في إطار جلسة نقاشية حملت عنوان «حوار مع يسري نصر الله: سينما الابتكار»، عاد المخرج المصري إلى الحديث عن فيلمه «باب الشمس» المستند إلى رواية الكاتب اللبناني إلياس خوري، الذي ساهم أيضاً في كتابة السيناريو. ورأى أن الإخلاص للنص الأدبي لا يعني نقله كما هو إلى الشاشة، بل إعادة صياغته بأدوات سينمائية تمنحه روحاً جديدة، دون أن يضع أحد الفنّين في مرتبة أعلى من الآخر.
وبيّن نصر الله أن خوري استوحى روايته من زياراته إلى المخيمات ومن إصغائه إلى قصص اللاجئين الفلسطينيين، غير أنه لم يكتف بتسجيل ما سمعه، بل أعاد بناءه في قالب أدبي يعكس نظرته الخاصة.
وانطلاقاً من الفكرة نفسها، يرى نصر الله أن نقل الرواية إلى السينما يتطلب أن تتفاعل حكايتها مع مشاعر المخرج والممثل ومصمم الديكور وجميع العاملين في الفيلم، بحيث تتحول إلى قالب سينمائي جديد يحتفظ بجوهر النص الأصلي ويعبّر بصدق عن علاقتهم به.
وفي ما يخص تشكيل المشاهد في «باب الشمس»، تحدث نصر الله عن سعيه إلى إظهار انبهار البطل بالشخصية الغامضة لشمس عبر الصورة، ولا سيما في الجزء الثاني من الفيلم، حيث تحكي عن طفولتها الصعبة وعلاقتها بأبيها، وتسترجع ملامح المنزل الذي ترعرعت فيه، ثم تنتقل إلى الحديث عن زواجها ومعاملة زوجها القاسية لها.
وأشار إلى أن تصوير تلك المشاهد كان يتطلب الابتعاد عن التصوير المباشر والمبتذل، فلو اقتصر الأمر على لقطات ثابتة تظهر شمس وهي تحضّر الطعام في المطبخ لتحولت الشخصية إلى صورة نمطية، ولأصبح المشهد أقرب إلى كليب غنائي.
لذلك فضّل أن تواكب الكاميرا حركة الشخصية وأن تقترب من أجزاء من جسدها، بحيث تكشف الصورة والحركة عن مشاعرها وتجربتها الإنسانية، إضافة إلى ما تعبّر عنه بالكلام.
وعاد يسري نصر الله إلى شغفه المبكر بالسينما منذ طفولته، حتى خاض الإخراج في الثلاثين من عمره، ووقف عند تأثير إقامته في بيروت لمدة أربع سنوات في تكوين نظرته إلى المكان وعلاقة الإنسان به.
وأوضح أن هذه المرحلة عززت لديه قناعة بأن الإنسان لا يمتلك مكانه بشكل نهائي، إذ قد يفقده في أي وقت. وهذه الفكرة تتكرر في أعماله من خلال شخصيات تمر بتحولات تقلب حياتها رأساً على عقب، فتحاول التأقلم مع واقع جديد، أو استرجاع عالمها القديم، أو صنع عالم خاص بها.
وتطرق إلى أثر المخرج يوسف شاهين في مسيرته، مسترجعاً مشاركته في فيلم «حدوتة مصرية» وما لمسه من احترام كبير للسينما في تعامله. وأكد أن شاهين كان من أهم من تعلّم منهم، إضافة إلى ما اكتسبه من مشاهدة الأفلام ودراسته في معهد السينما.
وتحدث نصر الله عن علاقته بالممثلين، مشيراً إلى أن اختياره لهم يؤثر في طريقة تصوره للشخصيات وصياغتها سينمائياً، وأنه يستحضر الممثل وهو يكتب السيناريو.
واستحضر تجربته مع فيلم «جنينة الأسماك»، وقال إنه فكر في البداية بمنى زكي لأداء الشخصية نظراً لجمالها وموهبتها التمثيلية، لكنه غيّر تصوره للدور بعد أن عبّرت منى عن عدم اقتناعها بأن الدور يناسبها.
وعندما اتجه تفكيره إلى هند صبري، تبدلت رؤيته للشخصية. وأوضح أن الأزياء وتسريحة الشعر والمكياج تتداخل معاً في بناء صورة الشخصية وإبراز معانيها.
وبخصوص فيلم «مرسيدس»، قال إن يسرا فاجأته في أكثر من مشهد بأدائها، وإنه استفاد من المواقف التي يقدّم فيها الممثل اقتراحاً أو أداءً لم يخطط له المخرج مسبقاً، إذ تفتح هذه اللحظات إمكانات جديدة أمام المشهد.
من جهتها، قالت يسرا إن «مرسيدس» يعد من أمتع التجارب التي جمعتها بنصر الله، وأشارت إلى تفاصيل العمل فيه. وتحدثت عن ضغوط التصوير في المواقع، إذ قد تعلو الموسيقى أحياناً على أصوات الممثلين، إضافة إلى ضرورة إنهاء المشاهد في مهلة زمنية محددة بسبب مواعيد التسليم.
وعزا نصر الله هذه الضغوط إلى ميزانيات الإنتاج وأولوياته، موضحاً أن المخرج يعمل ضمن قيود تفرض عليه إنجاز الفيلم في الوقت المتاح، مع سعيه إلى الحفاظ على أجواء إيجابية أثناء التصوير.
غير أنه لفت إلى أن الإحساس الدائم بإمكانية تقديم المشهد بشكل أفضل قد يتحول هو الآخر إلى عبء ينعكس سلباً على أجواء العمل.
وأكد يسري نصر الله أن السينما بحاجة إلى تقديم قصص تلامس جمهوراً في مختلف أنحاء العالم، وحذّر من حصر العمل السينمائي في تحديد ما يصلح لمشاهدة الأطفال وما يجب إبعادهم عنه، خصوصاً مع تغير مفهوم الأسرة وتبدل المعايير المتصلة بأخلاقها، ما يجعل وضع تعريف ثابت لها أمراً صعباً للغاية.
وفي السياق نفسه، أثار أسئلة حول تعدد المهام التي يفرضها العمل السينمائي على صانعه، من كتابة وإخراج ورقابة، وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضطلع بهذه الأدوار معاً. ورأى أن الانشغال بهذه المهام قد يطغى على الحساسية الإنسانية المطلوبة لصناعة الفيلم، وطرح سؤالاً جوهرياً عن الجمهور الذي يخاطبه المخرج بعمله.
وتناول أيضاً طبيعة سوق السينما العربية، حيث تتركز فرص العرض في موسمي عيد الفطر وعيد الأضحى، إضافة إلى عدد محدود من الأسواق العربية التي تتأثر أوضاعها في بعض الأحيان بالنزاعات.
وأوضح أن امتلاك القدرة على سرد قصة جيدة لا يلغي تحديات الصناعة، إذ تبقى ضغوط مرتبطة برغبة السوق في الحصول على أعمال قابلة للبيع حالياً، ما يضع صانع الفيلم أمام ضرورة الموازنة بين رؤيته الفنية ومتطلبات السوق.
وفي ما يتعلق بتعاونه مع المنتج محمد السبكي في فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن»، أوضح نصر الله أن طبيعة الفيلم، التي تشمل الرقص والحب ومواقف تميل إلى الخفة والمرح، جعلته ملائماً لهذا التعاون، بخلاف فيلم «جنينة الأسماك» الذي لا تتناسب طبيعته مع أسلوب السبكي الإنتاجي.