على الرغم من إطلاق خطة حكومية وإصدار تعاميم تلزم المؤسسات بالتعامل حصراً بالليرة السورية، شهدت الفترة الماضية تراجعاً مؤقتاً في استخدام الليرة التركية، غير أن العملة التركية عادت لتتصدر المشهد النقدي. يستعرض هذا التقرير تفاصيل المسار الذي اتخذته الخطة، وأسباب فشلها في أسواق مدينتي إدلب وحلب، فضلاً عن ردود فعل الأطراف المعنية، والأثر الذي يتركه استمرار تعدد العملات على الاقتصاد وحياة السكان اليومية.
في كانون الأول/ ديسمبر 2025، أصدرت محافظة إدلب تعميماً رسمياً يُلزم جميع المؤسسات العامة والخاصة، بما في ذلك المصارف ومحطات الوقود والأفران وشركات النقل والمنشآت التجارية، بالتعامل بالليرة السورية فقط.
وفي خطوة لتعزيز الحضور الرسمي في المنطقة، افتتح مصرف سوريا المركزي فرعاً له في إدلب في تموز/ يوليو 2026، بعد انقطاع استمر لأكثر من 11 عاماً، وذلك ضمن مساعيه لتثبيت العملة الوطنية.
وفي تصريحات خاصة أُرسلت لموقع تلفزيون سوريا، أوضح مصرف سوريا المركزي أن إجراءاته الحالية تعتمد على مسارات متوازية تهدف إلى تحقيق الاستقرار النقدي.
ورغم إعلان حاكم مصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان، عن خطة تدريجية لسحب الليرة التركية من أسواق شمال غربي البلاد، واستمرار عرض الأسعار بالليرة الوطنية التزاماً بالتعميم، إلا أن الهدف المنشود لم يتحقق بعد، إذ تراجعت الصرامة في تطبيق العملة المحلية الوحيدة، وعادت الليرة التركية لتكون الوسيلة الرئيسية للمعاملات بين المواطنين.
ويروي حسن العادل، شاب من ريف حلب، تجربته قائلاً إنه التزم الدفع بالليرة السورية أثناء تنقلاته اليومية وشراء الخبز، لكنه عاد لاستخدام التركية بعد ملاحظة عودة موظفي النقل والأفران لقبولها. ويضيف: "أثناء تنقلي في باص الزاجل بين المحافظتين، أدفع 100 ليرة تركية، أي ما يعادل نحو دولارين، في حين على الليرة السورية فتبلغ كلفة الرحلة 300 ليرة، أي ما يقارب 2.3 دولار. ومع هذا الفارق الموجود في مختلف عمليات الشراء، وجدت نفسي أعود إلى حمل الليرة التركية".
وفي هذا السياق، يرى الباحث والخبير الاقتصادي خالد التركاوي أن "الخطوة الأهم من افتتاح فروع للمصرف هي التوسع في التعاملات الإلكترونية، للوصول إلى النتائج المرجوة واستدراك تعثر سحب الليرة التركية وضمان التحول إلى الليرة السورية".
ويؤكد التركاوي، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أنه لاستدراك تعثر الخطة الحكومية في فرض تداول الليرة السورية وحدها، يجب توفير التطبيقات والبطاقات المصرفية اللازمة، بما يمكّن المواطنين من استخدامها في مختلف معاملاتهم المالية اليومية، وهذا يسهم في وقف عودة المواطنين لتداول الليرة التركية.
في المرحلة الأولى عقب إعلان الخطة الحكومية، سادت حالة من القناعة لدى نسبة من المواطنين لاعتماد الليرة السورية وحدها في معاملاتهم اليومية والابتعاد عن بقية العملات.
لكن عودة الليرة التركية إلى سابق عهدها كعملة مهيمنة لم تستغرق وقتاً طويلاً، فبسبب فرق سعر الصرف بين العملتين واعتياد الناس لسنوات على العملة التركية، رجع المواطنون لتداولها، إضافة إلى أسباب أخرى.
وفي حديث أجراه موقع تلفزيون سوريا مع صرّاف طلب عدم نشر اسمه، قال: "الحكومة غير قادرة على فرض الليرة السورية بشكل فوري لما سيلحق ذلك من تبعات اقتصادية ومعيشية، وهذا ما قد يضطرها لإطلاق خطة تالية مستقبلا بسبب تعثر حصر التعاملات المالية بالعملة الوطنية، وعودة استخدام العملة التركية كما كانت من قبل، وكأن شيئا لم يكن أو كأن لا خطة أُطلقت".
ويضيف الصراف الذي ينشط في الصرافة والتجارة بمنطقتي حلب وإدلب، أن الصرافين في المنطقة قد تلقوا تعليمات صارمة بحصر أنشطة الصرافة بالليرة السورية، ولقد تجاوب المواطنون بذلك أيضا، لكن العملة التركية التي استمرت بتواجدها في السوق قد أجبرت الجميع على العودة لتداولها.
وبحسب عدد من المواطنين الذين حاورهم موقع تلفزيون سوريا، فإن أسبابا مثل ندرة "الفكة" وتفاوت الأسعار عند تحديدها بالليرة السورية، بالإضافة إلى شعورهم بأمان أكبر عند ادخار أجورهم أو أرباحهم بالليرة التركية مقارنة بالسورية، دفعتهم للعودة إلى تداول الليرة التركية مجددا.
ويرى الأستاذ المتقاعد محمد مرضاتي، أحد سكان مدينة بنش بريف إدلب، أن "التراجع المستمر لعملتنا بات يشكل هاجسا وقلقا دائمين لأصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين وغيرهم بشأن ادخار رواتبهم الشهرية، أولئك الذين يواجهون صعوبة في تغطية أعباء المعيشة، وحسبنا الله ونعم الوكيل".
ولا يقتصر استعصاء إخراج الليرة التركية وعودتها للتداول على حجم كتلتها النقدية وفروقات أسعار الصرف فقط بحسب خالد التركاوي، إذ إن تجاور منطقتي إدلب وحلب مع تركيا والكثافة السكانية للسوريين المقيمين فيها تعد أيضا من الأسباب التي أطالت أمد حضور الليرة التركية، بالإضافة إلى حركة العمال والسياحة والتجارة اليومية المتبادلة بين الطرفين.
وكان يعتمد نجاح أو تعثر سحب الليرة التركية في الفترة عقب إعلان الخطة على أربع جهات رئيسية: الحكومة السورية، والجانب التركي، والتجار، والصرافين، فكيف كانت استجابتهم خلال الخطة الحكومية التي هدفت لاعتماد العملة الوطنية؟
وفي هذا السياق، أوضح المصرف المركزي في تصريحات لموقع "تلفزيون سوريا" بشأن استجابة الجانب التركي، أن "إنهاء تداول الليرة التركية يندرج ضمن مسار متكامل يجري العمل عليه بصورة منظمة وتدريجية، بما يضمن الانتقال إلى استخدام الليرة السورية في التداول والتسعير، مع الحفاظ على استقرار الأسواق وحركة التعاملات".
وأشار المصرف ضمن سلسلة تصريحاته إلى أنه "تتم مراقبة حركة النقد المتداول في الأسواق، ويأتي التعامل مع الليرة التركية ضمن المسار المعتمد لإنهاء تداولها في المنطقة، وتتركز المرحلة الحالية على استكمال الإجراءات اللازمة لوقف تداولها، ثم جمع الكتلة النقدية الموجودة في السوق، بالتوازي مع تعزيز استخدام الليرة السورية".
وعند سؤال المصرف عن السيولة وكفاية الكتلة النقدية بالتزامن مع إجراءات سحب الليرة التركية يوضح المصرف "يجري التعامل مع عملية إحلال العملة بصورة تدريجية ومنظمة، بما يضمن توفير الليرة السورية اللازمة لحركة التداول، بالتوازي مع عملية جمع الليرة التركية، ولا تقوم العملية على سحب الليرة التركية بمعزل عن توفير البديل، وإنما على تعزيز استخدام الليرة السورية كعملة وطنية للتداول والتسعير، بالتزامن مع تنظيم عملية سحب الليرة التركية، بما يحافظ على استقرار حركة التداول والأسواق".
وعن استجابة المجتمع عقب إعلان الخطة الحكومية، أشار خالد التركاوي إلى أن "الفاعل المحلي هو العامل الأبرز في التعامل، وفي تنفيذ الخطة، ولكنني لا استطيع أن ألومه على استمرار تداوله الليرة التركية فهو يحتاجها ويعتمدها يوميا لمختلف المعاملات، كما أن شرائح من العمال ما زالوا يتقاضون رواتب من شركات تركية بالليرة التركية".
ويعود الصرّاف ليتحدث عن دور الصرافين والتجار، ويقول: "لم نستطع الاعتماد الكامل على العملة السورية، فعدنا إلى وتيرة تداولنا السابقة للتركية لكونها تضمن ربحا أعلى، فضلا عن الاعتياد الذهني عليها وعلى أنظمتها المحاسبية الإلكترونية، أما الليرة السورية فرجعت عملة ثانوية، وذلك لاضطراب سعر صرفها مما يسبب فارقا في الأرباح، لا سيما أننا أصحاب هذه المهن نتعامل يوميا بمبالغ ضخمة".
وأكد عشرات المواطنين الذين استطلع تلفزيون سوريا آراءهم وتعاملاتهم المالية اليومية أنهم قد يعتمدون بمعظم عمليات بيعهم وشرائهم على الليرة التركية.
وفي مقابل حديث الصرّاف والمواطنين عن استمرار تعاملهم بالليرة التركية يوضح المصرف المركزي، أن "المسار المعتمد يمضي بالتوازي مع استكمال عملية جمع الليرة التركية من السوق، وفي حال وجود مخالفات للقرارات والأنظمة الناظمة، ستتم متابعة المخالفين واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم من خلال الضابطة العدلية والجهات المختصة".
وبعد التعميم والخطة حكومية السالف ذكرهم، وما إذا كان يستلزم اتخاذ إجراءات إضافية مستقبلية لتدارك حالة تعدد العملات في شمال غربي سوريا تُطرح تساؤلات عن تداعيات استمرار هذا الواقع المالي على الاقتصاد والناس؟
وفي هذا الصدد، يرى الخبير الاقتصادي خالد التركاوي أن "الموضوع رغم سلبياته لن يؤثر لدرجة عالية على الحياة الاقتصادية، بل يبقى جزءا مستمرا ومعتادا من نشاط اقتصادي طبيعي ويومي".
ويشبه التركاوي الحالة الاقتصادية في شمال غربي سوريا بمناطق أخرى من العالم، قائلا: "المناطق الحدودية تشهد دائما هذه الظاهرة، ففي منطقة الألزاس الفرنسية مثلا، يتداول الفرنك السويسري إلى جانب اليورو في كثير من الحالات، وتقبله البنوك ضمن معاملات خاصة لقرب المنطقة من سويسرا".
ومن ناحيته يقول الصرّاف مختتما حديثه: "إن المجتمع قد يستمر في اعتياده على واقع تعدد العملات الحالي، لكن بحكم مخالطتي لمئات الزبائن يوميا في مكاتبي الصرافية، فإن هذا الواقع الاقتصادي يؤثر على الحالة المزاجية لأفراد المجتمع، ويشعرهم بصعوبة وتعقيد إجراءات يفترض أن تكون سهلة وميسرة، فأنا أرى يوميا الكثير ممن ينسون ويخطئون في تسليم الأموال أو إرجاعها، وهو ما قد ينعكس على معاملاتهم الأخرى وأسلوب حياتهم العام نتيجة تلك الأخطاء والتعقيدات المتكررة".