قد يبدو تقوس ساقي الطفل في سنواته الأولى أمرًا طبيعيًا، خصوصًا عندما يبدأ المشي، لكن ماذا لو استمر التقوس أو ازداد مع مرور الوقت؟ هنا قد يكون الأمر أكثر من مجرد مرحلة مؤقتة، وقد يشير إلى مرض بلونت وهو اضطراب يؤثر في نمو العظام بالقرب من الركبة ويمكن أن يتطور إذا لم تتم متابعته في الوقت المناسب.
مرض بلونت هو اضطراب يصيب منطقة نمو العظم الموجودة قرب الجزء الداخلي من الركبة، ويؤدي إلى تباطؤ نمو هذا الجانب مقارنة بالجانب الخارجي من الركبة. ونتيجة لذلك، تنحني عظمة الساق ويظهَر لدى الطفل بما يُعرف بالساقين المقوستَين (Genu Varum). وقد يصيب التقوس ساقًا واحدة أو الساقين معًا.
ويختلف مرض بلونت عن التقوس الطبيعي الذي يظهَر لدى كثير من الأطفال في عمر مبكر؛ إذ يبدأ التقوس الطبيعي عادة بالتحسن مع النمو، بينما يستمر التقوس المرتبط بالمرض أو يزداد تدريجيًا.
ينقسم مرض بلونت بصورة عامة إلى نوع مبكر يظهَر في مرحلة الطفولة، ونوع متأخر يظهَر لدى الأطفال الأكبر سنًا والمراهقين. ويساعد عمر الطفل وشكل التشوه ودرجة شدته في تحديد الخطة العلاجية المناسبة.
النوع المبكر يظهَر عادة قبل سن الثالثة، وغالبًا ما يصيب الساقين معًا، ويتركز التشوه بصورة أساسية في عظمة الساق (Tibia).
النوع المتأخر يظهَر عادة بعد سن العاشرة، ويكون أكثر مَيلًا لإصابة ساق واحدة، وقد يشمل التشوه عظم الفخذ (Femur) وعظم الساق معًا.
قد يكون تقوس الساقين العلامة الأولى التي يلاحظها الوالدان، لكن الأعراض تختلف بحسب عمر الطفل وشدة الحالة. وتشمل أبرز العلامات:
ولهذا فإن مرض بلونت لا ينبغي تشخيصه اعتمادًا على شكل الساق فقط، لأن هناك حالات أخرى قد تسبب تقوس الساقين.
لا يزال السبب الدقيق لمرض بلونت غير محسوم، لكن الأطباء يعتقدون أن زيادة الضغط على منطقة النمو الداخلية للساق قد تؤدي دورًا في ظهوره. وترتبط بعض الحالات بزيادة الوزن، كما يمكن أن يكون بدء المشي في عمر مبكر أحد عوامل الخطورة في النوع المبكر. وتشير المراجع المتخصصة أيضًا إلى وجود احتمال لتأثير العوامل الوراثية.
لذلك قد يكون الحفاظ على وزن صحي خلال الطفولة مفيدًا في تقليل الضغط المستمر على مفاصل الساقين، لكنه لا يعني أن زيادة الوزن هي السبب الوحيد لهذا المرض.
يَعتمد تشخيص مرض بلونت على فحص الطفل ومراقبة طريقة الوقوف والمشي وشكل الساقين، إلى جانب التصوير بالأشعة السينية (X-ray). وغالبًا ما يطلب الطبيب صورة للساقين في وضع الوقوف تشمل الورك والكاحل، للمساعدة في قياس درجة الانحراف وتقييم منطقة النمو.
كما تساعد الأشعة الطبيب على التمييز بين المرض والتقوس الفسيولوجي الطبيعي أو بعض الأمراض الأخرى التي يمكن أن تؤثر في نمو العظام.
يَعتمد علاج مرض بلونت على عمر الطفل ودرجة التقوس ومرحلة نمو العظام وشدة التشوه. وقد تشمل الخيارات:
وتشير المصادر المتخصصة إلى أن نجاح توجيه النمو يكون أقل قابلية للتنبؤ لدى الأطفال الأكبر سنًا أو المصابين بتشوه شديد أو زيادة كبيرة في الوزن.
في كثير من الحالات يمكن الوصول إلى محاذاة جيدة للساقين والعودة إلى النشاط الطبيعي بعد العلاج المناسب. ومع ذلك، يحتاج الطفل المصاب بـمرض بلونت إلى متابعة منتظمة خلال سنوات النمو؛ لأن هذا التشوه قد يعود، أو قد تظهَر فروق في طول الساقين أو مشكلات في استقرار الركبة.
وإذا تُرك مرض بلونت المتقدم دون علاج، فقد يؤدي مع الوقت إلى اضطراب المشي، وألم المفصل، وتآكل مبكر في مفصل الركبة.
إذا لاحظت أن تقوس ساقي طفلك يزداد بدلًا من أن يتحسن، أو أن ساقًا تبدو أكثر انحناءً من الأخرى، فلا تنتظر حتى يكبر الطفل. فحص طبيب عظام الأطفال مبكرًا قد يساعد على اكتشاف مرض بلونت في مرحلة تكون فيها خيارات العلاج أكثر فاعلية. ولا تحاول استخدام الدعامات أو أي علاج من تلقاء نفسك دون تشخيص.
نهايةً، قد يبدأ الأمر بتقوس بسيط في الركبة، لكن استمرار الانحناء أو ازدياده مع النمو يستحق الانتباه. ورغم أن مرض بلونت يمكن علاجه في كثير من الحالات، فإن توقيت اكتشافه يلعب دورًا مهمًا في اختيار العلاج والحد من المضاعفات. فهل التقوس الذي نراه لدى الطفل مجرد جزء طبيعي من نموه، أم أنه إشارة تحتاج إلى تقييم؟ وهل تكفي المراقبة، أم أن التدخل المبكر يمكن أن يغيّر مستقبل حركة الطفل؟ الإجابة تبدأ بفحص متخصص، وعدم تجاهل التغيرات التي تطرأ على ساقيه.