تخطّي إلى المحتوى
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026
عاجل
أربعة أعمال درامية صينية متميزة تُطل قريبًا على جمهور الشرق الأوسط تنسيق بين لجنة الشؤون الدستورية والمحكمة الدستورية العليا لضمان سلامة التشريعات تفاصيل انتقال الجزائري رفيق بلغالي إلى نادي تورينو الإيطالي خطة حكومية لمكافحة الفساد والريع وتعزيز الشفافية في الصفقات العمومية (2026-2031) اتفاقية تعاون بين صندوق تطوير التعليم والغرفة التجارية الكندية لتأهيل الشباب المصري مؤسسة إشراقة تبرم 5 اتفاقيات تنموية في ولاية ضنك صحار الإسلامي يطلق باقة "أنتِ زاهية" لتعزيز الخدمات المصرفية المخصصة للمرأة ارتفاع قضايا الطلاق والتطليق إلى 154 ألفاً في المغرب خلال 2025 البنك الأهلي يطلق أكاديمية "أهلي تمكين" لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هتافات معادية لعمر السومة تثير الجدل في مباراة كرة سلة بدمشق أربعة أعمال درامية صينية متميزة تُطل قريبًا على جمهور الشرق الأوسط تنسيق بين لجنة الشؤون الدستورية والمحكمة الدستورية العليا لضمان سلامة التشريعات تفاصيل انتقال الجزائري رفيق بلغالي إلى نادي تورينو الإيطالي خطة حكومية لمكافحة الفساد والريع وتعزيز الشفافية في الصفقات العمومية (2026-2031) اتفاقية تعاون بين صندوق تطوير التعليم والغرفة التجارية الكندية لتأهيل الشباب المصري مؤسسة إشراقة تبرم 5 اتفاقيات تنموية في ولاية ضنك صحار الإسلامي يطلق باقة "أنتِ زاهية" لتعزيز الخدمات المصرفية المخصصة للمرأة ارتفاع قضايا الطلاق والتطليق إلى 154 ألفاً في المغرب خلال 2025 البنك الأهلي يطلق أكاديمية "أهلي تمكين" لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هتافات معادية لعمر السومة تثير الجدل في مباراة كرة سلة بدمشق

"إيجيبت" والحراك الطبقي في مصر

يصف مصطلح "إيجيبت" فئة من المجتمع المصري تتسم بالبذخ الشديد، وتبدو وكأنها معزولة ومحصنة، بل وفي نظر البعض مستفيدة من التقلبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد. إلا انها في الحقيقة ظاهرة أعقد من ذلك.

21 أكتوبر 2026 28 د للقراءة 3
"إيجيبت" والحراك الطبقي في مصر

في عام 2022، وقف صحفيان متخفيان من هيئة الإذاعة البريطانية، في صورة زوجين، أمام باب مطعم راق في القاهرة. منعهما البواب من الدخول، وقال إن الحجاب ممنوع لأن هناك "بار" في المطعم. طلبا مقابلة المدير، فأكد ما قاله البواب، لا دخول للمحجبات. جرب الصحفيان الحجز في 15 مطعما راقيا، فرفض 11 منها دخول المحجبات، وطلب أغلبها روابط حسابات الضيفين على مواقع التواصل الاجتماعي لتقييمها قبل قبول الحجز. ثم انتقل التحقيق من المطاعم إلى العقارات. سأل أحد الصحفيين وسيطا لشركة عقارية كبرى عن فرصة شراء وحدة في مشروعها على الساحل الشمالي، وذكر أن زوجته محجبة، فوُضع على قائمة انتظار طويلة بلا رد. وبعد أسابيع عاد ولم يذكر زوجته، فعُرضت عليه الوحدات فورا. وأخبره الوسيط حينها إن أحد مشاريع الشركة ليس فيه محجبة واحدة.

هذا ما استطاعت الصحافة توثيقه بشأن باب واحد من أبواب هذا العالم. وله أبواب كثيرة، على مداخل الكمبوندات والمنتجعات والمدارس الدولية والنوادي، يقف على كل منها حارس يقرر من يُسمح له بالدخول. والحجاب هنا علامة طبقية يقرأها الحارس، كما يقرأ اللهجة والملبس واسم المدرسة.

ولهذا العالم اسم شاع في السنوات الأخيرة، هو "إيجيبت"، في مقابل "مصر"، ويصف فئة من المجتمع المصري تعيش في بذخ شديد وتتبنى ثقافة غربية، وتبدو معزولة ومحصنة، بل مستفيدة في نظر البعض من التقلبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وقد عرف المجتمع المصري التفاوت الطبقي في مستويات المعيشة على الدوام، شأنه في ذلك شأن كل المجتمعات عبر التاريخ، إلا أن "إيجيبت" تحديدا ظاهرة أعقد من طبقة مترفة عابرة في تاريخ هذا التفاوت، فهي نتاج خمسة عقود من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية التي أعادت تشكيل البلاد.

لم يكن انتشار المصطلح حدثا عابرا، فقد جاء في لحظة بالغة الحساسية، حين أخذ الجنيه المصري يفقد قيمته بسرعة غير مسبوقة، فهبط من 15.7 جنيها للدولار مطلع 2022 إلى نحو 50 جنيها في مارس/آذار 2024، وانكمشت معه الطبقة الوسطى في مساحات تضيق عاما بعد عام. في تلك اللحظة بالذات، انتشرت مقاطع لمراهقين يتحدثون عن مصروفهم اليومي الذي يعادل دخل أسرة كاملة، وإعلانات عقارية بأسعار خيالية لم تمنع طوابير المشترين. لم تكن المفارقة في وجود الترف، بل في تزامنه الصارخ مع تآكل أحوال الأغلبية. وهكذا تحولت "إيجيبت" من ملاحظة عابرة إلى مصطلح متداول يعبر عن قلق طبقي عميق. فمن أين أتت ظاهرة "إيجيبت"؟ وكيف تشكلت؟ وماذا تكشف عن المجتمع المصري؟

لا يُعرف على وجه الدقة من صك مصطلح "إيجيبت"، فقد تداوله الشباب في أحاديثهم ومقاطعهم الساخرة على يوتيوب وتيك توك قبل أن ينتقل إلى النوادي والمدارس والجامعات، وبلغ ذروة انتشاره عام 2024، مع موجة مقاطع ساخرة على تيك توك بعنوان "Egypt vs Masr"، تضع حياة الكمبوند والمدارس الدولية في مواجهة حياة الحارة والمواصلات العامة. غير أن صورة "إيجيبت" سبقت الاسم بسنوات، ولعل أوضح ملامحها ظهر في حملة "This is Egypt" التي أطلقتها وزارة السياحة المصرية أواخر 2015، لتنشيط السياحة بعد أن عصفت الأزمات الأمنية باستقرار البلاد منذ 2011 وأضرت بها. وقد اتسمت مقاطع الحملة، التي أبرزت المعالم السياحية في مصر، بجودة بصرية عالية، فظهر فيها البلد جميلا كما نحب أن نتخيله، آمنا كما نتمناه، يضحك فيه الجميع وهم ينعمون بخيراته. ومع أن الحملة نجحت في لفت الأنظار في الخارج، وتعافت أعداد الزائرين الأجانب من 5.4 ملايين عام 2016 إلى رقم قياسي قارب 19 مليونا عام 2025، فإنها تزامنت مع أسوأ فترات التقلب الاقتصادي في مصر، إذ تتابعت الأزمات العالمية والمحلية، مع موجات متتالية من تعويم العملة المحلية، وتقليص الدعم على السلع، وانقطاع التيار الكهربائي، والتضخم. أضف إلى ذلك توترات أمنية حادة، لا سيما في سيناء.

ومع الوقت، صار المصطلح يصف طبقة تبدو، مما تنشره على مواقع التواصل الاجتماعي من أنشطة وما تعيشه من أنماط معيشة، وكأن شيئا مما سبق لم يمسها. ويتجلى أسلوب حياتها المترف، خاصة في الصيف حين يتوحش الإنفاق الاستهلاكي، في سلسلة مقاطع لمراهقين في سن الدراسة يجيبون عن أسئلة عن مصروفهم اليومي، وأثمن الهدايا التي تلقوها، وثمن الملابس التي يرتدونها، وغيرها من الأسئلة التي تكشف أن ما ينفقه أحدهم في يوم يعادل ما يتقاضاه كثير من المصريين في شهر.

بدا الأمر غريبا في أوله، أو مصطنعا إن شئت، إلا أن هذا الانطباع تعزز بطروحات لشركات عقارية جاءت أسعار وحداتها خيالية بالنسبة لكثيرين، وشهدت مع ذلك إقبالا ضخما. أدرك البعض حينها أن "إيجيبت" التي تظهر في الإعلانات قد لا تكون خيالية كما ظنوا في بادئ الأمر، بل لعلها موطن فئة من الشعب تحظى بما يتمناه معظمه. ودفع هذا التباين الصارخ بالمصطلح إلى الواجهة، ليربط الناس به بين ما يرونه في الإعلانات والفئة المترفة التي تطل عليهم من وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يكن استخدام المصطلح محايدا، فقد حمل دلالات سلبية تسم هذه الفئة بأنها مجموعة طفيلية دخيلة، لا تشبه سائر المصريين، ولا تشبه حتى الطبقات البرجوازية القديمة. ويضاف إلى ذلك ارتباط الثراء بالفساد في أذهان عموم المصريين، ففي مجتمع تشح فيه فرص الترقي الاجتماعي ويستعر الصراع عليها، يظل الثراء محاطا بالريبة دوما، وإن جاء بشق الأنفس ولم تشبه شائبة، إذ من ذا الذي ينجح دون أن يقدم تنازلات؟ وفي خضم هذا كله، يغفل كثيرون عن تطور هذه الطبقة وتكونها على مدى الخمسين عاما الأخيرة، نتاجا طبيعيا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد.

قبل الخوض في تاريخ هذه الطبقة، يقع علينا عبء تعريفها بعيدا عن التحيز والتنميط والرغبة في الشيطنة. وإن حاولنا رسم ملامحها، فسنجد أن أبرزها قدرتها على التقوقع وعزل نفسها عن الباقين، وتكوين ما يُسمى "الفقاعات". وترتبط هذه القدرة مباشرة بقوتها الاستهلاكية، التي تمكنها من "شراء" الخروج من سلطة الجهات الإدارية العامة إلى رحاب القطاع الخاص. وقد اتخذ هذا التحول وجوها عدة، تبدأ بالسكن في مجمعات سكنية مسورة، وتمر بالتعليم والمستشفيات وشركات الأمن الخاصة، وتنتهي عند وسائل الترفيه. وكلما زادت القدرة على الانعزال والابتعاد عن الجهات العامة، اتسع الانفصال عن "مصر" وازداد التقوقع في "إيجيبت".

غير أن "الفقاعة" ليست بنية واحدة، فهي تتركب من فقاعات متداخلة يسند بعضها بعضا. فهناك الفقاعة المكانية التي تتجسد في الكمبوندات والمدن الجديدة، مثل القاهرة الجديدة والشيخ زايد. وتعلوها الفقاعة المؤسسية التي تضم المدارس الخاصة والجامعات الدولية والمستشفيات الاستثمارية وشركات القطاع الخاص. ثم الفقاعة الرقمية، وتتمثل في استخدام تطبيقات بعينها واستهلاك محتوى باللغة الإنجليزية، التي تحظى في هذا الوسط بمصداقية أعلى من العربية، وهو ما ينتج بدوره فقاعة معرفية تتشكل داخلها المراجع الثقافية والفكرية لأبناء الطبقة. وأخيرا هناك الفقاعة العلائقية، أي شبكة المعارف والصداقات التي تتكون عبر الفقاعات السابقة وتغذيها في الوقت نفسه.

أنتجت هذه الفقاعات المتشعبة غربة ثقافية ومعرفية عن باقي المجتمع، إذ فرضت على أبنائها مصادر معرفة وشواغل وقضايا مختلفة، انعكست على أسلوب معيشتهم ولغتهم اليومية ومراجعهم الفكرية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الانتماء الاقتصادي إلى الطبقة لا يعني بالضرورة انتماء ثقافيا وهوياتيا إليها، فثمة من يملك دخل "إيجيبت" دون ثقافتها، وثمة من يحاكي هويتها ويستدين في سبيل ذلك دون أن يملك إمكاناتها المادية. وهذا التمييز جوهري لفهم الطبقة، فهي أداء ثقافي يتطلب رأس مال متعدد الأبعاد، وليست مجرد شريحة دخل.

وهنا يفيدنا إطار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في تفكيك الظاهرة، إذ يرى أن الطبقة الاجتماعية لا تُختزل في الدخل، وأنها تتشكل من تقاطع أربعة أنواع من رأس المال، هي الاقتصادي (الأموال والأصول)، والثقافي (التعليم واللغات والذوق والأعراف الثقافية)، والاجتماعي (شبكة العلاقات والمعارف)، والرمزي (المكانة والاعتراف الاجتماعي). ويمكن لكل نوع منها أن يتحول إلى الآخر بطرق شتى، وتنتج معا ما يسميه بورديو "الهابيتوس" (Habitus)، وهو منظومة من السلوكيات والميول والأذواق المتجذرة التي يكتسبها الفرد منذ الطفولة، وتعمل دون وعي منه، فتجعله يتصرف بتلقائية داخل طبقته دون حاجة إلى تفكير. وهابيتوس "إيجيبت" هو الذي يجعل ابن الكمبوند يطلب طعامه في المطعم بالإنجليزية تلقائيا، أو يشعر بغربة جسدية في مستشفى حكومي، أو يميز فورا بين الساحل "الطيب" والساحل "الشرير"، وهما وصفان ساخران انتشرا صيف 2020 للتفريق بين القرى القديمة حتى مارينا والمنتجعات الأحدث والأغلى غربها، دون أن يكون قد تعلم ذلك صراحة.

ويتيح لنا هذا الإطار فهم آليات التكاثر الطبقي، أي الطريقة التي تعيد بها هذه الطبقة إنتاج نفسها عبر الأجيال. فالزواج من داخل الطبقة يحافظ على رأس المال الاجتماعي ويوسعه، والمدارس والجامعات والأندية تبني شبكة معارف متماسكة منذ الطفولة، والتعليم الخاص يمنح الجيل الجديد رأس المال الثقافي اللازم لدخول سوق العمل في القطاع الخاص، الذي يوفر بدوره رأس المال الاقتصادي اللازم لإعالة الجيل التالي داخل الفقاعة. وهكذا تكتمل دورة مغلقة يصعب الخروج منها والدخول إليها. أما الصعود إلى "إيجيبت" من خارجها فيتطلب أكثر من دخل مرتفع، إذ لا بد من اكتساب الهابيتوس المناسب، بإتقان اللغة والإلمام بالأعراف الثقافية وتبني نمط المعيشة. ومن دون هذا الاكتساب الكامل، يظل الصاعد طبقيا موسوما بأنه "محدث نعمة"، مقبولا اقتصاديا ومرفوضا ثقافيا.

يمكن القول إذن، باختزال تفرضه المساحة، إن الفرق بين "إيجيبت" و"مصر" هو الفرق بين العام والخاص. ففي أحد طرفي الطيف نجد المواطن في "مصر" متكلا على القطاع العام في تسيير أمور حياته، وفي الطرف المقابل نجد المواطن في "إيجيبت" يدور في فلك القطاع الخاص لا يكاد يغادره. وبين الطرفين يتوزع المصريون على منحنى يضيق كلما اقتربنا من "إيجيبت". غير أن هذا التقسيم لا يلتقط الصورة كاملة، فـ"إيجيبت" في نهاية المطاف تشكيلة من رؤوس الأموال المتقاطعة تنتج هابيتوس مميزا يعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال، ويفرض نفسه معيارا طبيعيا على باقي المجتمع، وهي بذلك أكبر من مستوى دخل أو علاقة بالقطاع الخاص.

تعود بدايات "إيجيبت" إلى السياسات الاقتصادية التي تبناها الرئيس الراحل أنور السادات في منتصف السبعينيات، بعد قرابة عقدين من السياسات الاشتراكية التي انتهجها سلفه جمال عبد الناصر، والتي سعت أساسا إلى محو الفوارق الطبقية. ففي عهد عبد الناصر، غابت عن الأنظار الطبقة البرجوازية التي سعت الحكومة إلى انتزاع ثرواتها، وإن بقيت شبكة العلاقات التي تربط أفرادها، كما اختفى تدريجيا الحفاة من أبناء الطبقات الكادحة، في سبيل خلق طبقة وسطى متجانسة إلى حد كبير في نمط المعيشة والثقافة والفكر، بل وفي السلوك الاستهلاكي أيضا. وكم سمعنا من أبناء الأجيال التي عاصرت تلك الفترة أنهم ارتدوا أحذية "باتا" البيضاء نفسها، وأكلوا الحلوى ذاتها، وذهبوا مع سائر أبناء الحي إلى مدرسة واحدة على اختلاف وظائف آبائهم.

توسع النظام الناصري في التعليم المجاني الذي بدأ على استحياء في العهد الملكي، إذ كانت زيادة أعداد الخريجين الجامعيين هدفا إستراتيجيا للدولة آنذاك، بغية دمجهم في جهازها الإداري، أو استخدامهم أداة من أدوات القوة الناعمة بابتعاثهم معلمين وموظفين يسهمون في المشروعات التحديثية في الدول العربية والأفريقية. غير أن السياسات القومية الواضحة للنظام أفرزت مواطنين، وإن كانوا على كفاءة عالية، اتجهت صلتهم بالعالم ومعرفتهم بثقافته أيديولوجيا نحو المعسكر الاشتراكي والتيارات التقدمية، لا نحو الغرب الرأسمالي.

لم يكن الانفتاح الاقتصادي في مصر مجرد شعار، فقد تحقق عبر حزمة من القوانين، على رأسها القانون رقم 43 لسنة 1974 الذي فتح الباب أمام رؤوس الأموال العربية والأجنبية، كما شهدت تلك المرحلة تغيرات عدة، منها تخفيف القيود على الاستيراد، وتحرير التجارة، ودخول البنوك الأجنبية، وإنشاء المناطق الحرة. ومع هذا التحول أطلت مشكلة جديدة برأسها، إذ ظهرت الحاجة إلى نوع مختلف من الكفاءات، قادر على التواصل الواسع مع العالم الغربي.

ومع دخول التوكيلات الأجنبية، التجارية منها والتقنية، صارت الطبقة المتعلمة ركيزة لا غنى عنها لبقاء هذه الشركات وجذب المزيد منها إلى البلد. هنا ظهرت الحاجة إلى طبقة من المهنيين القادرين على التواصل مع العالم الخارجي، تصفها أنوك دي كونينغ، أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة أمستردام، في كتابها "أحلام عالمية" (Global Dreams) عن القاهرة، بأنها طبقة وسطى عليا "كوزموبوليتانية"، وسنسميها هنا "الطبقة العالمية". ولم يقتصر هذا التواصل على اللغة، فقد استطاعت تلك الطبقة أن تتواصل مع الغرب ثقافيا، وتشاركه اهتماماته، وتلم بقدر من علوم الإدارة الحديثة واقتصاديات السوق الحر.

وشهد المجتمع المصري تحولا أكبر في العقود التالية للانفتاح، لا سيما أنه تزامن مع أكبر موجة هجرة للمصريين إلى الخارج، إذ ارتفع عدد المصريين العاملين في الدول النفطية من نحو 70 ألفا عام 1970 إلى قرابة مليونين عام 1980، بحسب تقديرات الباحث في شؤون الهجرة أيمن زهري. ولم يكن هذا الزحف الجماعي مقصورا على طبقة أو فئة بعينها، فقد شمل كل مستويات العمالة، من عامل البناء الأمي إلى الأستاذ الجامعي، وأفرغ البلد من قسم كبير من أيديه العاملة.

وسرعان ما ظهرت آثار هذه الهجرة، فالأموال المتدفقة من التحويلات أخذت تعيد تشكيل المجتمع المصري على كل الأصعدة. ومن بين التغيرات الكثيرة التي أحدثتها تلك الفترة، كان أبرزها الحراك الاجتماعي صعودا وهبوطا، فقد تضرر بشدة من آثروا البقاء في مصر، فلا هم استفادوا من أموال الخليج، ولا نجوا من التضخم الناتج عن ارتفاع القوة الشرائية، ووجد كثير منهم أنفسهم يهبطون سريعا على سلم الطبقات الاجتماعية.

لم يعد التعليم يضمن وظيفة، ولا مستوى اقتصاديا أو اجتماعيا يليق بالطبقة الوسطى التي رعاها عبد الناصر ووعدها بالرخاء. ففي تلك الفترة الانتقالية، لم يعد الترقي الاجتماعي مرهونا بالمستوى التعليمي كما وُعدت هذه الطبقة، وصارت الوساطة والفهلوة الفردية، بل النصب أحيانا، أكثر طرق التكسب شيوعا وسرعة.

وقد رصدت أفلام أواخر السبعينيات والثمانينيات هذا القلق الطبقي، ومنها فيلم "انتبهوا أيها السادة" (1980) للمخرج محمد عبد العزيز، الذي يصور معاناة "جلال"، الأستاذ الجامعي الذي جسده حسين فهمي، في البحث عن شقة يتزوج فيها خطيبته "عايدة". وفي المقابل، نجد "عنتر"، جامع القمامة الذي جسده محمود ياسين، وقد تحول في غضون سنوات إلى إمبراطور عقارات يملك العشرات من الشقق التي يعجز الأستاذ عن الحصول على واحدة منها. ويبلغ الصراع ذروته حين تترك "عايدة" خطيبها وتتزوج "عنتر" طمعا في ماله، في تجسيد واضح لعجز الشهادات الأكاديمية عن توفير حياة كريمة لأصحابها. وقد عبر الفيلم بصورة مؤلمة عن هزيمة الطبقة الوسطى الناصرية أمام العصر الجديد.

دفعت الحاجة إلى خبراء قادرين على العمل في الشركات متعددة الجنسيات بمهنية عالية، محليا وخارجيا، بعيدا عن الفهلوة والادعاء، إلى ظهور طبقة "عالمية" تؤدي هذه المهمة الانتقالية. وقد أعادت هذه الطبقة، التي شغلت معظم الوظائف في تلك الشركات خاصة في الثمانينيات والتسعينيات، شيئا من المنطق إلى المجتمع المصري، إذ استطاع أبناؤها، بالتعليم واكتساب اللغات الأجنبية وحدهما، بلوغ مستوى اجتماعي مرتفع لا توصل إليه أعمال الوساطة التي شاعت آنذاك، وتعززت مكانتهم في المجتمع باعتبارهم مهنيين ناجحين بحق. ولعل هذا الدور يعيد إلى الأذهان طبقة "الأفندية" التي برزت في مصر في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، وكانت المصدر الأساسي لإمداد الجهاز البيروقراطي بالإداريين المتعلمين القادرين على تشغيله.

وأسهم القطاع الخاص في نمو هذه الطبقة بدخوله التدريجي إلى الحياة العامة عبر قطاعات عدة، أبرزها التعليم. فقد بدأ التوسع في التعليم الخاص، أو "مدارس اللغات"، طوال الثمانينيات، ثم امتد إلى التعليم العالي في التسعينيات، مع صدور قانون الجامعات الخاصة رقم 101 لسنة 1992 الذي افتُتحت بموجبه أربع جامعات خاصة عام 1996، فظهر عدد كبير من الجامعات والمعاهد الخاصة، تباينت في مستواها ومستوى ما تقدمه. وتصدرت المشهد ما يُعرف بـ"جامعات الحروف الثلاثة"، وأقدمها الجامعة الأمريكية بالقاهرة التي تأسست عام 1919، ثم الجامعتان الألمانية والبريطانية اللتان افتُتحتا عامي 2003 و2005. وهذه الجامعات تحديدا هي التي أمدت "إيجيبت" تحديدا بالمورد البشري الذي احتاجته لتنمو، من خريجين يتقنون لغة السوق ويحملون شهادات تفتح لهم أبواب الشركات متعددة الجنسيات والبنوك ومكاتب الاستشارات، فصاروا في آن واحد قوتها العاملة وجيلها التالي. وبذلك لم تكتف هذه الجامعات بتزويد الطبقة بما تحتاجه، بل تولت إعادة إنتاجها.

كانت الطبقة الجديدة محور معظم المشاريع التنموية على مدى الثمانينيات والتسعينيات، إذ حظيت أحياء بعينها باهتمام لم تحظ به أخرى، وكذلك مشاريع البنية التحتية والمرافق، كتوسيع الشوارع وشق المحاور الرئيسية التي تربط مناطق سكن هذه الطبقة، ومنها جسر السادس من أكتوبر، الذي اكتمل في التسعينيات بعد نحو ربع قرن من بدء العمل فيه، ليربط مدينة نصر ومصر الجديدة بوسط البلد والزمالك والعجوزة والدقي. فإلى جانب تخفيف الاختناق المروري في العاصمة، أسهم هذا المشروع في خلق شبكة طرق مكنت أصحاب السيارات من التنقل بين المناطق الراقية دون المرور بالأحياء الشعبية.

وبدأ في القاهرة ما وصفه الجغرافي الراحل نيل سميث، أستاذ الأنثروبولوجيا والجغرافيا في جامعة مدينة نيويورك، بالإستراتيجية الحضرية العالمية، التي يُعاد فيها تشكيل المدن لخدمة رأس المال والطبقات الميسورة، وتبحث فيها كل مدينة عن موطئ قدم في الاقتصاد العالمي. فظهر نوع جديد من التخطيط يقوم على مشاريع استعراضية مثل ناطحات السحاب، وأخرى استهلاكية مرتبطة بالترفيه. وسرعان ما أخذت واجهة النيل تتشكل من جديد، خاصة في الثمانينيات، مع ظهور أبراج سكنية فاخرة في أحياء القاهرة الراقية، مثل الدقي والزمالك والمهندسين، تنافست فيما بينها في تقديم وسائل الرفاهية. وقد أدت هذه السياسات، التي ركزت على خدمة شريحة واحدة من المجتمع، إلى توسيع الفجوة بين الطبقة العالمية والطبقة المحلية الأفقر، وصار مظهر الطبقة العالمية، أو "الأفندية الجدد"، ونمط حياتها، الرمز المنشود للحياة الطيبة.

وشهدت المدينة تحولا أوسع في التسعينيات، حين أخذت الدولة، في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، تبيع أراضي الصحراء في المدن الجديدة للمطورين العقاريين بأسعار زهيدة، فأتاحت لهم فرصة ذهبية لإقامة مجمعات سكنية مسورة، بدأ أولها في منتصف العقد، وكانت بمثابة "جيوب محصنة"، بتعبير عالمة الأنثروبولوجيا تيريزا كالديرا، لا يقدر عليها إلا من يحظى بمستوى دخل معين. وسرعان ما تنافس المطورون في إبراز الطابع الغربي لهذه المشاريع، بدءا بأسمائها الأجنبية، مرورا بطرزها المعمارية الغربية التي صممتها مكاتب هندسية أجنبية. لكن أهم ما ميزها كان نمط الحياة الغربي الذي روجت له، كملاعب الغولف الغريبة على المجتمع المصري. ولم تكن هذه التجمعات جيوبا ثقافية واقتصادية محصنة فحسب، بل كانت أيضا جزرا منعزلة يسودها القانون والنظام والنظافة، بعيدة عن الضوضاء التي وسمت معظم أحياء القاهرة.

ولم تحقق هذه التجمعات إلا نجاحا محدودا في سنواتها الأولى، إذ ضربت السوق العقارية منذ عام 1997 أزمة فائض كبير في المعروض، حتى تعثر بعض كبار المطورين مع حلول عام 2000. لكنها عادت إلى الرواج في منتصف العقد الأول من الألفية، مع صدور قانون التمويل العقاري عام 2001 وتدفق رؤوس الأموال الخليجية، فبدأت الطبقات الاقتصادية الأعلى تخرج تدريجيا من المدينة إلى القاهرة الجديدة شرقا والشيخ زايد و6 أكتوبر غربا.

غير أن الطبقة العالمية في جيلها الأول لم تكن تعيش داخل فقاعة كما هو حال "إيجيبت" اليوم. فحتى العقد الأول من الألفية، لم تكن قد انفصلت جغرافيا عن باقي المدينة، إذ سكنت أحياء راقية تتقاسم شوارعها ومتاجرها ومقاهيها مع سائر سكان القاهرة، ولا يفصلها عنهم سوى نمط استهلاكي وحياة مهنية مختلفة. ولم تكن الهوة الثقافية الكبيرة التي نراها اليوم قد تشكلت بعد، فالبث الإذاعي والتلفزيوني الرسمي الأرضي ظل حتى ذلك الوقت متفوقا على القنوات الفضائية الخاصة، وعلى شاشته ظهرت أبرز الأسماء الإعلامية المصرية. في المقابل، فتح البث الفضائي نافذة على العالم أتاحت لقطاع من الشباب المصري التعرف على الغرب مباشرة دون حواجز، وهو نمط تزايد مع الانتشار التدريجي للإنترنت في مصر.

حتى التعليم الخاص، عماد "إيجيبت" وعمودها الأساسي، لم يكن يحظى بالمكانة التي هو عليها اليوم. فباستثناء المدارس الأجنبية العريقة التي حافظت على مكانتها التاريخية، كانت غالبية المدارس الخاصة موسومة بأنها ملجأ للطلاب غير المتفوقين، وهو ما جعل شريحة من القادرين ماديا تفضل التعليم الحكومي على نظيره الخاص. أما التحول الجذري الذي نراه اليوم فبدأ مع دخول الدبلومات الأمريكية والبريطانية إلى المدارس الخاصة مطلع التسعينيات، ومع انتشارها في العقدين التاليين انقلبت المعادلة.

حتى هذه المرحلة، أدت الطبقة العالمية دورا أشبه بدور المترجم بين عالمين، فقد انتمت إلى الجانبين معا وفهمت لغتيهما، ولم تكن غريبة عن مصر ولا منغلقة على نفسها، ولا معزولة ثقافيا وجغرافيا وماليا مثل "إيجيبت". بل على العكس، امتدت خارج الدوائر الاستهلاكية والخدمية والترفيهية التي نشأت من أجلها، فلم تكن "العالمية" حكرا على مدارس أو أحياء أو أندية بعينها، وكانت أقرب إلى ثقافة ورؤية للعالم تجذرت داخل هذه الأوساط، ونمت خارجها أيضا. وكان هذا الدور الوسيط ممكنا لأن التحول الاقتصادي والثقافي حدث في هذه الطبقة أولا، وعلى يديها ثانيا، فظلت لفترة جسرا بين المجتمع المصري والعالم الجديد الذي انفتح عليه. إلا أن هذا الدور لم يلبث أن تغير.

لا أجد بدا من مشاركة تجربتي الخاصة داخل الفقاعة. فقد أتاح عمل والدي في الجهاز الإداري لوزارة التعليم في إحدى الدول العربية حصوله على بدل دراسي سخي غطى مصروفات التحاقي بأي مدرسة خاصة بالكامل. وهكذا تسنى لي في أوائل التسعينيات الالتحاق بمدرسة على طريق مصر-الإسماعيلية الصحراوي، افتُتحت في الثمانينيات. وضمت المدرسة من وسائل الترفيه ما لم يكن متاحا في كثير من الأندية الرياضية، إذ حوت مسبحين، وملاعب للتنس والكرة الطائرة وكرة السلة، وعدة ملاعب لكرة القدم، إلى جانب ملعب للكروكيه، وكان أحد المصنفين عالميا في هذه اللعبة مسؤولا عن النشاط الرياضي في المدرسة. كما ضمت إسطبلا للخيل أُزيل لاحقا.

ولم يزد عدد الطلاب في الفصل على 20 طالبا، وكانت الفصول مكيفة، فيها مقاعد فردية بدلا من "التخت". وكانت هناك فرق رياضية وأخرى موسيقية، ومرسم مخصص للرسم والأشغال اليدوية، وغير ذلك من الوسائل التي تبدو بديهية في كثير من المدارس الدولية الآن، لكنها كانت غير متخيلة قبل أكثر من 30 عاما. أما المعلمون، فكان كثير منهم من نجوم الدروس الخصوصية، فالمعلم الذي يتكدس المئات من التلاميذ في دروسه بالمراكز التعليمية، كان يجلس مع 20 طالبا يجيب عن أسئلتهم واحدا تلو الآخر دون كلل أو ملل. وكانت العطلة الأسبوعية يومي الجمعة والسبت، في حين اقتصرت حينها في المدارس الحكومية على يوم الجمعة. وكانت المتابعة بين المدرسة والأهل دقيقة، فيصعب على الطالب أن يتغيب أو "يزوّغ" دون أن يعلم أهله. وبالتبعية، كان بالإمكان الشكوى من المعلم الذي يتجاوز في حق الطلاب، أو من فرد الأمن أو مشرف الطابق إذا علا صوته وهو يوجههم. بل كان من الممكن أن تتوقف الدراسة بسبب عطل في جهاز التكييف بأحد الفصول، خاصة في الصيف.

في المقابل، درس معظم أقاربي المباشرين في مدارس حكومية. وقد دعوت أحدهم إلى أحد الأيام الترفيهية المفتوحة التي كانت تنظمها مدرستي، فوصف لي شعوره قائلا: "دي أحسن من النادي، لو دي المدرسة أنا هاجي كل يوم". كانت بالنسبة إلي مجرد مدرسة، ولم ألق بالا لما قال، ولم أدرك حجم الهوة إلا حين ذهبت لزيارته في يوم سبت، وكان يفترض أن يكون في مدرسته، ففوجئت به وقد عاد في منتصف اليوم غير مبال بأي عواقب. وحين لاحظ فضولي، اصطحبني عائدا إلى مدرسته، فرأيت من سوء الحال ما لم أتخيله. كان باب المدرسة مفتوحا، وكان الفناء الذي يفترض أن يلعب فيه الطلاب مكتظا بالسيارات، فبدا لي موقفا للسيارات لا موطئ قدم فيه للعب. وكانت الفصول كبيرة متهالكة، يتسع الواحد منها لقرابة خمسين طالبا، وكلها فارغة بعد أن غادر الجميع، والورق متطاير في كل مكان، حتى بدا المكان وكأنه لم يدخله عامل نظافة منذ إنشائه. وبالطبع لم يكن هناك أي معلم.

كان اشتباك الطبقة العالمية مع الواقع المصري حتميا، وإن جاء متأخرا. فالحياة داخل عالمها اختلفت عن الحياة خارجه، وقد نشأت محملة برؤية للعالم شكلها انفتاحها المبكر على الغرب، فولّدت لديها إدراكا حادا للنواقص. صارت تنتظر، من القطاع العام أو الخاص، خدمة جيدة وابتسامة وحرصا على رضاها، وكل ما يقل عن ذلك تراه انحرافا عن المعيار، لا القاعدة. ولأن الواقع المصري لم يكن يقدم شيئا من هذا خارج دوائر استهلاكية بعينها، كان الصدام يكبر مع كل احتكاك. وإذا كان الجيل الأول من أبناء الطبقة العالمية قاطرة الاقتصاد الحديث في الثمانينيات والتسعينيات، فإن الأجيال التالية كانت الوقود الذي اصطدم بحدود هذا الواقع. ولم ينبع سخط هذه الطبقة من الحرمان المادي، فقد نبع من التباين الذي عاشته يوميا بين ما تراه في الخارج وما تتمناه في الداخل، وبين ما وعدها به انفتاحها على العالم وما يقدمه لها واقعها المحلي.

أدت هذه الطبقة دورا سياسيا فاعلا في ثورة 25 يناير لم تتمكن منه الحركات السياسية. فقد كان النظام مستعدا للتعامل مع جماعات الإسلام السياسي بترسانة قانونية وأمنية تراكمت منذ السبعينيات، ومستعدا لاحتواء الحراك العمالي المتفرق جغرافيا، ولتهميش الأحزاب اليسارية الضعيفة. أما تحرك أبناء النخبة الموالية له تاريخيا، فكان مفاجأة بنيوية لم تكن أدوات الدولة معدة لها. وقد امتلكت هذه الطبقة ما لم يمتلكه غيرها، فلديها رفاهية الوقت التي تجعل الاعتصام والتظاهر أيسر عليها بكثير منه على العمال باليومية، وشبكة علاقات تخفف حدة تعامل الأجهزة الأمنية معها، ولغة عالمية تنقل ما يجري في الميادين إلى الإعلام الدولي بصورة لم يعتدها النظام.

لا يدعي هذا التحليل أن الطبقة العالمية قادت ما حدث عام 2011، فقد امتلأت الميادين بكل طبقات المجتمع. لكن ما يمكن قوله بثقة أنها كانت الشرارة، فأبناؤها هم من نظموا الدعوة الأولى عبر منصة فيسبوك، التي كانت نخبوية بحق آنذاك، إذ لم يتجاوز مستخدموها، بحسب بعض الإحصاءات، 5% من المصريين، أغلبهم من شريحة بعينها. وهم من حددوا نقاط التجمع، التي بدأ كثير منها بجوار مقاه شهيرة في أحياء راقية، كما لاحظ بعض المعلقين ساخرين. وقد استطاعت هذه الطبقة، بشبكة علاقاتها وقدرتها على التواصل، أن تحول غضبا متراكما إلى فعل منظم في الأيام الأولى، ثم جاء زخم جماهيري ما كان ليتحقق لولا مشاركة طبقات أوسع وأشد التصاقا بالمعاناة اليومية.

مع دخول العقد الثاني من الألفية، وبالتزامن مع أزمات اقتصادية عالمية ومحلية أفضت إلى تعويم الجنيه مرة بعد أخرى، تزايدت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، والخليجية خاصة، إلى قطاعات الخدمات في مصر، وبلغت ذروتها في صفقة رأس الحكمة في فبراير/شباط 2024، حين باعت مصر حقوق تطوير منطقة واسعة على الساحل الشمالي للإمارات مقابل 35 مليار دولار. وظهرت سلاسل ضخمة من المستشفيات الاستثمارية والمدارس الدولية والجامعات الخاصة والكمبوندات المتكاملة، رفعت سقف الخدمات في القطاع الخاص إلى مستوى لم يعد القطاع العام قادرا على منافسته. ومع اكتمال هذا البديل الخاص في كل مرافق الحياة، من السكن إلى التعليم والصحة والترفيه، لم تعد هناك منافسة بين القطاعين أصلا، فقد انتقلت المنافسة إلى داخل القطاع الخاص نفسه، على جذب القادرين على دفع تكاليفه. وهكذا، ومن حيث لم تنتبه، تحول كثير من أبناء الطبقة العالمية تدريجيا من دور "الجسر" الذي يصل بين عالمين إلى سكان جزيرة معزولة عن الباقين. لقد وُلدت "إيجيبت" من رحم الطبقة العالمية، لكنها فقدت ما كان يميز أمها، وهو الصلة بالآخر.

وفي كتابها "ماذا وراء الأسوار العالية؟ الكومباوندز في مصر" (دار العين، 2024)، تقدر عالمة الاجتماع أماني قنديل عدد المجمعات المسورة في مصر مطلع 2024 بنحو 800 مجمع، يسكنها قرابة مليون شخص، بعد أن أحصى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 317 منها فقط عام 2017. وتلاحظ قنديل أن مبيعات هذه المجمعات لم تتأثر بجائحة كورونا ولا بالحرب الروسية الأوكرانية، بل ارتفعت أسعارها نحو 50%، وتصفها بأنها "نواد للعولمة".

ومع كل تقلب اقتصادي، ارتفعت جدران الفقاعة. فمع ارتفاع تكاليف التعليم الخاص والمستشفيات الخاصة والكمبوندات والساحل الشمالي، صارت هذه الخدمات أكثر حصرية من أي وقت مضى، وما كان يدفعه القادمون الجدد لدخول الفقاعة قبل خمس سنوات لم يعد يكفي اليوم لشراء مكان فيها. وفي الوقت نفسه، تضطر شرائح كانت داخلها إلى التراجع اجتماعيا. فالفقاعة لا تتسع بالتضخم، إنها تنكمش وتتكثف، فتطرد أطرافها وتُحكم قبضتها على مركزها. وهكذا تتحول كل أزمة اقتصادية في مصر إلى أداة فرز طبقي، يُسقط فيها التضخم من سقط، ويُثبت من ثبت، ويعيد رسم الحدود بين "إيجيبت" و"مصر" بخطوط أكثر حدة في كل مرة. ويكفي مثالا أن كثيرا من المدارس الدولية الكبرى في القاهرة صار يحسب مصروفاته بالدولار، فتتراوح بين 8 آلاف و25 ألف دولار سنويا، وتتجاوز في بعضها 25 ألفا في سنوات الدبلومة الأخيرة. ومع كل تعويم تتضاعف كلفة هذه المدارس على من يتقاضى راتبه بالجنيه، بينما لا يتأثر من يكسب بالدولار. وللمقارنة، يبلغ الحد الأدنى للأجور في الجهاز الحكومي 8 آلاف جنيه شهريا.

وقد صارت الفقاعة أكبر وأشمل، إلى حد لا يحتاج معه من بداخلها إلى التعامل مع العالم الخارجي، ولعل هذه هي السمة الأبرز التي تميز "إيجيبت" الحالية عن الطبقة العالمية التي خرجت منها. ولم يكن التوسع المكاني والمؤسسي وحده ما ميز "إيجيبت" عن سابقاتها، فقد أدى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي دورا محوريا في إعادة تشكيلها. فالطبقة العالمية كانت مرئية في محيطها المباشر فقط، يعرف أبناءها زملاؤهم في الشركة وجيرانهم في الحي ورفاقهم في النادي. أما "إيجيبت" اليوم فمعروضة على شاشة الجميع عبر إنستغرام وتيك توك. ولم يكن هذا التحول من الحضور المحلي إلى الحضور العام مجرد تغيير في وسائل العرض، فقد أعاد تشكيل علاقة الطبقة بنفسها وبالآخرين، بنفسها لأنها صارت تؤدي هويتها أمام الكاميرا قبل أن تعيشها، وبالآخرين لأنها صارت موضوع مشاهدة وتعليق ومقارنة لملايين المصريين خارج الفقاعة. ولولا هذا الحضور الرقمي، ربما ما ظهر مصطلح "إيجيبت" أصلا، فهو مصطلح يصف ما يُرى، لا ما يُعاش بالضرورة.

ورغم كل ما ذكرناه من انعزال وانتماء إلى ثقافة وافدة، فإن "إيجيبت" أبعد ما تكون عن الغرابة على هذا المجتمع، أو على أي مجتمع آخر. فمعظم الملامح التي وصفناها تحققت في الطبقة الأرستقراطية أو الحاكمة في مصر على مدى عقود طويلة. ولو نظرنا إلى العهد الملكي، لوجدنا أن الأسرة العلوية، من أحفاد محمد علي باشا، تمتعت هي وحاشيتها من الأمراء والنظار بثراء يتضاءل أمامه الفرق بين "إيجيبت" و"مصر". أضف إلى ذلك أصولهم الأجنبية الفعلية، وانتماءهم إلى الثقافة الغربية أو محاكاتهم لها، وتبنيهم رؤية عنصرية ترى فيهم عرقا أعلى من سائر المصريين. ولم تكن هذه المكانة حكرا على سلالة محمد علي، فقد نجح كثير من رواد الصناعة والأعمال المصريين في الصعود على هذا السلم، وتكوين ثروات ونفوذ مماثلين، استغرق بناؤها قرابة نصف قرن حتى صارت ذات شأن. ولعل ما يميز "إيجيبت" أنها طبقة مصرية خالصة، وُلدت من تحول عام في مصر أدت فيه دور الوسيط الاقتصادي والثقافي بين مصر والعالم.

ويمثل الحديث عن "إيجيبت" ومدى مصريتها نقطة انطلاق لبحث أوسع في هوية المجتمع المصري المعاصر وفكره وثقافته، التي يطبعها تنوع كبير، بل وتناقض أحيانا. وتكمن المشكلة في التعامل مع المصريين بوصفهم أبناء أمة واحدة تجمعهم الطباع والعادات والتقاليد والسلوكيات نفسها. ومع وجاهة هذا التصور، فإنه ليس صحيحا بالضرورة، فتخيل كتلة بشرية واحدة تتطابق سلوكياتها يناقض الطبيعة البشرية. وإن لم تكن "إيجيبت" مصرية، فهل يمكن اعتبار العالم الذي ترسمه أغاني "المهرجانات" ممثلا لمصر؟ الأرجح أن مصر جزء من هذا، وجزء من ذاك، وجزء من السواد الأعظم الذي يقع بينهما.

يتضح في المحصلة أن "إيجيبت" ليست انحرافا عن مصر ولا جسما غريبا مزروعا فيها، فهي مرآة مكبرة لتفاوتات لازمت المجتمع المصري على الدوام. والتفاوت الذي نراه اليوم بين سكان الكمبوندات وسكان العشوائيات امتداد طبيعي للتفاوت الذي ميز عصر الباشوات في الثلاثينيات، ولم يخفت إلا مؤقتا في الستينيات الناصرية، قبل أن يعود بالتدريج في أواخر السبعينيات. فما تكشفه "إيجيبت" إذن ليس حالة استثنائية، بل بنية مزمنة في الدولة المصرية الحديثة، التي لا تكف عن إنتاج طبقة عليا منفصلة عن مواطنيها، تتبدل ملامحها من حقبة إلى أخرى، فتكون تارة أرستقراطية إقطاعية، وتارة بيروقراطية ناصرية، وتارة عالمية انفتاحية، وأخيرا رقمية في صورة "إيجيبت"، بينما تبقى وظيفتها البنيوية واحدة.

ولم تعد الدولة تكتفي بإنتاج هذه الطبقة، فقد انتقلت هي نفسها إلى فقاعتها. فمنذ 2023 نقلت الحكومة وزاراتها من وسط القاهرة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، على بعد عشرات الكيلومترات في الصحراء، تاركة مجمع التحرير، رمز البيروقراطية التي يقف أمامها المواطن العادي، خاليا. وصار لها منذ 2019 مقر في العلمين الجديدة على الساحل الشمالي، تعقد فيه اجتماعاتها صيفا. فالحكم نفسه صار يقيم حيث تقيم "إيجيبت"، شتاء في الصحراء شرق القاهرة، وصيفا على الساحل.

وما يحدث داخل "إيجيبت" اليوم قد يكون استشرافا لما يتجه إليه المجتمع المصري كله غدا. فالقطاع الخاص الذي استحوذ على خدمات هذه الطبقة بدأ يتمدد نحو الطبقات الأدنى، وإن بجودة أقل، فهناك مدارس خاصة بمصروفات متواضعة، ومستشفيات استثمارية في الأقاليم، ومجمعات سكنية مسورة لذوي الدخل المتوسط. والقطاع العام الذي انسحب من حياة "إيجيبت" ينسحب تدريجيا من حياة الجميع. واللغة الإنجليزية التي كانت علامة طبقية صارت شرطا لأي وظيفة ذات شأن. ووسائل التواصل التي عرضت نمط حياة "إيجيبت" جعلته نموذجا يحاكيه من لا يملكون إمكاناته. بهذا المعنى، فإن "إيجيبت" اتجاه أكثر منها طبقة، والمجتمع المصري كله يتحرك نحوها ببطء، كل بقدر استطاعته.

لكن هذا التشريح لا يكتمل دون الإشارة إلى هشاشة بنيوية تسكن قلب الفقاعة. فالطبقة التي تشتري انفصالها بالمال تظل رهينة لاستمرار تدفق هذا المال. ماذا يحدث إذا واصل التضخم التهام القوة الشرائية للجنيه؟ وماذا لو انحسرت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية كما حدث مع حرب الخليج عام 1990، حين عاد قرابة مليون مصري من العراق والكويت؟ وماذا لو تغيرت السياسات الاقتصادية فجأة، أو فقدت العقارات قيمتها الاستثمارية التي تستند إليها ثروات كثير من أبناء هذه الطبقة؟ فالفقاعة بطبيعتها لا تحتمل الصدمات، لأنها انتزعت من حياة سكانها كل أدوات التكيف مع الواقع المصري الخشن، والجيل الذي نشأ داخلها لا يعرف كيف يتعامل مع انقطاع الكهرباء، أو زحام المستشفيات الحكومية، أو طوابير المصالح الحكومية.

ويبقى في النهاية سؤال عالق، فما الذي يحدث حين تتحول الفقاعة من امتياز إلى قاعدة مطردة، ومن استثناء إلى نموذج عام؟ هل يصير المجتمع المصري كله مجموعة من الفقاعات المتجاورة لا يفصل بينها سوى مستوى الدخل؟ أم أن المستقبل بتقلباته قد يجبر هذه الفقاعات على الانفتاح بعضها على بعض من جديد؟ الإجابة ليست في يد "إيجيبت" وحدها، ولا في يد "مصر" وحدها، وإنما في طبيعة العلاقة المتوترة بينهما، وهي علاقة لم تحسم بعد.

الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام

انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.

انضم الآن
شراكة جزائرية-ألمانية لاستقطاب المستثمرين اقتصاد وأعمال

شراكة جزائرية-ألمانية لاستقطاب المستثمرين

ترأس عمر ركاش، المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، مناصفة مع مديرة عامة مساعدة بوزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية الألمانية الألماني، جيرلند هيكمان، بصفتهما رئيسي المشروع، عبر تقنية التحاضر عن بعد.   وجاء هذا خلال اختتام برنامج التوأمة بين الوكالة الجزائرية لترقي...

منذ ساعة
ليس يامال ولا مبابي.. الحاسوب الخارق يتوقع الفائز بالكرة الذهبية اقتصاد وأعمال

ليس يامال ولا مبابي.. الحاسوب الخارق يتوقع الفائز بالكرة الذهبية

كشف الحاسوب الخارق في تقرير نشرته "الصن" البريطانية، يوم الأربعاء، عن توقعاته المثيرة للفائز بالكرة الذهبية، حيث وضع النجم الإنجليزي هاري كين على رأس المرشحين للفوز بنسخة 2026، بنسبة ترجيح بلغت 58%، متفوقاً بفارق كبير على منافسيه لامين يامال (18%) وكيليان مبابي. ويأتي...

منذ ساعة
OpenAI توسع إعلانات ChatGPT إلى 89 دولة بينها أسواق في الشرق الأوسط اقتصاد وأعمال

OpenAI توسع إعلانات ChatGPT إلى 89 دولة بينها أسواق في الشرق الأوسط

أعلنت شركة OpenAI، الأربعاء، توسيع نطاق إعلانات ChatGPT إلى أسواق جديدة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى حول العالم.

منذ ساعة
شراكة مع "إكسون موبيل" لاستثمار مياه البحر ودعم حقول البصرة بمليونين ونصف برميل اقتصاد وأعمال

شراكة مع "إكسون موبيل" لاستثمار مياه البحر ودعم حقول البصرة بمليونين ونصف برميل

منذ ساعتين