حذرت شركة الذكاء الاصطناعي الرائدة أنثروبيك في وقت سابق من قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على استنساخ نفسها داخل أجهزة المنزل الذكية، مشيرة في الدراسة التي نشرتها إلى أن هذا قد يجعل النماذج الخبيثة تستنسخ نفسها داخل هذه الأجهزة هربا من سيطرة البشر، مما يزيد من صعوبة إيقافها عن العمل.
ونقل تقرير نشرته صحيفة غارديان البريطانية عن الفريق الأحمر داخل أنثروبيك، وهو الاسم الذي تطلقه الشركة داخليا على فريق الاختبارات الأمنية التابع لها، أنهم نجحوا في اختبار هذا النموذج وجعله يقسم نفسه إلى أجزاء صغيرة موزعة على 15 تلفازا ذكيا متصلا بشبكة الإنترنت نفسها.
وأثار هذا التقرير قلق المتخصصين في الأمن السيبراني نظرا لضعف حماية أجهزة التلفاز الذكية وأجهزة المنزل الذكية بشكل عام، مشيرين إلى أن علاجه سيكون شديد الصعوبة حتى مع بذل جهود منسقة بين الشركات المختلفة العاملة في هذا القطاع.
وأوضح مسؤول جهود تطوير أمن الذكاء الاصطناعي في شركة ميتا سابقا جوشوا ساكس أن اكتشاف أنثروبيك الأخير يستدعي القلق بشكل لا يقل عن أي موجة هجمات سيبرانية أخرى، مضيفا: "أشعر بالقلق أحيانا من أن العاملين في مجتمع الأمن السيبراني لا يتعاملون مع هذه المخاطر الحقيقية بالجدية الواجبة".
ويصف تقرير غارديان هذه التقنية على أنها "ديدان الذكاء الاصطناعي"، إذ تستطيع هذه الديدان اختراق المنازل الذكية ثم التكاثر بداخلها دون علم مالكها ودون وجود سيطرة حقيقية عليها.
ولكن ما الضرر الذي قد يحدث من مثل هذه الديدان؟ وهل تستدعي حقا كل هذا الخوف؟
في العادة، تحتاج البرمجيات الخبيثة إلى خداع شخص حتى تتمكن من إصابة أجهزته والانتشار بداخلها، فعندما يضغط المستخدم على رابط خبيث، تنتشر البرمجيات داخل حاسوبه أو هاتفه لتصل إلى بياناته وحساباته المختلفة.
ولكن، يختلف الأمر مع فئة واحدة من البرمجيات الخبيثة التي تنتمي إليها هذه الديدان، ففكرة الديدان ذاتية التكاثر ليست أمرا جديدا على خبراء الأمن السيبراني.
وتسببت الديدان الخبيثة سابقا في عدة أضرار لشبكات الإنترنت وأجهزة المستخدمين يصفها تقرير غارديان بكونها "الأسوأ في تاريخ الإنترنت"، في إشارة واضحة لحدوث مثل هذه الأزمات سابقا.
ويشمل الإرث الذي تحمله الديدان الخبيثة عددا من الهجمات السيبرانية الخطرة التي تعود إلى فترة ما قبل انتشار الإنترنت بين عموم المستخدمين.
وتعد دودة "موريس" الشهيرة التي ظهرت عام 1988 إحدى أقدم الحالات المسجلة للإصابة بديدان خبيثة في الأنظمة البرمجية، ويعود السبب في تسمية هذه الدودة إلى طالب الدراسات العليا الذي أطلق دودة استغلت عيوبا برمجية مختلفة وكلمات مرور ضعيفة، ثم نسخت نفسها بسرعة فائقة أدت إلى تباطؤ العديد من الأجهزة المصابة حتى توقفت عن العمل.
ويشير تقرير نشرته مجلة "تايم " في عام 2003 إلى دودة أخرى باسم "سوبيج إف" (Sobig.F) تسببت في أزمة كبيرة آنذاك عندما أصابت حواسيب عدة جهات كبرى في العالم من بينها أجهزة الصحفيين في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
كما يذكر دودة أخرى تدعى "ويلشيا" (Welchia) أصابت أنظمة تسجيل الركاب في الخطوط الجوية الكندية وتسببت في شلل ثلاثة أرباع حواسيب البحرية ومشاة البحرية الأمريكية.
وينتشر استخدام الديدان الخبيثة في برمجيات التجسس المختلفة، إذ لجأت إليها الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء عبر تقديمها لبرنامج "ستوكسنت " الخفي في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتسببت هذه الدودة في تعطيل أجهزة الطرد المركزي النووية الإيرانية.
كما راج استخدام دول مثل روسيا لدودة تدعى "نوت بيتيا" وأخرى من كوريا الشمالية تدعى "وانا كراي" في تعطيل الحواسيب والتسبب في أضرار تصل إلى مليارات الدولارات حول العالم.
وتزدهر الديدان الخبيثة في البيئات الإلكترونية التي يهمل أصحابها تأمين شبكاتهم وأجهزتهم بشكل جيد، بما في ذلك إهمال تثبيت التحديثات الأمنية الأخيرة لأنظمتهم.
لذلك، تراهن هذه الديدان على الثغرات الأمنية المعروفة والتي لا تحتاج إلى اكتشاف جديد أو قوة سيبرانية خارقة لاكتشافها، وهو ما تستطيع أيضا ديدان الذكاء الاصطناعي القيام به.
ويشير خبير الأمن السابق في شركة أوبن إيه آي والرئيس الحالي لشركة أمن الذكاء الاصطناعي الناشئة رن سيبل أرييل هربرت-فوس إلى أن ما يميز ديدان الذكاء الاصطناعي هو قدرتها على التكيف والتعلم أثناء عملها.
وتستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي التي اختبرتها أنثروبيك التكيف وتطوير نفسها بناء على المقاومة التي تجدها والثغرات التي تكتشفها فور إصابة الجهاز الذكي، ثم تنقل هذه التعليمات مباشرة إلى الأجيال الجديدة التي تستنسخ منها.
ورغم أن تجربة أنثروبيك لم تتطرق إلا لأجهزة المنزل الذكية وتحديدا أجهزة التلفاز، فإن المبدأ نفسه ينطبق على المدن الذكية وأجهزة إنترنت الأشياء بشكل عام، وذلك لأنها الأقل في استقبال التحديثات الأمنية.
ومع تطور مفهوم المدن الذكية التي تعتمد أنظمتها المحورية على التقنيات الذكية، يزداد خطر الإصابة بديدان الذكاء الاصطناعي التي قد تتسبب في شل حركة المرور أو تعطل شبكات الطاقة والمياه، وربما أسوأ من ذلك.
ويمكن القول إن ما حدث في الهجوم السيبراني الأخير على متاجر فرنسا، رغم أن الذكاء الاصطناعي لم يكن عنصرا رئيسيا فيه، هو أقرب مثال لما قد يحدث عند إصابة المنشآت الحيوية بالديدان الخبيثة، وقد يكون الضرر أكبر من ذلك بشكل كبير للغاية.
يرى طالب الدكتوراه في جامعة تورونتو جوناس غوان أن ديدان الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تتصدر قائمة المخاوف من التقنية بشكل عام، وذلك لأنها تتحرك بشكل بطيء للغاية فضلا عن وجود سلوكيات متوقعة وقابلة للرصد لهذه الديدان.
وتجعل هذه السلوكيات اعتراض الديدان وإيقافها عن العمل أمرا أسهل من البرمجيات الخبيثة الأخرى، ويتسق هذا الأمر مع تصريحات نائب رئيس قسم الأبحاث في شركة "سينتنال وان " خوان أندريس.
ويرى أندريس أن ما وصلت إليه أنثروبيك حتى الآن هو مجرد بحث تجريبي وليس قابلا للتطبيق العملي أو ذا تأثير ملموس، واصفا إياه باختراق "استعراضي بارع يحظى بتهويل مفرط ".
ورغم هذا، يجب ألا يقصر الأفراد في جهود حماية أنظمتهم المنزلية وأجهزتهم، وعليهم اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة، إذ إن السلامة في العالم السيبراني أهم من إصلاح الأضرار.