المرض خفف عنه تنكر الأولاد ووجد الرعاية من أصدقائه النزلاء في دار العجزة
يعيش عبد الكبير بدار العجزة منذ أزيد من ست سنوات، بعد أن تركه أبناؤه الأربعة، منذ أن فقد زوجته في حادثة سير، وإصابته بـ"ألزهايمر"، وبات عالة على أسرته، بعد أن أفنى حياته في تربيتهم وتعليمهم، ولم يدخر جهدا، من أجل توفير حياة آمنة لهم.
ويروي بعض أصدقاء عبد الكبير لـ "الصباح"، فصولا مقتضبة من حياته المؤلمة، بحكم أنه لم يعد يتذكر شيئا، بسبب مرضه، قبل أن يجاور شيوخا لا تقل حكاياتهم ألما عن حكايته، التي بدأت منذ تقاعده عن العمل، لأسباب صحية، بعد أن باغته المرض، ودمعه لم يجف بعد عن فراق شريكة حياته، في حادثة سير مروعة، أصابته بصدمة أكثر مما أصابه بها أبناؤه حين اختاروا وضعه في دار العجزة.
ويحكي أصدقاء الأمس أن عبد الكبير، تنكر له أبناؤه، قبل أن تتنكر له ذاكرته، ولم يعد يتذكر أحدا من أبنائه أو أفراد عائلته، ولا حتى أصدقائه، الذين تقاسموا معه الحلو والمر، باستثناء بعض الذكريات مع زوجته، والتي لم يستوعب عقله إلى الآن أنها فارقت الحياة، ويعتقد أنها منشغلة برعاية أمها المقعدة.
يعتقد عبد الكبير أن وجوده بدار العجزة، حسب رواية أحد المشرفين، هو مجرد وقوف مؤقت، بإحدى المصحات، للعلاج من مرض مزمن، وسرعان ما سيعود إلى أحضان بيته وزوجته، التي تعد العدة لاستقباله في أي وقت من الأوقات، في حين أن الأمر أكبر من ذلك، بعد أن كشف أبناؤه أنهم لم يعودوا قادرين على رعاية والدهم، لأن متطلباته كثيرة، وتقاعده لن يسمح له بتكليف شخص لرعايته بشكل دائم، سيما أنه في حاجة إلى من يغير له حفاظاته وملابسه يوميا، ويطهره بشكل دائم، لأنه لم يعد يتذكر أي شيء.
يضطر المشرفون إلى التحجج بأي حجة كيفما كانت، كلما سأل عن زوجته، وعن سبب غيابها، أما أبناؤه فلم يعودوا يزورونه يوميا كما كان في السابق، وكأن نعمة النسيان التي أنعم بها الله عليه، جراء مرضه، جاءت لتخفف عنه صدمة تنكر الأبناء له، خاصة الذين يقطنون بالمدينة التي توجد بها دار العجزة.
وجد عبد الكبير في نزلاء دار العجزة، المؤنس من الوحدة، والسند من العزلة، التي واجهها منذ فقدان الصلة بينه وبين عائلته، إذ في كل مرة يتناوبون على مجالسته، أو يحملونه في نزهة بين ردهات بيته الجديد، وإن ضاقت جدرانها بهم، وهناك من يسهر على حفظ حاجياته من مأكل وملبس، خشية ضياعها، بالنظر إلى عدم قدرته على تذكر مكان وضعها، في الوقت الذي لا يدري ما يدور حوله، ولا يستطيع أن يستوعب حجم خسارته، ولم يفقد الأمل يوما في عودة زوجته لإعادته إلى البيت.
صلاح الدين محسن