عبر تاريخنا، واجهنا تعقيدًا هائلًا في الكون وطبائعنا، فحاولنا السيطرة على الفوضى عبر نظريات وقوانين تتيح لنا فهم العالم وما يحدث فيه. وهذا يمنحنا إحساسًا بالسيطرة، ويطمئننا بأننا لسنا عاجزين أمام قوى الطبيعة الجبارة التي تهزنا بالزلازل وتقتلعنا بالأعاصير، ولا عاجزين عن إنقاذ أحبائنا من الحمى والسرطان والزهايمر. بل سعينا أيضًا للتحكم في مشاعرنا التي تحزننا وتفرحنا وتقودنا إلى تصرفات متهورة لا ندرك مصدرها. لقد كلفنا الفنانين والأدباء والفلاسفة والمفكرين باستكشاف هذه الأمور والتأمل فيها، لكننا طالبنا العلماء بأكثر من ذلك، إذ عهدنا إليهم بوضع القواعد. وبفضل طموحهم الكبير، ظن العلماء أنهم قادرون على تحقيق ذلك، وكلما نجحوا في صياغة قوانين طبيعية فعالة تثبت صحتها في ظروف متعددة، أو اكتشفوا البعوضة الناقلة للأمراض والفيروس المميت والطفرة الجينية، ازداد طموحهم إلى التوسع في مجالات جديدة والاختزال في الوقت نفسه. أي التوسع ليشمل مجالات جديدة، والسعي إلى نظرية موحدة أو معادلة واحدة تجمع أكبر عدد من الحالات. ولم يتردد العلماء في اقتحام مجالات لم نكن نتوقع خضوعها للقواعد. والحقيقة أننا لا نعلم إن كانت قابلة لذلك، أو إن كنا نرغب في إخضاعها. وبغض النظر عن الخسائر التي نتكبدها عند مقاربتها بلغة القواعد والتنظيم، ما زلنا نصر على ذلك، حتى مع مفاهيم يصعب حصرها رياضيًا كالشعر والجمال. ومن بين المحاولات الكثيرة التي زعمت تفسير الجمال، تبرز معادلة ظلت جذابة عبر العصور من ما قبل الميلاد حتى آخر مصمم يتعلم اليوم: النسبة الذهبية Golden Ratio. فقد ادعت النسبة الذهبية أنها قادرة على تفسير مجموعة واسعة من الظواهر الطبيعية والتجارب الجمالية البصرية، من الأعاصير والحلزونات إلى الأهرامات واللوحات الفنية. في الفترة بين القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، اهتم الشاعر الهندي أشاريا بينغالا Acharya Pingala بالعد المنهجي لأوزان الشعر. وبصفته نحويًا ورياضيًا، تجاوز ذلك إلى التعامل مع التوليفات المقطعية، فحولها هو ومن تلاه من علماء الرياضيات في الهند إلى متتاليات رياضية. تخيل مثلًا تحويل بحور الشعر العربي التي ابتكرها الفراهيدي إلى متتاليات. فالبيت «طويل له دون البحور فضائل» الذي وزنه «فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن» يمكن ترجمته إلى حروف متحركة وساكنة على النحو: “\/\/ه\/ه \/\/ه\/ه\/ه \/\/ه\/ه \/\/ه\/ه\/ه”. وهناك نوعان من المقاطع: القصيرة “\/“ التي تمثل الحروف المتحركة، والطويلة “\/ه”. والسؤال الذي شغل شعراء الهند القدماء المتمكنين من الحساب هو: كم عدد الاحتمالات الممكنة لتوليفات المقاطع في بيت شعر؟ إذا كانت اللغة المنطوقة لا تخضع لأي قواعد، لكانت الاحتمالات تُعبر عنها بالصيغة: n 2= (n) لكن للغة قواعدها وموسيقاها، خاصة في الشعر. فهذه الدالة تعني وجود احتمال مثل: “\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/“ أي كلمة من عشرة حروف متحركة، وهو أمر مستحيل في اللغة المنطوقة. وعليه، فالدالة صحيحة من حيث الاحتمالات الرياضية، لكن كثيرًا منها غير قابل للتحقق لأن الجهاز الصوتي البشري لا يستطيع إنتاجها. دعوني أشارككم تمرينًا يوضح العلاقة بين الهندسة والرياضيات والخوارزميات من ناحية، والشعر ومتتاليات الجمال من ناحية أخرى. وضع علماء العروض دوائر تسهل حصر البحور الشعرية ومعرفتها وتذكرها. فمثلًا، دائرة “المختلف” تضم ثلاثة بحور خليلية هي الطويل والمديد والبسيط، وبحرين مهملين هما المستطيل والممتد، ويمكن استخلاص بعض القواعد منها: من البديهي أننا لا نبدأ بساكن، لذا لا يمكن أن يبدأ البيت الشعري بحرف ساكن “ه”. كما يستحيل أن يأتي ساكن بعد ساكن. ومن المعروف أن الأوزان الشعرية لا تعتمد على الحروف والكلمات المكتوبة، بل على المقاطع الصوتية. فهناك مقطع طويل “\/ه” يتكون من حرف متحرك “\/“ يتبعه ساكن “ه”، ومقطع قصير يتكون من حرف متحرك “\/“. وتُبنى بحور دائرة المختلف من أسباب وأوتاد. فالسبب “\/ه” يدل على متحرك يليه ساكن، والوتد “\/\/ه” يدل على متحركين يتبعهما ساكن. وهناك بحور تحتوي على فواصل صغرى “\/\/\/ه” أو كبرى “\/\/\/\/ه”، وهي غير موجودة في بحور المختلف. كل بحر من بحور المختلف يحتوي على 10 توليفات من الأسباب والأوتاد في كل شطر. فلنحاول بناء الأوزان مقطعًا مقطعًا، ونستكشف الاحتمالات الممكنة لتوليفات المقاطع في بيت من هذه البحور. أي أننا سنستبعد التوليفات التي تتضمن ثلاثة متحركات متتالية “\/\/\/“، فهي غير موجودة في بحور المختلف. وبذلك تكون متتالية الاحتمالات: 2، 4، 6، 10، 16، 26، ... والمنطق الرياضي الذي يحرك هذه المتتالية بسيط، إذ كل رقم فيها هو حاصل جمع الرقمين السابقين له. تُعرف هذه السلسلة بمتتالية فيبوناتشي (Fibonacci sequence)، نسبة إلى عالم الرياضيات الذي أعاد تقديمها للعالم بعد نحو 1400 عام من وضع بينغالا لها، وصاغها بالدالة: f(n) = f(n-1) + f(n-2) وأرقام فيبوناتشي الشهيرة تبدأ من الصفر (وليس من اثنين كما في حالتنا)، وهي: 0, 1, 1, 2, 3, 5, 8, 13, 21, 34, 55, 89, 144, ... لكنها تعمل بالطريقة ذاتها، فكل رقم هو مجموع الرقمين السابقين له. وتُعد هذه المتتالية أجمل سلسلة أرقام، لأن تمثيلها الهندسي ينتج شكلًا حلزونيًا رائعًا. ويُقال إنها تظهر في كل ما يعتبره البشر جميلًا. ربما لم يصوغ بينغالا أفكاره في القوالب الدالية التي نعرفها اليوم، لكنه بلا شك أسس لنظام العد الثنائي (binary system) الذي اعتمدت عليه الحواسيب، بدلًا من النظام العشري المستخدم في الحساب. ويُرجح أيضًا أنه قدم مفهوم الصفر إلى الرياضيات. حتى هذه النقطة، تبدو القصة ربطًا ساحرًا ولطيفًا بين الشعر والموسيقى والرياضيات. لكنها تتحول إلى قصة خطيرة عندما بدأت المحاولات لجعل هذه المعادلة معيارًا أساسيًا وربما وحيدًا للجمال. في ستينيات القرن التاسع عشر، انشغل العالم الألماني غوستاف فِشنر (Gustav Fechner) بالعلاقة بين محفزات العالم الخارجي وإدراكنا النفسي لها. فقد اعتقد أن هناك علاقة رياضية بين شدة المحفزات ومدى تنبهنا لها. أجرى فِشنر تجربة عرض فيها مجموعة من المستطيلات ذات تناسبات مختلفة على المشاركين، وطلب منهم تحديد الأفضل والأسوأ. وخلص إلى أن المستطيل الأكثر جاذبية هو المرسوم وفق النسبة الذهبية، مما أسس لفكرة استمرت وتمددت عن وجود تناسب رياضي خاص يجذب البشر، سواء في الطبيعة أو في ملامح الوجه. وبالتالي أمكن اكتساب هذه الجاذبية بإخضاع الأعمال الفنية لها، أو بتغيير ملامح الوجه عبر الجراحة التجميلية. وظلت الفكرة صامدة رغم دحض نتائج الدراسة لاحقًا. فعند إعادة التجربة في القرن العشرين، اتضح أن تفضيل الناس للمستطيل الذهبي لم يكن نابعًا من جماله الخاص، بل من موقعه بين المستطيلات الأخرى. وعند تغيير ترتيبها، يفقد المستطيل الذهبي جاذبيته المميزة. وكما ذكرنا، فإن ما يستحق النقد في قصة النسبة الذهبية هو جعلها معيارًا للجمال والجاذبية. فبدلًا من أن يعبر الفنان بحرية، يلتزم في لوحته بعناصر تمتثل للنسبة الذهبية. وبالمنطق نفسه، هناك من يفسر اللوحات والوجوه بلغة المثلثات إلى جانب النسبة الذهبية. لكن هذه المحاولات اليائسة لن تقدم تفسيرًا كافيًا للذهول والانبهار أمام لوحات الطبيعة أو الجدران، ولن تنقذنا من اللحن الذي يأسرنا ويسحرنا. بطبيعة الحال، يمد الأدب والفلسفة العلوم الطبيعية بأفكار محفزة. لكن هناك فرق في التعامل مع الأفكار القادمة من المجالات الإنسانية مقارنة بالعلمية. فما يُطرح في الأولى يُعتبر تأملات قد تؤخذ بها لكنها قابلة للنقد، بينما تحظى المعادلة الرياضية والبحث التجريبي بسلطة خاصة، بل ويُوسع نطاقها لتشمل مناطق جديدة. كان يمكن لمتتالية فيبوناتشي أن تبقى في مجالها، تفسر انتظام بذور دوار الشمس، أو بدقة أكبر، الهرم المبني من أوراق اللعب. لكن كيف يفيد هذا التعامل المتواضع مع المعرفة التجار الذين يريدون تبرير ثمن لوحة أو عملية تجميل؟ نوف السعيدي كاتبة وباحثة في فلسفة العلوم.
الرياضيات في الشعر: من بينغالا إلى النسبة الذهبية
تستعرض نوف السعيدي في مقالها كيف ارتبط الشعر بالرياضيات عبر متتالية فيبوناتشي التي أسسها بينغالا قبل الميلاد، وكيف جعل فشنر النسبة الذهبية معيارًا للجمال.
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.