يستمر الإبداع في الدورة الـ12 من ملتقى الشارقة للخط، الذي ينظم تحت شعار «ميزان»، في تقديم أعمال فنية تثير الإعجاب من خلال التكوين والتوازن الفني الذي يشمل جميع عناصر اللوحة. يلعب الحرف دوراً محورياً فيها، سواء من خلال امتداداته وتشابكاته أو عبر دمجه مع العناصر الأخرى كاللون والزخرفة والتشكيل والذهبيات، مما يختبر قدرة الفنانين المشاركين على تقديم فن الخط العربي بما يحمله من مضامين روحية وفكرية في إطار رؤى فنية معاصرة.
في لوحة الخطاط السوداني تاج السر حسن، نقف أمام تكوين خطي زخرفي مركب. فقد كتب تاج السر آية الكرسي باللون الأسود، حيث ثبت مطلع الآية «الله لا إله إلا هو الحي القيوم» في مساحة دائرية صغيرة وبدرجة سواد شديدة، بينما وزع بقية الآية في مستوى دائري أكبر، وكل ذلك داخل إطار مربع بلون بني. يقوم العمل على تكوين خطي زخرفي مركب، تتداخل فيه الحروف ضمن بناء دائري محكوم لعلاقات دقيقة بين الكتلة والفراغ، وبين امتداد الحرف وانحنائه.
تبرز جماليات اللوحة في قدرة الفنان تاج السر على الجمع بين مركز بصري قوي ممثلاً بالدائرة الصغرى وتحيط به كتلة كتابية خطية متشابكة وزخارف نباتية تبرز بشكل أوضح في الإطار الخارجي، ما يمنح هذا العمل ثراءً بصرياً وعمقاً جمالياً واضحاً ولافتاً. لا تقرأ لوحة الفنان تاج السر حسن بالعين فقط، بل يمكن استشعار ما فيها من قوة روحية، من خلال التكرار والتفاف الحروف، وكافة العناصر المكونة لها، فثمة توازن دقيق بين الكتلة المركزية والفراغ، حيث الزخارف الذهبية الناعمة وبين الإطار المربع الذي يحتضن الدوائر المكونة للنص، وكل ذلك جاء من خلال انسيابية رشيقة في لوحة تنبض بالروحانية والجمال.
في لوحة مزخرفة للفنانة العمانية أنوار الحسيني، يتأسس التكوين الفني في اللوحة على مركزية الدائرة، حيث تتابع الوحدات الزخرفية في طبقات متناسقة، وهذا يخلق إيقاعاً بصرياً تتعانق فيه الهندسة مع التفاصيل النباتية. يأتي اللون البنفسجي إلى جانب اللون الذهبي ليمنحا عمقاً وثراءً، وتعمل الدرجات اللونية الفاتحة على إبراز التفاصيل، وتحقيق التوازن بين كثافة الزخرفة وسعة الفراغ. هنا، لا تبدو الزخرفة مجرد إضافة جمالية، بقدر كونها عنصراً بنائياً ينظم حركة العين، كما يعزز وحدة العمل الفني، في توازن يجمع بين الدقة وحيوية اللون وانسيابية التفاصيل.
التوازن هنا يمثل الجاذبية التي تشد عين المتلقي دون أن تشعر، وتخلق في وعيه حالة من الطمأنينة البصرية والقبول النفسي؛ فبدونه، يتحول الإبداع إلى فوضى. تشكل الزخرفة في اللوحة بوصلة أساسية تحكم التصميمات الهندسية والزخارف النباتية، وكل ذلك يحدث في تناغم بصري مضبوط بحرفية التماثل والتكرار المحسوب. هذا التناغم يريح عين المتلقي ويأخذه في رحلة تأملية وروحية، لتجسد الزخرفة هنا، فكرة الخلود والانسجام الروحي.
من المهم الإشارة إلى أن التكوين الفني في هذه اللوحة في علاقته مع التوازن البصري ينطلق من مركز دائري واضح، تتفرع منه طبقات زخرفية متتابعة نحو الخارج، في حركة شبه شعاعية توحي بالامتداد والدوران. يؤدي المركز هنا دور النواة التي تنتظم حولها بقية العناصر، فيما تتكرر الوحدات الزخرفية على مسافات متقاربة، وهذا يحقق إيقاعاً بصرياً يعزز التماثل حول مركز اللوحة ويمنح التكوين العام في اللوحة طاقة حركية متناغمة.
في لوحة للفنان العراقي علي عطية استخدم فيها القول المأثور «أشرف حسب حسن الأدب» للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبالخط الثلث الجلي، نقف أمام تكوين خطي يمنح الحروف حركة بصرية تمتد في اتجاهات متعددة. يتميز هذا التكوين بحركة ديناميكية تنطلق من تداخل الحروف العربية وتتشابك في بناء بصري متماسك، حيث تتوازن الامتدادات الرأسية في القول المأثور مع الانحناءات الأفقية والالتفافات المرنة للحروف.
اعتمدت لوحة الخطاط علي عطية على تدرجات لونية مختلفة تميل إلى البني في معظمها مع خلفية فاتحة، مما يمنح اللوحة قوة بصرية تسهل على المتلقي قراءتها. ومن جهة أخرى، نجح الخطاط في تحقيق أعلى درجات التوازن في اللوحة من خلال توزيع الحروف بين جانبي اللوحة، مع اختلاف أحجام الحروف وامتداداتها واتجاهاتها. فالحروف العمودية الطويلة تمنح المنظور الفني قوة وارتفاعاً، في حين تحقق الانحناءات الأفقية للحروف نوعاً من الاستقرار البصري.
تتجلى جمالية هذه اللوحة في قدرتها على تحقيق الانسجام بين اللون والحرف والفراغ، إذ يمنح اللون الحروف حضورها التعبيري، فيما يضبط التوازن حركتها داخل المساحة. هنا، تتحول الكتابة إلى بناء بصري يجمع بين حرفية كتابة الحرف في علاقته مع مكونات اللون والفراغ والتشكيل.
[media[8180491]]
***طمأنينة***
[media[8180492]]