بعد 11 مباراة متتالية فرض خلالها تفوقه على منافسيه، اصطدم برشلونة بفريق يمتلك جودة فردية وتنظيما تكتيكيا يتفوقان أو يضاهيان ما لديه، فخسر أمام باريس سان جيرمان، حامل لقب دوري أبطال أوروبا، بنتيجة (4-2).
ففي المواجهة التي شهد شوطها الثاني خمسة أهداف، ظهرت حدود التفوق الذي تمتع به الفريق الكتالوني منذ بداية الموسم، وكشفت الهزيمة عن تحديات جديدة أمام أسلوب المدرب الألماني هانزي فليك الهجومي.
اتجهت الأنظار إلى هذه المباراة بوصفها الاختبار الأكثر جدية لبرشلونة منذ بداية الموسم، بعدما فرض الفريق تفوقه على منافسيه بفضل ضغطه المتقدم ونزعته الهجومية وقدرته على فرض إيقاع اللعب. لكن المواجهة هذه المرة جاءت أمام فريق يمتلك الخبرة ويقوده الإسباني لويس إنريكي، آخر مدرب توج بدوري أبطال أوروبا مع برشلونة عام 2015، وأحد أكثر العارفين بخصائص النادي الكتالوني.
فكيف نجح باريس سان جيرمان في إيقاف سلسلة انتصارات برشلونة؟ وأين تفوق إنريكي على فليك في الصراع التكتيكي بين الفريقين؟ وهل كشفت الهزيمة عن ثغرات في طريقة لعب برشلونة يمكن لمنافسيه استغلالها خلال المباريات الكبرى؟
دخل إنريكي المباراة من بدايتها بأسلوب ضغط هجومي شرس يعتمد على المراقبة الفردية لإجبار برشلونة على ارتكاب الأخطاء في مناطق بنائه للهجمة، حيث تم تكليف ديزيري دوي بالصعود والضغط في مناطق الملعب المتقدمة على جيرارد مارتين، مع صعود أشرف حكيمي للضغط على جواو كانسيلو، ومقابلة ماركينيوس لما يمكن أن يحدثه الضغط العالي من مساحات لصالح أنتوني غوردون.
هذه الماكينة كبحت جماح برشلونة بعض الشيء، لكن مع خروج داني أولمو مصابا، فقد برشلونة القدرة على التجميع في وسط الملعب الهجومي، وفقد سلاحا هاما في التمريرات الكاسرة للخطوط، ما جعل مهمة ثلاثي وسط باريس سان جيرمان أسهل.
تولى فيتينيا وفابيان رويز الضغط على ثنائي ارتكاز برشلونة، فيما لعب جواو نيفيش دورا أعمق بمراقبة داني أولمو (ثم فيرمين لوبيز بعد إصابة أولمو في الدقيقة 27)، ورغم تشكيل خطورة من برشلونة في أوقات عديدة من الشوط الأول، إلا أن باريس سان جيرمان كان أخطر بكثير رغم خروج عثمان ديمبيلي في الشوط الأول مصابا.
كانت فكرة إنريكي الأساسية متمثلة في وضع مدافعيه بحالة 3 ضد 3 أمام هجوم برشلونة، وهي مخاطرة بكل تأكيد خصوصا في ظل جودة لامين جمال ورافينيا، إلا أنها آتت أكلها بفعل اليقظة والجودة الفردية لدى ويليان باتشو ولوكاس هيرنانديز وماركينيوس، ورغم أن جمال نجح في الهروب بواحدة تسببت في هدف، إلا أن انتظار أكثر من 75 دقيقة كي يفعل جمال ما يفعله كل أسبوع مرتين في الدوري الإسباني يوحي بنجاح مخاطرة إنريكي.
هذه هي النقطة التي واجهها برشلونة لأول مرة لدى خصومه هذا الموسم، كان خصوم فليك دائما أقل بكثير من الناحية الفردية، لكن في حالة باريس، لا تبدو الفروقات كبيرة على الصعيد الفردي، ما يجعل مهمة الضغط أسهل، ومهمة الخروج من ضغط برشلونة أسهل.
ومع الضغط الخانق لباريس، استعاد لاعبوه الكثير من الكرات في وسط الميدان، ومن إحدى هذه الكرات المقطوعة سجل الهدف الأول؛ حيث قطع نيفيش تمريرة حاسمة من جمال ومررها إلى دوي الذي افتتح التسجيل في الدقيقة 36.
التفوق الفردي لباريس لم يكن دفاعيا فقط أمام برشلونة، فخلال شوط واحد فقط صوب لاعبو الفريق العاصمي 10 مرات بين العارضة والقائمين، وهو أعلى رقم يتلقاه برشلونة في شوط أول بدوري أبطال أوروبا منذ موسم 2003-2004.
اعتمد برشلونة على إستراتيجيتين مختلفتين خلال المباراة، ففي الشوط الأول، كان يحاول تثبيت تموضع الدفاع واستغلال المساحات بين الخطوط، لكن مع خروج أولمو فقد أهم أسلحته في هذه المساحة.
وقد سعى برشلونة لإنشاء مساحة واسعة بين خطوط باريس عبر سحب عناصر خط وسطه للعمق وتثبيت خط دفاع باريس في مناطق متأخرة بوساطة الثلاثي الهجومي، وحاول فريق فليك استغلال تلك المساحة عبر الاختراقات الفردية بالكرة من لاعبي الوسط لتجاوز مراقبيهم، وهو ما أسفر عن كرة بينية من فيرمين لوبيز وضعت تشافي إسبارت وجها لوجه مع سافونوف ليحرز هدف التعادل مطلع الشوط الثاني.
ومع ذلك، أدى التدخل الشرس والسرعة العالية لضغط باريس إلى تعطيل هذه المحاولات وحرمان برشلونة من التمرير الدقيق، وهي أهم مميزاته هذا الموسم.
على الرغم من التفوق المرحلي لبرشلونة في بعض أوقات المباراة، وعودته في النتيجة مرتين عبر إسبارت وجمال، فإن الجودة الفردية واللمسة الأخيرة لباريس سان جيرمان رجحت الكفة في الدقائق الأخيرة.
وكان العرض الأبرز من نصيب الشاب صاحب الـ21 عاما ديزيري دوي، الذي خطف الأضواء متفوقاً في اللقاء، حيث صوب 4 مرات وساهم بـ 10 تمريرات تقدمية وصنع 4 فرص محققة، وأكمل مراوغة ناجحة من أصل محاولتين، وجاء هدفه الأول ليعكس مهارته في الإنهاء والتسديد من بين أقدام خط دفاع مكتمل.
بشكل عام، أثبتت المباراة أنه رغم القوة الهجومية والحلول التكتيكية التي يمتلكها برشلونة، إلا أن السلسلة الممتدة لـ11 مباراة دون الخسارة أمام منافسين بمستويات مختلفة قد اصطدمت بجدار باريس سان جيرمان الحصين، الذي أظهر منظومة تكتيكية وفردية تجعله مرة أخرى المرشح الأبرز للسيطرة على الساحة الأوروبية ومواصلة حملة الدفاع عن لقبه القاري.