في ظل اعتدال الأجواء خلال هذه الفترة من السنة، تستعيد الشواطئ العامة في محافظة مسقط مكانتها كوجهة مفضلة لدى الأسر والأفراد، الباحثين عن متنفس يبعدهم عن ضغوط الحياة اليومية وسط امتداد الرمال وجمال الطبيعة. وتُعد شواطئ مسقط، وعلى رأسها شاطئ القرم، من أبرز المعالم الطبيعية والسياحية في العاصمة، لما تحمله من مقومات بيئية وجمالية تستوجب مزيدًا من الرعاية والاهتمام.
وفي هذا الصدد، تكتسب أهمية كبيرة تعزيز دور هذه الشواطئ كمساحات عامة متاحة للجميع، حيث يجب أن تسود فيها أجواء من الهدوء والسلامة والراحة، بما يتيح للزوار الاستمتاع بجمال البحر دون أن تعيقهم ممارسات أو أنشطة تقيد حقهم في الاستفادة من هذه الثروات الطبيعية.
ورغم أن ممارسة الرياضة أمر محمود، إلا أن إقامة مباريات كرة القدم وأنشطة بدنية أخرى في شاطئ القرم أحيانًا، تثير تساؤلات حول مدى ملاءمة ذلك في أماكن الترفيه العام، خاصة في أوقات المساء وعطلات نهاية الأسبوع. فبينما يستحق تشجيع النشاط البدني الدعم، يجب ألا يأتي ذلك على حساب حق العائلات في التمتع بالشاطئ ومشاهدة البحر والاستفادة من أجوائه.
ولتحقيق التوازن المطلوب، يوصى بتخصيص مناطق محددة لممارسة الألعاب الرياضية، وتنظيم الفعاليات بما يتوافق مع طبيعة الشاطئ كمتنفس عام، مع ضمان عدم احتكار نشاط معين لمساحات واسعة على حساب الآخرين.
ولا تقتصر التحديات على تنظيم الأنشطة، بل تمتد لتشمل بعض الممارسات الفردية السلبية التي تؤثر على البيئة والمظهر العام. ومن المؤسف رصد نفايات الطعام والمشروبات والأكياس البلاستيكية متناثرة على الرمال رغم توفر سلال المهملات، وهي سلوكيات تخالف آداب الذوق العام والمسؤولية المجتمعية، وتترك انطباعًا سلبيًا لدى الزوار.
كما يثير القلق استخدام بعض مرتادي الشواطئ لسيارات الدفع الرباعي أو العادية للسير على الرمال في مناطق مخصصة للمشاة. ولا تقتصر خطورة هذا التصرف على الإضرار بطبيعة الشاطئ، بل يمتد ليشكل تهديدًا حقيقيًا لسلامة الأطفال والأسر، خاصة عند القيادة المتهورة دون مراعاة لوجود الآخرين.
وبما أن الشاطئ مساحة عامة يجب أن يشعر فيها الجميع بالأمان، فإن منع دخول المركبات إلى مناطق المشاة والالتزام بالضوابط المنظمة لاستخدام الشواطئ يمثلان ضرورة حتمية لا تحتمل التهاون، حتى لا تتحول هذه الأماكن إلى مسارات للمركبات أو ساحات للخطر.
وفي هذا السياق، تُقدَّر الجهود التي تبذلها بلدية مسقط لتنظيم الشواطئ ومتابعة المخالفين، والتي تعكس الحرص على صون المرافق العامة. ومع ذلك، يستدعي اتساع هذه المساحات وتزايد الإقبال عليها خلال مواسم الطقس المعتدل تعزيز الرقابة الميدانية لضمان الانضباط والحد من السلوكيات التي تسيء لجمال الشواطئ أو تهدد سلامة مرتاديها.
كما يُنتظر تكثيف الحملات التوعوية الموجهة للمواطنين والمقيمين، للتأكيد على أهمية الحفاظ على البيئة البحرية، والتخلص من النفايات في الأماكن المخصصة، واحترام حقوق الآخرين. ويمكن أن تلعب اللوحات الإرشادية والرسائل التوعوية دورًا محوريًا في ترسيخ هذه الثقافة، بالتوازي مع تطبيق الأنظمة على المخالفين.
إن شواطئ مسقط ليست مجرد امتداد جغرافي، بل هي جزء أصيل من الهوية الجمالية للعاصمة ومتنفس اجتماعي وبيئي يستحق الحماية. فجمال هذه الشواطئ لا تكمله الطبيعة وحدها، بل يكتمل بوعي الإنسان وسلوكه واحترامه للمكان ولحقوق الآخرين.
وعليه، يتوجب علينا العمل سويًا لجعل شواطئنا أكثر نظافة وتنظيمًا وأمانًا، لضمان بقائها مفتوحة للاستمتاع بها من قبل الجميع، لتكون واجهة حضارية تعكس تطلعاتنا لجودة حياة أفضل في مسقط.