كثيرًا ما أقف متأملًا بعض التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، وأتساءل: كيف يمكن لإنسان أن يوجه كلمات جارحة لشخص آخر ثم يمضي في يومه وكأن شيئًا لم يكن؟ وكيف تصل مشاعر الآخرين إلى حد الهوان، فتصبح معاناتهم موضوعًا للسخرية والترفيه؟
تبدأ القصة غالبًا بتعليق ساخر على صورة، أو بكلمة جارحة تحت منشور لا يروق لصاحبه، وسرعان ما يلتحق به آخرون، ويعيد البعض نشرها، حتى يجد الشخص المستهدف نفسه وسط جمع من الغرباء يتحدثون عنه ويضحكون. وربما لا يدركون شيئًا عن حياته أو ظروفه أو الأثر الذي قد تتركه كلماتهم في نفسه.
أحيانًا أتخيل ذلك الشخص الذي يقرأ التعليقات في عزلة، بعيدًا عن الأنظار. قد يبتسم في وجه الناس لإخفاء حزنه، ويتظاهر بأن الأمر لا يمسه، بينما تبقى الكلمات راسخة في ذهنه. فما يعتبره البعض نكتة عابرة قد يتحول لدى آخرين إلى ألم يصعب التعبير عنه.
لا أعتقد أن التكنولوجيا وحدها جعلتنا قساة؛ فالإنسان عرف السخرية وإيذاء الآخرين منذ القدم. لكن الشاشات وسّعت المسافة بين المؤذي والمتألم، حتى أصبح البعض يكتبون عبارات قد يخجلون من النطق بها لو كانوا في مواجهة مباشرة مع الشخص الذي يستهدفونه.
والأكثر إيلامًا أن الإساءة لا تقتصر على شخصين؛ فقد يكتب أحدهم تعليقًا جارحًا، ثم يأتي آخر ليستهزئ، وثالث يعيد النشر، ورابع يضيف كلمة أشد قسوة. وفي لحظات يجد الإنسان نفسه أمام جمهور كامل. وربما لا يقصد كل مشارك إيذاءه، لكن ذلك لا يمنع أن يكون شريكًا في ألمه.
لا أدعو إلى تجنب النقد أو الخوف من الاختلاف؛ فمن حقنا أن نرفض رأيًا، وأن نناقش فكرة، وأن نعلن عدم اتفاقنا مع شخص ما. لكن هناك فرقًا بين الاختلاف والجرح، وبين نقد القول وتحويل صاحبه إلى موضوع للسخرية. فليس من الضروري أن نتفق لنحافظ على الاحترام المتبادل.
وأعتقد أن الأمر يتطلب وقفة صادقة مع الذات. هل نرفض التنمر لأنه سلوك مؤذٍ، أم لأن الضحية قريب منا أو يشبهنا؟ ماذا لو كان المستهدف شخصًا نختلف معه أو لا نحب آراءه؟ هل سنسخر من الإساءة نفسها، أم سنتذكر أن له مشاعر وكرامة مثلنا؟
لا أرى أن مواجهة التنمر تقتصر على نصح الضحية بتجاهل ما يحدث؛ فليس من السهل على الجميع تجاوز الإهانة، خاصة عندما تتكرر أو تنتشر على نطاق واسع. فبعض الناس يحتاجون إلى من يستمع إليهم ويقف بجانبهم ويشعرهم أنهم ليسوا وحدهم. كما أن المجتمع بحاجة إلى موقف صريح من التشهير والتهديد والإساءة المتعمدة.
قد لا نتمكن من منع كل كلمة جارحة، ولا من جعل منصات التواصل خالية من الخلافات. لكننا نستطيع أن نفكر قليلًا قبل الكتابة، وأن نتردد قبل إعادة نشر إساءة، وأن نختار ألا نكون جزءًا من ضحكة على حساب إنسان آخر.
أتمنى أن نتذكر، ونحن نتصفح هواتفنا، أن خلف كل حساب إنسانًا له أيام صعبة، ومخاوف لا نعرفها، ومشاعر قد يعجز عن التعبير عنها. فنحن لا نعلم دائمًا ما يمر به الآخرون، لذا لا ينبغي أن نضيف إلى أعبائهم ألمًا جديدًا.
لسنا مضطرين إلى حب الجميع أو الاتفاق مع الجميع، لكننا قادرون على الاختلاف دون إيذاء، والنقد دون إهانة. وربما يكون أجمل ما نتركه في هذا العالم الرقمي كلمة طيبة، أو صمتًا يمنع الأذى، أو موقفًا بسيطًا يشعر إنسانًا أنه ليس وحده.