فكرة الابتعاد عن الأشياء التي رافقتها سنوات طويلة تؤلم خديجة
لم تكن خديجة تتصور، وهي في ريعان شبابها، أن تجد نفسها، يوما ما، داخل دار للمسنين، بعيدا عن البيت الذي قضت فيه سنوات طويلة إلى جانب زوجها. كانت المرأة، البالغة من العمر اثنتين وسبعين سنة، قد اعتادت حياة بسيطة، تقاسم فيها زوجها أفراح الأيام وصعوباتها، من دون أن يرزقا بأطفال يملؤون البيت ضجيجا وحركة.
بعد وفاة زوجها، تغير كل شيء. وجدت خديجة نفسها وحيدة في منزل صار الصمت يملأ زواياه، ولم تعد قادرة على تدبير شؤونها اليومية بالسهولة نفسها. حاولت في البداية الاعتماد على نفسها، وكانت تقضي ساعات طويلة في إعداد الطعام وترتيب المنزل، رغم أن بعض الأعمال باتت تتطلب منها جهدا أكبر. ومع مرور الوقت، بدأت تشعر بأن الوحدة أثقل من قدرتها على الاحتمال، خصوصا في الأيام التي تمر من دون أن يطرق أحد بابها أو يسأل عن أحوالها.
لم يكن قرار الانتقال إلى دار للمسنين سهلا. ترددت كثيرا قبل أن تغادر منزلها، وكانت فكرة الابتعاد عن الأشياء التي رافقتها سنوات طويلة تؤلمها. لكنها، بعد نقاش مع أحد أقاربها الذي كان يساعدها بين الفينة والأخرى، اقتنعت بأن الإقامة في مؤسسة توفر لها الرعاية والرفقة قد تكون أفضل من البقاء وحيدة، خاصة مع تراجع قدرتها على الاعتناء بنفسها.
في الأيام الأولى داخل الدار، كانت خديجة قليلة الكلام. تجلس قرب النافذة، تراقب حركة الداخلين والخارجين، وتستعيد في ذاكرتها صورا من حياتها السابقة. كانت تفتقد تفاصيل صغيرة لم تكن تعيرها اهتماما في الماضي؛ صوت زوجها وهو يناديها من الغرفة المجاورة، وحتى الأحاديث البسيطة التي كانت تدور بينهما حول شؤون البيت.
مع مرور الأسابيع، بدأت تتعرف على النساء المقيمات معها. وجدت بينهن من عاشت تجربة الترمل، ومن تخلى عنها أبناؤها، وأخريات دفعت بهن الصعوبات المادية أو الصحية إلى طلب الرعاية. صارت تجلس معهن في الفضاء المشترك، تتبادل معهن الحديث، وتستمع أحيانا إلى حكايات تشبه حكايتها، فتشعر بأن وحدتها لم تعد حكرا عليها.
يبدأ يوم خديجة باكرا. تستيقظ، ترتب سريرها، ثم تتوجه لتناول فطورها مع باقي النزيلات. بعد ذلك، تقضي جزءا من الصباح في الجلوس معهن أو المشي ببطء في فضاء الدار، حين تسمح حالتها الصحية بذلك. وفي بعض الأيام، تساعد في ترتيب أغراضها أو تنشغل بأعمال يدوية بسيطة، بينما تفضل في أيام أخرى البقاء في مكانها ومتابعة ما يجري حولها.
عند الظهيرة، تتناول وجبتها، ثم تعود إلى غرفتها للاستراحة. وقد تغفو قليلا، أو تقلب صفحات ألبوم صغير تحتفظ فيه بصور قديمة لزوجها ومنزلها السابق. أما في فترة ما بعد الظهر، فتعود أحيانا إلى الجلوس مع رفيقاتها، وتشاركهن الحديث عن الماضي أو تكتفي بالاستماع إليهن. وعندما يحل المساء، يصبح الوقت أكثر ثقلا بالنسبة إليها؛ إذ تتذكر كيف كانت تستقبل زوجها عند عودته إلى المنزل.
لم تختفِ الوحدة من حياة خديجة بمجرد انتقالها إلى الدار، لكنها لم تعد تواجهها بمفردها طوال الوقت. فقد وجدت من تتحدث إليه، ومن يلاحظ غيابها عن مائدة الطعام، ومن يسأل عنها عندما تطول فترة بقائها في غرفتها. ومع ذلك، ظلت تتمنى لو أن أحدا من أقاربها يزورها، لا ليأخذها بالضرورة إلى منزلها القديم، بل ليجلس إلى جانبها قليلا، ويمنحها إحساسا بأنها ما زالت حاضرة في حياة الآخرين.
إيمان أوكريش