يتسبب إرهاب الطرقات يوميا في حوادث مأساوية يكون ضحيتها العديد من الأطفال، وأمام تكرار حوادث الدهس خاصة أمام المؤسسات التربوية أصبح من الضروري تأهيل سائقي النقل، وتشديد الرقابة على الحافلات بهذه الأماكن، إلى جانب تكثيف التربية المرورية داخل المدارس والعائلة، باعتبار أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود الجميع لضمان تنقلهم في ظروف آمنة، وتفادي مآسٍ تحول فرحة التمدرس إلى أحزان تخيم على العائلات.
حوادث دهس تخلف وفيات وسط التلاميذ
وسجلت عدة ولايات، منذ انطلاق الموسم الدراسي، حوادث مرور مأساوية راح ضحيتها أطفال لم يتجاوزوا العاشرة من العمر، في مشاهد مؤلمة أعادت إلى الواجهة المخاطر التي تهدد سلامة التلاميذ، وطرحت ضرورة تكثيف إجراءات الوقاية وحماية مستعملي الطريق، لاسيما هذه الفئة التي تحتاج إلى مزيد من الحذر والتأطير، حيث شهد طريق الحاسي ببلدية بئر العرش، بولاية سطيف مؤخرا، حادث مرور تمثل في دهس سيارة طفلة صغيرة، استدعى تدخل عناصر الحماية المدنية التي سارعت إلى نقلها إلى العيادة متعددة الخدمات ببئر العرش لتلقي الإسعافات اللازمة، كما اهتزت بلدية الكاليتوس، التابعة لدائرة براقي بالعاصمة، قبل يومين، على وقع وفاة طفل يبلغ من العمر 9 سنوات، إثر تعرضه لحادث دهس من قبل شاحنة للخضر والفواكه على مستوى طريق القصر الأحمر، حيث تدخلت مصالح الحماية المدنية لنقل جثمانه إلى مصلحة حفظ الجثث، وخلف الحادث الأخير حالة من الحزن والأسى في أوساط زملاء الضحية بالمدرسة الابتدائية التي كان يدرس بها.
ويرى مختصون في مجال السلامة المرورية ضرورة الوقوف عند سلوكيات السائقين، وتعزيز الرقابة والتوعية المرورية داخل المدارس والأسر، مؤكدين أن حماية الأطفال لا تقتصر على توفير وسيلة لنقلهم، بل تشمل ضمان وصولهم إلى مؤسساتهم التربوية وعودتهم إلى منازلهم في ظروف آمنة.
سلامة التلاميذ مسؤولية مشتركة
وفي هذا السياق، تطرقت رئيسة الجمعية الوطنية للممرنين المحترفين للسياقة، نبيلة فرحات، إلى خطورة حوادث المرور التي تحصد أرواح التلاميذ، مؤكدة أن حماية الأطفال تستدعي الانتقال من ردود الفعل بعد وقوع الحوادث إلى العمل الوقائي المستمر، من خلال تحسين شروط النقل المدرسي، وتأهيل السائقين، وتعزيز التربية المرورية، وتفعيل الرقابة وتحديد المسؤوليات.
وشددت فرحات على أن سلامة التلاميذ داخل النقل المدرسي وخلال تنقلهم اليومي يجب أن تكون أولوية قصوى، بالنظر إلى خصوصية هذه الفئة العمرية وحاجتها إلى الحماية والتأطير، مضيفة أن الأمر لا يتعلق بمجرد نقل الأطفال من المنزل إلى المدرسة، بل تنتهي بعد عودته في ظروف تضمن سلامته.
وفي سياق متصل، أكدت فرحات على أهمية تأهيل سائقي النقل المدرسي وتكوينهم، باعتبارهم يتحملون مسؤولية كبيرة تتطلب اليقظة والانضباط والقدرة على التعامل مع مختلف الوضعيات المرورية، مشيرة إلى أن قيادة حافلة تقل تلاميذ تختلف عن قيادة مركبة عادية، لأنها تستوجب احترام قواعد المرور، وتجنب السرعة المفرطة، وكذا الانتباه إلى محيط المؤسسات التربوية والأحياء السكنية، فضلا عن التعامل بحذر مع الأطفال عند الصعود والنزول.
ولفتت المتحدثة إلى أن التكوين المستمر من شأنه أن يعزز الوعي المهني لدى السائقين، ويكرس ثقافة الوقاية باعتبارها أساسا لتفادي وقوع حوادث مأساوية تنتهي بالوفاة في غالب الأحيان.
وبالمقابل، ركزت رئيسة الجمعية الوطنية للممرنين المحترفين للسياقة، على ضرورة المراقبة الدورية للحالة التقنية لحافلات النقل المدرسي، والتأكد من صلاحيتها للسير قبل استغلالها في نقل التلاميذ، مؤكدة أن سلامة المركبة عنصر لا يقل أهمية عن كفاءة السائق، وهو ما يستدعي- بحسبها- الاهتمام بالصيانة ومراقبة التجهيزات الأساسية، والتأكد من أن الحافلات تتوفر على شروط السلامة المطلوبة، ولا ينبغي التساهل مع أي خلل تقني قد يعرض حياة الأطفال للخطر.
كما شددت ذات المتحدثة، على أهمية منع الاكتظاظ داخل الحافلات واحترام طاقتها الاستيعابية، لأن تجاوز عدد المقاعد المخصصة للركاب مخالفة تنظيمية، وقد يشكل خطرا حقيقيا على التلاميذ ويعرقل التعامل مع الحالات الطارئة، ويقتضي ذلك تعزيز الرقابة على ظروف النقل المدرسي، والتأكد من احترام المعايير المعمول بها، مع تحمل كل جهة مسؤوليتها في ضمان سلامة الأطفال.
مرافقة التلاميذ… مسؤولية تتجاوز الحضور الشكلي
وفي ما يتعلق بمرافقة التلاميذ، أكدت فرحات على أهمية تحديد مهام المرافقين بوضوح، حتى لا يقتصر وجودهم على الجانب الشكلي، وأن يكون دورهم فعالا في تأطير الأطفال ومراقبتهم أثناء الرحلة، ومساعدتهم على الصعود والنزول بأمان، والانتباه إلى أي وضع قد يهدد سلامتهم.
ولم تغفل رئيسة الجمعية الوطنية للممرنين المحترفين للسياقة الجانب التربوي، حيث شددت على أهمية إدماج التربية المرورية في الوسط المدرسي، وتعليم الأطفال قواعد عبور الطريق واحترام إشارات المرور والتعرف إلى المخاطر المحيطة بهم، مشددة على أن ترسيخ السلوك المروري السليم منذ الصغر يساهم في تكوين جيل أكثر وعيا، قادرا على حماية نفسه واحترام حقوق الآخرين في الطريق، وأضافت محدثتنا أن هذه التربية لا ينبغي أن تبقى مسؤولية المدرسة وحدها، بل يجب أن تتكامل مع دور الأسرة، من خلال توعية الأبناء ومرافقتهم وتعليمهم السلوكيات الآمنة في محيطهم اليومي.
التنسيق وتطبيق القانون للحد من المآسي
كما دعت فرحات بالمقابل، إلى تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات والهيئات المعنية، من أجل توحيد الجهود وتكثيف حملات التحسيس والوقاية، وتحسين شروط السلامة في محيط المؤسسات التربوية، إلى جانب تطبيق القانون وتحديد المسؤوليات عند تسجيل التجاوزات، خاصة وان مواجهة حوادث المرور لا يمكن أن تتحقق بإجراءات معزولة، وإنما تحتاج إلى عمل متكامل يجمع بين التكوين والمراقبة والتوعية والردع، مع متابعة مدى الالتزام بقواعد السلامة.
وأكدت أن المسؤولية في حماية التلاميذ لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تستوجب التزام الجميع، من سائقي الحافلات إلى أولياء الأمور والمؤسسات التربوية والجهات المكلفة بالنقل والرقابة.