هل يمكن لجزيئات دقيقة في مجرى الدم أن تكشف عن وجود سرطان الثدي أو تساعد في التنبؤ بمدى استجابة المريضة للعلاج؟ هذا ما يبحثه فريق من معهد قطر لبحوث الطب الحيوي التابع لجامعة حمد بن خليفة، بالتعاون مع مؤسسة حمد الطبية في قطر ومركز الحسين للسرطان في الأردن، من خلال دراسة إقليمية تستكشف إمكانية استخدام جزيئات الميكرو رنا كمؤشراتٍ حيويةً للكشف عن المرض وتوجيه الرعاية الطبية بصورة أكثر تخصيصاً.
تندرج هذه الدراسة ضمن الجهود الرامية إلى تطوير طب الأورام الدقيق الذي يسعى إلى فهم الخصائص البيولوجية للسرطان لدى كل مريض، والاستفادة من هذه المعلومات في دعم القرارات العلاجية المناسبة لكل مريض. تكتسب هذه الأبحاث أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لا تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من الدراسات التي تحدد المؤشرات الحيوية ومدى ملاءمتها للسكان في المنطقة.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Journal of Translational Medicine في يوليو 2026، وشارك فيها باحثون وأطباء من مؤسسات طبية وبحثية في قطر والأردن. ركّزت هذه الدراسة على تحليل أنماط الميكرو رنا الموجودة في الدم لدى المصابات بسرطان الثدي، ومقارنتها بأنماطها لدى أشخاص من غير المصابين بهذا النوع من السرطان، إلى جانب استكشاف إمكانية الاستفادة منها في التنبؤ بالاستجابة للعلاج الكيميائي قبل الجراحة.
حَظي الميكرو رنا (MicroRNA أو miRNA) باهتمام علمي واسع بعد أن مُنحت جائزة نوبل في الفيزيولوجيا أو الطب لعام 2024 للعالِمَين فيكتور أمبروس وغاري روفكون تقديراً لاكتشافهما الميكرو رنا ودوره في تنظيم نشاط الجينات.
والميكرو رنا هي جزيئات صغيرة من الحمض النووي الريبي RNA، تُنتجها الخلايا بصورة طبيعية، وتؤدي دوراً مهماً في تنظيم التعبير الجيني، أي التحكّم في كيفية استخدام الخلايا للمعلومات الموجودة في جيناتها لإنتاج البروتينات وتنظيم وظائفها.
وقد تتغير مستويات بعض أنواع الميكرو رنا أو أنماطها في حالات مرَضية، بما في ذلك السرطان. ويمكن العثور على بعض هذه الجزيئات في الدم، الأمر الذي يجعلها موضع اهتمام الباحثين بوصفها مؤشرات حيوية يمكن قياسها في عينة دم.
تكمن أهمية هذا المنهج في أنه قد يوفر معلومات إضافية عن الحالة البيولوجية للورم، من دون الحاجة إلى أخذ عينة من نسيج الورم في كل مرة. ومع ذلك، فإن وجود تغيرات في الميكرو رنا لا يعني بالضرورة أن هذه التغيرات خاصة بسرطان الثدي وحده؛ فقد تتأثر هذه المؤشرات بعوامل أخرى في الجسم، وهو ما يستلزم التحقق من دقتها قبل استخدامها في الممارسة الطبية.
قاد فريق من معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، برئاسة الدكتور نهاد العاجز، دراسة متعددة المراكز شملَت 152 امرأة مصابة بسرطان الثدي، إلى جانب 376 شخصاً ضمن المجموعة الضابطة من غير المصابين بالسرطان.
حلّل الباحثون عينات البلازما باستخدام تقنيات التسلسل الجيني للحمض النووي الريبي، بهدف قياس مستويات 842 نوعاً من الميكرو رنا البشرية التي أمكن رصدها في العينات.
ثم قارنوا مستويات هذه الجزيئات بين المجموعتَين بحثاً عن أنماط تختلف لدى المصابات بسرطان الثدي، ويمكن أن تساعد في التمييز بين العينات المأخوذة من المصابات والعينات الأخرى.
وأسفرت التحليلات عن تحديد مجموعات من جزيئات الميكرو رنا ارتفعت مستوياتها أو انخفضت لدى مريضات سرطان الثدي . وحققت بعض هذه المجموعات أداءً جيداً في التمييز بين العيّنات، إذ وصَل مقياس المساحة تحت منحنى خصائص التشغيل (AUC) إلى 0.91 لبعض النماذج.
ويُستخدم هذا المقياس لتقييم قدرة الاختبار على التمييز بين الحالات المصابة وغير المصابة؛ إذ تشير القيمة الأعلى عموماً إلى قدرة أفضل على التمييز. لكن هذه النتيجة وحدها لا تكفي لإثبات أن الاختبار مناسب للفحص السكاني أو للاستخدام السريري الروتيني.
لم يقتصر الباحثون على تحليل العينات التي شملتها الدراسة، بل اختبروا أيضاً إمكانية الاستفادة من النتائج في مجموعات بيانات دولية مستقلة.
وتمكّنوا من تطوير نموذج يَعتمد على نمط مكوّن من خمسة أنواع من الميكرو رنا، وأظهَر هذا النموذج قدرة على التمييز بين عينات سرطان الثدي والعينات غير المصابة عند اختباره في قواعد بيانات مستقلة.
تعزز هذه الخطوة أهمية النتائج، لأنها تساعد في تقييم ما إذا كانت الأنماط المكتشَفة قابلة للتطبيق خارج المجموعة الأصلية التي دُرست. ومع ذلك، فإن التحقق من النتائج باستخدام قواعد بيانات سابقة لا يغني عن إجراء دراسات سريرية مستقبلية واسعة النطاق لتقييم أداء الاختبار في ظروف الفحص الفعلية، وتحديد معدلات النتائج الإيجابية والسلبية الخاطئة.
ومن المهم أيضاً معرفة ما إذا كان هذا الاختبار قادراً على اكتشاف السرطان في مراحله المبكرة لدى أشخاص لا تظهَر عليهم أعراض، وليس فقط التمييز بين عيّنات مأخوذة من مرضى معروف إصابتهم بالمرض وعيّنات من أشخاص غير مصابين.
رغم هذه النتائج المشجعة، لا تعني هذه الدراسة أن فحصاً جديداً للدم أصبح جاهزاً للكشف عن سرطان الثدي أو أنه يمكن أن يحل محل التصوير الشعاعي للثدي أو الفحوصات التشخيصية الأخرى.
فالكشف عن سرطان الثدي يَعتمد على مجموعة من الوسائل، تشمل التصوير الشعاعي للثدي (Mammography)، والتصوير بالموجات فوق الصوتية، أو الرنين المغناطيسي في الحالات التي تستدعي ذلك، وأخذ خزعة من النسيج عند الحاجة لتأكيد التشخيص.
أما مؤشرات الميكرو رنا في الدم، فما زالت في مرحلة البحث والتطوير، وقد تصبح مستقبلاً وسيلة مساعِدة توفّر معلومات إضافية إلى جانب الفحوصات المعتمَدة.
وقَبل اعتمادها سريرياً، ينبغي التأكد من دقتها في مجموعات سكانية متنوعة، وتقييم قدرتها على اكتشاف الأورام في مراحلها المبكرة، وتحديد مدى تأثيرها في القرارات الطبية والنتائج الصحية للمريضات.
إلى جانب البحث عن مؤشرات تساعد على الكشف عن سرطان الثدي ، درَس الفريق إمكانية استخدام الميكرو رنا للتنبؤ باستجابة المريضات للعلاج الكيميائي الذي يُعطى قبل الجراحة، ويُعرف بالعلاج الكيميائي المساعِد قبل الجراحة (Neoadjuvant chemotherapy).
ويهدف هذا العلاج إلى تقليص حجم الورم أو القضاء على الخلايا السرطانية قبل التدخل الجراحي، وقد تساعد معرفة مدى الاستجابة المتوقَّعة له في المستقبل على تحسين تخطيط العلاج وتقييم الخيارات المُتاحَة.
حدد الباحثون نمطاً يتكون من 14 نوعاً من الميكرو رنا، أظهَر قدرة على التمييز بين المريضات اللواتي بقي لديهنّ سرطان في أنسجة الثدي أو في العقد اللمفاوية بعد العلاج، والمريضات اللواتي لم يُعثر لديهنّ على سرطان متبقٍ عند فحص الأنسجة بعد الجراحة، وهي نتيجة تُعرف بالاستجابة المرَضية الكاملة.
حقق هذا النموذج قيمة بلغت 0.95 في مقياس المساحة تحت منحنى خصائص التشغيل (AUC)، وهي نتيجة واعدة من الناحية البحثية.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن هذا النموذج قد أصبح قادراً على تحديد استجابة كل مريضة بدقة، ولا أنه يمكن استخدامه حالياً لاختيار العلاج أو تغييره. فقد أشار الباحثون إلى أن هذه النتائج استكشافية، وتحتاج إلى التحقق منها في دراسات مستقلة تشمل أعداداً أكبر من المريضات قبل تقييم جدواها السريرية.
تتمثل إحدى نقاط القوة في هذه الدراسة في التعاون بين معهد قطر لبحوث الطب الحيوي ومؤسسة حمد الطبية في قطر ومركز الحسين للسرطان في الأردن، بمشارَكة باحثين وأطباء يمتلكون خبرات متنوعة في بيولوجيا السرطان وعلم الجينوم والتشخيص السريري.
وتكتسب هذه الشراكات أهمية خاصة لأن سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يزالون أقل تمثيلاً في عدد من الدراسات الجينومية الدولية مقارنة ببعض المجموعات السكانية الأخرى.
وقد تختلف الأنماط البيولوجية للأمراض أو المؤشرات الحيوية بين المجموعات السكانية، نتيجة تداخل عوامل جينية وبيئية وصحية متعددة. ولذلك، فإن دراسة عيّنات من سكان المنطقة تساعد في اختبار مدى انطباق النتائج المنشورة عالمياً على المرضى المحليين، وتدعم تطوير أدوات تشخيصية وعلاجية تَستند إلى أدلة أكثر ملاءمة لهم.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤشر حيوي خاص بسكان المنطقة، بل إن إثبات هذه الخصوصية يتطلب مقارنات علمية دقيقة ودراسات أوسع.
يسعى طب الأورام الدقيق إلى الاستفادة من الخصائص البيولوجية والجزيئية للورم، إلى جانب المعلومات السريرية، لدعم اختيار العلاج ومتابعة الاستجابة له.
وقد يكون لتحليل الميكرو رنا في الدم دور مستقبلي في هذا المجال، نظراً إلى أن جَمع عينات الدم أسهَل نسبياً من أخذ عينات الأنسجة، ويمكن تكراره خلال مراحل العلاج المختلفة.
وفي حال تأكدت فعالية هذه المؤشرات في الدراسات المستقبلية، فقد تساعد على توفير معلومات إضافية عن احتمال وجود سرطان الثدي ، أو عن الاستجابة للعلاج، أو عن التغيرات التي تَحدث أثناء متابعة المريضة.
لكن الانتقال من الاكتشاف البحثي إلى الاستخدام الطبي يتطلب خطوات عدة، تشمل توحيد طرق جَمع العينات وتحليلها، والتحقق من موثوقية النتائج وقابليتها للتكرار، وتقييم دقة الاختبار في مجموعات مستقلة، ثم إثبات فائدته السريرية مقارنة بالوسائل المتاحة حالياً.
تقدّم هذه الدراسة الإقليمية بقيادة معهد قطر لبحوث الطب الحيوي نتائج واعدة بشأن إمكانية استخدام الميكرو رنا الموجود في الدم مؤشراتٍ حيويةً مساعِدة للكشف عن سرطان الثدي والتنبؤ بالاستجابة للعلاج الكيميائي قبل الجراحة.
وتبرز أهمية هذا البحث في جَمعِه بين دراسة عيّنات من قطر والأردن واختبار بعض النتائج باستخدام قواعد بيانات دولية مستقلة، بما يدعم الجهود الرامية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة وملاءَمة للسكان في المنطقة.
ومع ذلك، لا تزال هذه المؤشرات في مرحلة البحث، ولا يمكن الاعتماد عليها حالياً بديلاً عن التصوير الشعاعي للثدي أو الخزعة أو غيرهما من الفحوصات المعتمَدة. وستحدد الدراسات المستقبلية ما إذا كان بالإمكان تحويل هذه النتائج إلى اختبارات موثوقة تساعد الأطباء على الكشف عن سرطان الثدي وتخصيص العلاج بصورة أفضل.