فقط حمايته من الأشياء الخطيرة، بل في اختيار بدائل تتناسب مع عمره. يمكن مثلا السماح للأطفال دون سن الثالثة باللعب بعبوات الطعام البلاستيكية وأغطيتها، والأكواب غير القابلة للكسر، والملاعق الخشبية أو البلاستيكية الملساء. ذلك كله بالطبع مع الإشراف المباشر على عملية اللعب.
ومع تطور مهارات الطفل، يمكن الانتقال من مراحل استكشاف الأدوات المنزلية المختلفة والبدء في استخدامها بطريقة حقيقية.
وينقل تقرير "واشنطن بوست" عن خبيرة التربية بمنهج مونتيسوري سيمون ديفيز، أن الأطفال الصغار قادرون على أداء مهام أكثر مما يتوقعه الوالدان، مثل وضع الملابس المتسخة في السلة، وغسل اليدين، والمشاركة في إعداد بعض الأطعمة البسيطة.
ومع الاقتراب من سن الثالثة، يمكنهم المساعدة في ترتيب المائدة بأدوات آمنة، أو غسل الخضراوات، أو مسح الأسطح، دون انتظار الإتقان أو تحويل المشاركة إلى واجب ثقيل وإلزامي.
بهذا الشكل يمكن للآباء إفساح مساحات كبيرة لطفلهم لكي يستكشف العالم من حوله، دون الاستغناء بالطبع عن استمتاعه بالمكعبات والدُمى وألعاب الخيال.