ثمة أشخاص لا يحتاجون إلى ارتكاب جريمة في حقك كي يفسدوا يومك، ولا إلى توجيه إهانة صريحة كي يجعلوك تشك في قيمتك، ولا حتى إلى رفع أصواتهم كي تشعر بأنك خرجت من معركة خاسرا، يكفي أن تجلس معهم لبعض الوقت، ثم تعود إلى بيتك مثقلا بشيء لا تعرف له اسما، عاجزا عن تفسير ذلك التعب الذي أصابك رغم أنك لم تفعل شيئا سوى الحديث. تحاول أن تستعيد تفاصيل اللقاء، فتكتشف أنك لم تتعرض لموقف استثنائي، ولم تسمع خبرا مفجعا، ولم تبذل جهدا جسديا يستحق كل هذا الإنهاك، ومع ذلك تشعر كأن أحدهم استعار منك قدرتك على الابتهاج وأعادها إليك ملوثة بالشك والقلق. هؤلاء هم من نسميهم، على سبيل المجاز، مصاصي الطاقة، أولئك الذين لا يسرقون وقتك فحسب، بل يستهلكون المساحة النفسية التي تحتاج إليها كي تعيش حياتك بسلام. ليس المقصود هنا أن نقسم البشر إلى كائنات مضيئة وأخرى مظلمة، فكل إنسان يحمل في داخله ما يكفي من التناقضات ليكون مرهقا أحيانا ومبهجا أحيانا أخرى، وإنما المشكلة تبدأ حين يتحول الاستنزاف من حالة عابرة إلى نمط ثابت في العلاقة، وحين يصبح وجود شخص ما مرادفا لاستعدادك الدائم للدفاع عن نفسك أو تبرير اختياراتك أو الاعتذار عن أخطاء لم ترتكبها. هناك من يدخل حياتك محملا بأزماته، لكنه لا يبحث عن حل بقدر ما يبحث عن شخص يتولى حملها عنه، وهناك من يحول كل حديث إلى محاكمة، وكل اختلاف إلى معركة كرامة، وكل نجاح تحققه إلى مناسبة لاستحضار ما ينقصك، كأن سعادته لا تكتمل إلا إذا خرجت أنت من المشهد أقل ثقة بنفسك مما كنت عليه قبل دخوله. والأكثر إنهاكا من هؤلاء هم الذين يجعلونك تعمل طوال الوقت على فك شيفراتهم. لا يقولون ما يريدون بوضوح، ولا يمنحونك فرصة لفهم موقفهم، بل يتركونك معلقا بين احتمالات متناقضة، ثم يعاقبونك لأنك لم تفهم ما لم يشرحوه لك. قد يتعمد أحدهم الصمت حتى يدفعك إلى القلق، أو يستخدم البرود وسيلة لإشعارك بالذنب، أو ينسحب من العلاقة كلما لم تجر الأمور وفقا لرغبته، ثم يعود حين يطمئن إلى أنك ما زلت مستعدا لملاحقته. وهكذا يتحول جزء كبير من حياتك إلى مختبر لتفسير الإشارات، فتستهلك ساعاتك في التفكير بما قاله وما لم يقله، بينما يواصل هو يومه من دون أن يدرك، أو من دون أن يكترث، أن غموضه صار إقامة إجبارية في رأسك. وثمة نوع آخر يتقن ارتداء ثوب الضحية، فلا يخطئ إلا لأن الآخرين دفعوه إلى الخطأ، ولا يؤذي إلا لأنه تعرض للأذى، ولا يجرح إلا لأنه حساس أكثر مما ينبغي. وحين تواجهه بما فعل، لا يناقش الفعل نفسه، بل ينقل الحديث إلى معاناته الشخصية، حتى تجد نفسك في نهاية الحوار تعتذر له عن الألم الذي سببه لك. هذه واحدة من أكثر الحيل استنزافا للعلاقات، إذ تختلط فيها الرحمة بالتنازل، ويصبح التعاطف باباً مفتوحاً لإعفاء الآخرين من المسؤولية. وليس مطلوباً منا أن نشكك في آلام الناس، لكن من حقنا أن نفهم أن معاناة الإنسان لا تمنحه ترخيصاً لإيذاء الآخرين، وأن الاعتراف بجرح شخص ما لا يعني السماح له بأن يجعلنا جرحه الدائم. وقد يكون مصاص الطاقة شخصا نحبّه بالفعل، وهذه هي المعضلة الحقيقية. فلو كان الأمر يتعلق بغريب عابر، لكان الانسحاب منه أمرا سهلا، لكن ماذا نفعل حين يكون المستنزف صديقا قديما أو قريبا أو شريكا نربط به تاريخا من المودة والذكريات؟ هنا تبدأ قدرتنا على التمييز بين الحب والمسؤولية المفرطة، فالحب لا يقتضي أن نكون متاحين في كل لحظة، ولا أن نتحول إلى مستودع دائم لمخاوف الآخرين، ولا أن نؤجل راحتنا كي لا يشعر أحدهم بالوحدة. نستطيع أن نحب إنسانا ونرفض سلوكه، وأن نتفهم ظروفه من دون أن نقبل أن تتحول ظروفه إلى عبء دائم على حياتنا، وأن نمد له يد المساعدة من دون أن نسمح له بسحبنا معه كلما رفض النهوض. ولعل أصعب ما ينبغي أن نتعلمه هو أن وضع الحدود ليس قسوة، وأن قول “لا” لا يجعلنا أنانيين، وأن تقليل الاحتكاك بمن يستنزفنا ليس انتقاما منه، بل محاولة لاستعادة التوازن الذي فقدناه في العلاقة. يمكننا أن ننهي نقاشا دائريا حين ندرك أنه لا يقود إلى فهم، وأن نمتنع عن تبرير قراراتنا لمن لا يريد سماعها، وأن نرفض الدخول في سباق لا ينتهي لإثبات حسن نوايانا. كما يمكننا أن نتوقف عن منح كل كلمة جارحة حق الإقامة في ذاكرتنا، فليس كل استفزاز يستحق الرد، وليس كل اتهام يحتاج إلى دفاع، وليس كل شخص يسيء فهمنا يستحق أن نهدر أعمارنا في إقناعه بحقيقتنا. إن سلامنا الداخلي ليس جائزة نمنحها لمن يرضى عنا، ولا امتيازا نحصل عليه بعد أن ننجح في إرضاء الجميع، بل مسؤولية تبدأ حين نفهم أن أعمارنا أقصر من أن نقضيها في إدارة انفعالات الآخرين. وربما لا نستطيع أن نختار جميع الأشخاص الذين يدخلون حياتنا، لكننا نستطيع أن نختار مقدار المساحة التي نمنحهم إياها، وأن نعرف متى تكون المحبة عونا متبادلا ومتى تتحول إلى استنزاف أحادي الجانب. ففي النهاية، ليست الخسارة الكبرى أن يغادر أحدهم حياتنا، وإنما أن نبقى معه زمنا طويلا حتى نغادر أنفسنا؛ وأن نكتشف، بعد كل تلك المحاولات لإسعاده، أننا نسينا كيف نفرح من دونه.
مصاصو الطاقة: الذين يغادرون أرواحنا قبل أن يغادروا الغرفة
ثمة أشخاص لا يحتاجون إلى ارتكاب جريمة في حقك كي يفسدوا يومك، ولا إلى توجيه إهانة صريحة كي يجعلوك تشك في قيمتك، ولا حتى إلى رفع أصواتهم كي تشعر بأنك خرجت من معركة خاسرا، يكفي أن تجلس معهم لبعض الوقت، ثم تعود إلى بيتك مثقلا بشيء لا تعرف له اسما، عاجزا عن تفسير ذلك التعب […]
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.