غزّةُ.. يا جرحَ اللهِ في جسدِ الخليقةْ، يا مريمَ الأرضِ، إذ خبّأتْ أبناءَها في باطنِ الطينِ، وأطبقتْ على صرختِها كي لا يفيقَ الموتُ من سُكْرِهِ الأزليّ. يا ابنةَ النارِ التي سبقتْ ولادةَ الطينِ، يا أوّلَ الأسرارِ حينَ انكسرتْ ألواحُ هذا الكونِ، وانفلتتْ من شقوقِها أسماءٌ لا تُروَّضُ، وأجنحةٌ تذكّرتْ ما نسيتْهُ السماءْ. غزّةُ.. يا أيقونةَ المسيحِ حينَ ألقى على صليبِكِ ظلَّهُ، ومضى جريحاً في دمهِ، حتى استحالَ جراحُهُ نجماً يشقُّ عتمةَ الأبدْ يا كفَّ مريمَ حينَ ضاقَ العالمُ اتّساعاً، وتدلّى من أصابعِها قمرٌ يقطرُ من نورِهِ وجعُ المجرّاتْ. هنا، حيثُ النواقيسُ تنحني كي تسمعَ الأقصى، والمآذنُ تُصغي إلى رجفةِ الأجراسْ، تتوضّأُ الأرضُ بملحِها، ويصعدُ الإنجيلُ من حنجرةِ الحجرْ، وتُخفي يدُ الترابِ تحتَ أكمامِها نجمةً لم تتعلّمِ الانطفاءْ. أيُّ سماءٍ هذهِ المعلّقةُ من ضلعِ نعشْ؟ وأيُّ إلهٍ تركَ أبوابَ الخليقةِ مشرعةً لخيولِ الموتِ، كي تعبرَ من حليبِ الأمّهاتِ إلى مهدِ النبوءةْ؟ مَن علّمَ القاتلَ أن يخلعَ وجهَهُ ويعلّقَهُ على بابِ النهارْ، ثمّ ينامَ على ارتجافِ سريرِ طفلْ؟ مَن دلَّ النارَ على عُشِّ العصفورِ؟ مَن قالَ للبيتِ إنَّ سقفَهُ أضعفُ من جناحْ، وإنَّ قلبَ الأمِّ يتّسعُ لخرابِ العالمِ، لكنّهُ لا يتّسعُ لغيابِ كفٍّ صغيرةْ؟ غزّةُ.. لا تسألي مريمَ عن أبنائِها؛ فالبحرُ يخبّئُ أصواتَهم في قاعِهِ الأعمقِ من النسيانْ، والريحُ تجمعُ ضحكاتِهم من شقوقِ الملحْ، والتينُ، حينَ يمدُّ جذورَهُ في العتمةِ، يتلو أسماءَهم على مسامعِ الترابْ. هذي العظامُ ليستْ رميمَ العابرينْ؛ إنّها جذورٌ تعلّمتْ كيفَ تنزلُ كي ترفعَ الأرضَ من قاعِ سقوطِها. وهذا الرمادُ ليسَ آخرَ الحكايةْ؛ إنّهُ حبرُ النارِ حينَ تعجزُ النارُ عن الكلامْ، وما تتركُهُ يدُ الخرابِ على بياضِ العالمِ من أثرٍ لا تمحوهُ المرايا. يا غزّةُ، يا سرَّ الطينِ حينَ تمرّدَ على وصايا الفناءْ، يا سِفرَ التكوينِ وقد تناثرتْ ألواحُهُ في أفواهِ العاصفةْ، وبقيَ اسمُكِ مسماراً من ضوءٍ في نعشِ هذا الزمنْ. فيكِ القيامةُ ليستْ باباً في كتابْ؛ إنّها قبضةُ طفلٍ تشقُّ جدارَ القبرْ، وأمٌّ تلمُّ من حطامِ البيتِ ظلَّ فراشةٍ، وتُخفيه في قلبِها كي لا تموتَ الألوانْ. وشهيدٌ كلّما أطبقَ الليلُ على ترابِهِ، نبتتْ في دمهِ جهةٌ جديدةٌ للأرضْ. فيكِ المسيحُ لا يستعيرُ خلاصَهُ من السماءْ؛ يمشي حافياً فوقَ جمرِ الحكايةِ، ويشقُّ صدرَ الصمتِ بمسمارِهِ الأخيرْ، ثمّ يردُّ للصلبِ سؤالَهُ: ماذا لو نهضَ المصلوبُ من داخلِ الصليبْ؟ ماذا لو صارَ الجرحُ باباً، وصارَ المسمارُ مفتاحاً لسماءٍ أخرى؟ ماذا لو نهضَ الترابُ من تحتِ أقدامِ آلهةِ الحربْ، ومدَّ كفَّهُ ليكتبَ على جبينِ الخليقةِ: ليسَ الموتُ آخرَ أسماءِ الحياةْ؟ غزّةُ.. يا جمرةَ اللهِ في كفِّ الخليقةْ، يا عِزّةَ الروحِ حينَ انحنتْ جدرانُ العالمِ وظللتِ واقفةْ، حتى بدا التاريخُ ركاماً عندَ قدميكِ، وبدا الوقوفُ معجزةً من لحمٍ ودمْ. دعي الليلَ يستنفدُ سوادَهُ؛ في عروقِكِ فجرٌ لا تعرفُ الشمسُ كيفَ تصلُ إليهْ، وفي ترابِكِ سرٌّ إذا انشقَّ ارتبكَتْ مرايا القيامةْ، واكتشفتِ السماءُ أنَّها لم تكنْ مصدرَ الضوءْ. حينَ يُغلقُ الموتُ أبوابَهُ، ستدخلينَ من شقوقِ الروحْ، وحينَ تنسى السماءُ أبجديّةَ الضوءْ، ستعلّمينَ النجومَ كيفَ تُهجّي النارْ. وإذا سألوا الترابَ: مَن بقيَ بعدَ أن فرغَ الخرابُ من أسمائِهِ؟ سيقولُ: مرّتْ غزّةُ من هنا.. فصارَ للموتِ قبرٌ، وللصليبِ سؤالٌ، وللسماءِ قلبٌ ينبضُ تحتَ الركامْ، وللأرضِ، للمرّةِ الأولى، اسمٌ لا يُدفنْ.
مزاميرُ القيامة
غزّةُ.. يا جرحَ اللهِ في جسدِ الخليقةْ، يا مريمَ الأرضِ، إذ خبّأتْ أبناءَها في باطنِ الطينِ، وأطبقتْ على صرختِها كي لا يفيقَ الموتُ من سُكْرِهِ الأزليّ. يا ابنةَ النارِ التي سبقتْ ولادةَ الطينِ، يا أوّلَ الأسرارِ حينَ انكسرتْ ألواحُ هذا الكونِ، وانفلتتْ من شقوقِها أسماءٌ لا تُروّ...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.