أعلن نادي فالنسيا الإسباني، اليوم الجمعة، اتفاقا لبيع 42% من أسهمه إلى تحالف استثماري أمريكي مدعوم من مؤسسي إحدى أكبر شركات الاستثمار في العالم، في صفقة تُقدَّر القيمة الإجمالية للنادي بنحو 1.25 مليار يورو (نحو 1.4 مليار دولار)، وتتضمن ضخ 100 مليون يورو (نحو 108 ملايين دولار) من الأموال الجديدة في خزائنه، بينما تحتفظ عائلة رجل الأعمال السنغافوري بيتر ليم بالسيطرة على النادي رغم تراجعه الرياضي خلال السنوات الماضية.
ويقود التحالف، الذي يحمل اسم "بيتشوايز هولدينغز" (Pitchwise Holdings)، المديران الرياضيان الأمريكيان آن رودريغيز وكوري وولفولك، ويحظى بدعم هنري كرافيس وجورج روبرتس، المؤسسين المشاركين لشركة "كيه كيه آر" (KKR)، إحدى أكبر المؤسسات العالمية لإدارة الاستثمارات، إلى جانب مجموعة "بينر سبورتس" المالكة لفريق دنفر برونكوس في دوري كرة القدم الأمريكية.
وأوضح فالنسيا في بيان رسمي أن التحالف سيشتري أسهما من شركة "ميريتون هولدينغز" المملوكة لبيتر ليم، مع ضخ 100 مليون يورو (نحو 108 ملايين دولار) من رأس المال الجديد للاستثمار المباشر في النادي، مشيرا إلى أن إتمام الاتفاق ما زال مشروطا بالحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة.
ورغم أن الصفقة ستمنح المستثمرين الأمريكيين حصة كبيرة، فإنها لن تنهي سيطرة عائلة ليم التي استحوذت على فالنسيا عام 2014، إذ ستحتفظ بالأغلبية، بينما يواصل كيات ليم، نجل المالك السنغافوري، رئاسة النادي التي تولى مسؤوليتها عام 2025.
تأسست مجموعة "بيتشوايز هولدينغز" عام 2015 على يد كوري وولفولك، لاعب كرة القدم السابق في الولايات المتحدة، الذي انتقل لاحقا إلى عالم الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية ورأس المال المخاطر، قبل أن يتولى قيادة المجموعة إلى جانب آن رودريغيز.
وتمتلك رودريغيز خبرة تتجاوز 25 عاما في الإدارة الرياضية، عملت خلالها مع ناديي أتلانتا يونايتد وسان خوسيه إيرثكويكس، ودوري كرة السلة الأمريكي للسيدات، واللجنة المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية المقررة في لوس أنجلوس عام 2028.
لكن الاسمين الأكثر شهرة في عالم المال هما هنري كرافيس وجورج روبرتس، اللذان شاركا في تأسيس شركة "كولبرغ كرافيس روبرتس" عام 1976، قبل أن تصبح واحدة من أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في الاستثمار المباشر والاستحواذ على الشركات.
ووفقا لتقرير صحيفة "ذا أثلتيك" البريطانية، فإن كرافيس وروبرتس، البالغين من العمر 82 و83 عاما على الترتيب، يشاركان في صفقة فالنسيا بصفتهما الشخصية، وهو ما يعني أن الصفقة لا تمثل استحواذا مباشرا من شركة "كيه كيه آر" نفسها.
وأكدت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن مشاركة المؤسسين تأتي عبر مكاتبهما الاستثمارية الخاصة، إلى جانب مجموعة "بينر سبورتس"، التي أسسها غريغ بينر وزوجته كاري، وتمتلك فريق دنفر برونكوس وحصة أقلية في كولورادو روكيز المنافس في دوري البيسبول الأمريكي.
ويجمع التحالف بذلك بين خبرة الاستثمار في الشركات وإدارة المؤسسات الرياضية، وهي المقومات التي تراهن عليها إدارة فالنسيا لتطوير أنشطته التجارية وتعزيز قدرته على المنافسة.
رغم إعلان تقييم فالنسيا بنحو 1.25 مليار يورو (نحو 1.4 مليار دولار)، فإن النادي لم يكشف عن المقابل المالي الذي ستدفعه المجموعة الأمريكية مقابل الأسهم المشتراة من بيتر ليم.
وذكرت صحيفة "إل دياريو" الإسبانية أن مصادر في النادي نفت أن يكون ثمن الأسهم مساويا لنسبة 42% من التقييم الإجمالي المعلن، بينما قدرت مصادر أخرى تحدثت إليها الصحيفة الإسبانية المقابل بنحو 231 مليون يورو (نحو 249 مليون دولار)، إضافة إلى 100 مليون يورو (نحو 108 ملايين دولار) مخصصة للاستثمار المباشر، ليصل إجمالي الصفقة، وفق هذا التقدير غير المؤكد رسميا، إلى 331 مليون يورو (نحو 357 مليون دولار).
ويرجع الاختلاف إلى أن تقييم 1.25 مليار يورو (نحو 1.4 مليار دولار) يشمل القيمة الإجمالية للمؤسسة وأصولها وديونها، ولا يعبر بالضرورة عن قيمة أسهمها وحدها. ويدخل ضمن هذا التقييم الفريقان الأولان للرجال والسيدات، وملعب "ميستايا" الحالي، ومشروع الملعب الجديد "نيو ميستايا".
وتتضمن العملية جانبين ماليين مختلفين؛ إذ سيذهب ثمن الأسهم المبيعة إلى الشركة المالكة لها، بينما تدخل الأموال الجديدة إلى خزائن فالنسيا لتمويل أنشطته ومشروعاته.
وكشفت "ذا أثلتيك" أن مبلغ 100 مليون يورو (نحو 108 ملايين دولار) سيقدم في البداية على هيئة قرض يتحول لاحقا إلى أسهم، وهو ما سيؤدي إلى تخفيض النسب المئوية لحصص المساهمين الحاليين، ومن بينهم نحو 44 ألف مشجع يمتلكون مجتمعين قرابة 8.5% من النادي.
ويتفق ذلك مع ما أورده موقع "تو بلاي بوك" الإسباني المتخصص في اقتصاد الرياضة، الذي أوضح أن حصة التحالف البالغة 42% ستنتج عن الجمع بين شراء الأسهم القائمة وزيادة رأس المال.
وتبرز أهمية المبلغ الجديد عند مقارنته بحجم إيرادات فالنسيا; إذ أظهرت الحسابات المالية الرسمية للنادي أن إيرادات مجموعته بلغت 103.7 ملايين يورو (نحو 112 مليون دولار) في موسم (2024-2025)، مقابل 106.9 ملايين يورو (نحو 115.5 مليون دولار) في الموسم السابق، متأثرة بتراجع عائدات حقوق البث التلفزيوني نتيجة النتائج الرياضية.
تأتي الصفقة بينما يعيش فالنسيا واحدة من أصعب مراحله الرياضية، بعدما حقق انتصارا واحدا خلال أول 9 مباريات من الموسم الجاري، ليحتل المركز التاسع عشر في ترتيب الدوري الإسباني، وفقا لما أوردته "فايننشال تايمز".
ويعكس هذا التراجع حجم الفجوة بين حاضر النادي وتاريخه، إذ سبق له الفوز بالدوري الإسباني 6 مرات، وبلوغ نهائي دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين عامي 2000 و2001، قبل أن يعيش إحدى أبرز فتراته بقيادة المدرب الإسباني رافائيل بينيتيز.
وتوج فالنسيا خلال تلك الحقبة بلقب الدوري الإسباني عام 2002، ثم جمع بين بطولتي الدوري وكأس الاتحاد الأوروبي عام 2004، ليؤكد مكانته بين القوى الكبرى في الكرة الإسبانية.
وعندما استحوذ بيتر ليم على غالبية أسهم النادي عام 2014، كان فالنسيا يعاني أزمة مالية وديونا متراكمة، مما جعل الصفقة تبدو فرصة لإعادة الاستقرار إلى مؤسسة كانت تواجه صعوبات اقتصادية كبيرة.
وبدأت حقبة المستثمر السنغافوري بنتائج متفاوتة، قبل أن يحقق النادي أبرز نجاحاته عام 2019 عندما فاز بكأس ملك إسبانيا على حساب برشلونة، وأنهى الدوري في المركز الرابع، وبلغ نصف نهائي الدوري الأوروبي.
لكن ذلك الموسم بقي استثناء في مسيرة شهدت تراجعا تدريجيا في النتائج، وتكرار تغيير المدربين، وابتعاد الفريق عن البطولات القارية، حتى أصبح صراع البقاء في الدرجة الأولى من أبرز هواجسه.
وأدت هذه الأوضاع إلى تصاعد الاحتجاجات الجماهيرية ضد بيتر ليم وإدارته، إذ حمّلت قطاعات من مشجعي فالنسيا المالك السنغافوري مسؤولية فقدان النادي قدرته على المنافسة، وطالبت برحيله.
ومن هنا تبرز إحدى المفارقات في الصفقة الجديدة؛ فبينما يحصل فالنسيا على موارد مالية وخبرات استثمارية إضافية، تبقى السيطرة على قراراته الكبرى بيد العائلة نفسها التي تعرضت لانتقادات متكررة من جماهيره.
بعيدا عن النتائج الحالية، يبدو مشروع ملعب "نيو ميستايا" أحد أبرز الأصول التي جذبت المستثمرين الأمريكيين، بعدما ارتبط اسمه على مدى نحو عقدين بالأزمات المالية والإدارية التي واجهها النادي.
وبدأ فالنسيا بناء الملعب عام 2007، قبل أن تتوقف الأعمال عام 2009 بسبب نقص التمويل، ليبقى المشروع غير المكتمل لسنوات طويلة، بينما واصل الفريق مبارياته على ملعبه التاريخي "ميستايا"، الذي يتسع لنحو 49 ألف متفرج.
وتحول الهيكل الخرساني للملعب الجديد إلى أحد أبرز رموز تعثر النادي، قبل أن تُستأنف أعمال البناء في يناير/كانون الثاني 2025، عقب إعادة ترتيب التزاماته المالية.
وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، أعلن فالنسيا تأمين حزمة تمويل بقيمة 322 مليون يورو (نحو 348 مليون دولار) لاستكمال المشروع، تتضمن إصدار سندات بقيمة 237 مليون يورو (نحو 256 مليون دولار) تستحق بعد 28 عاما، وقرضا بقيمة 85 مليون يورو (نحو 92 مليون دولار) لمدة 5 سنوات.
وأوضح النادي آنذاك أن القرض الأخير سيُسدَّد من حصيلة بيع أرض ملعبه الحالي بعد الانتقال إلى "نيو ميستايا"، المقرر افتتاحه عام 2027، بطاقة استيعابية تتجاوز 70 ألف متفرج.
ووفقا لوكالة "رويترز"، تراهن إدارة فالنسيا على أن يتيح الملعب الجديد زيادة كبيرة في الإيرادات من التذاكر والضيافة واستضافة الفعاليات، بفضل سعته الأكبر ومرافقه التجارية، وهو ما يفتح مصادر للدخل تتجاوز عوائد المباريات وحدها.
وفي المقابل، يحتفظ النادي بأصل عقاري مهم يتمثل في أرض "ميستايا" الحالية الواقعة داخل مدينة فالنسيا، والتي يمكن إعادة تطويرها بعد رحيل الفريق إلى ملعبه الجديد.
وتفسر هذه المعطيات جانبا من جاذبية الصفقة؛ فالمستثمرون لا يشترون حصة في فريق يحتل المركز قبل الأخير فحسب، وإنما يدخلون مؤسسة تملك تاريخا أوروبيا وقاعدة جماهيرية كبيرة، إلى جانب ملعب جديد وأصول عقارية يمكن أن تعزز إيراداتها مستقبلا.
أعرب كيات ليم عن ثقته في أن الشراكة الجديدة ستفتح مرحلة مختلفة في تاريخ النادي، مؤكدا في تصريحات نشرها الموقع الرسمي لفالنسيا أن الهدف يتمثل في بناء مؤسسة حديثة ينافس فريقاها للرجال والسيدات بانتظام في البطولات الأوروبية، وتواصل أكاديميتها تطوير المواهب، بينما يصبح ملعبها الجديد معلما بارزا في المدينة.
من جانبهما، اعتبر آن رودريغيز وكوري وولفولك أن تاريخ فالنسيا وقاعدته الجماهيرية ومشروع ملعبه الجديد تمنحه مقومات العودة إلى مكانة بارزة في الكرة الأوروبية، لكنهما شددا على ضرورة الجمع بين هذه الإمكانات واستراتيجية استثمار واضحة تتناسب مع المتطلبات المالية والتنافسية للعبة.
ورحب خافيير تيباس، رئيس رابطة الدوري الإسباني، بالصفقة، ووصفها في تصريحات نقلتها إذاعة "كادينا سير" بأنها "إيجابية للغاية"، مشيرا إلى أنها تجمع بين ضخ الأموال والاستفادة من خبرات مستثمرين دوليين في الإدارة الرياضية، وتعزز جاذبية الدوري الإسباني لرؤوس الأموال الأجنبية.
وتندرج العملية ضمن موجة أوسع من الاستثمارات الأمريكية في كرة القدم الإسبانية، بعدما دخلت شركة "أبولو سبورتس كابيتال" في ملكية أتلتيكو مدريد، في واحدة من أبرز صفقات الاستحواذ التي شهدتها المسابقة خلال الفترة الأخيرة.
ومع ذلك، يختلف وضع فالنسيا عن الأندية التي انتقلت فيها السيطرة إلى مالك جديد، إذ تمنح الصفقة المستثمرين الأمريكيين حصة أقلية كبيرة دون أن تنتزع الأغلبية من بيتر ليم.
ولهذا ستكون قدرة الشركاء الجدد على تحويل التمويل إلى تحسن رياضي ملموس، والمساهمة في إكمال مشروع الملعب واستعادة ثقة الجماهير، المعيار الأبرز للحكم على نجاح الصفقة، بينما يبقى السؤال قائما بشأن حجم تأثيرهم الفعلي في القرارات التي سترسم مستقبل فالنسيا.